المليشيات العراقية... أبعد من "الحلّ" والضربات الأميركية
علّق صديق على الصور المتداولة للمبعوث الأميركي إلى العراق، مارك سافايا، خلال لقائه مع الرئيس الأميركي، قائلاً: إنه لم يجلس إلى جواره، وإنما دائماً يظهر واقفاً، وكأن ترامب لا يتعامل معه بجدّية، أو على الأقلّ، هذا ما توحي به الصور.
عملياً، مضى أكثر من شهر على تكليف سافايا، لكنّه لم يفعل شيئاً سوى كتابة التغريدات أو إطلاق تصريحات هي، بالمجمل، تكرار لخطابات سابقة سمعناها من المسؤولين الأميركيين، تأتي في إطار "النصائح" للحكومة العراقية بحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة على المليشيات.
قبيل الانتخابات، روّج سافايا علاقة خاصة، وربّما صداقة، عبر فيديو صوَّره بهاتفه المحمول في مكتب رئيس الوزراء محمّد شيّاع السوداني، لكنّها وضعت السوداني نفسه (لاحقاً) في موقف حرج مع خصومه داخل "الإطار التنسيقي"، أو هكذا حاولوا الإيحاء لجمهورهم، بينما تكشف التسريبات أن كلّ قوى "الإطار" تبدي الموقف المرن نفسه الذي أبداه السوداني مع "صديقه" سافايا، وأنها تقول لمبعوث ترامب ما يحبُّ ترامب أن يسمعه. حتى الآن، تريد الإدارة الأميركية من الحكومة العراقية أن تقوم بنفسها بلجم المليشيات وتحجيمها، لا أن تتدخَّل أميركا. وهذا بات يُفهم، في السياق الإعلامي وكواليس الدوائر السياسية، على أنه مدٌّ للحبل إلى منتهاه، مع الاحتفاظ بخيار التدخّل العسكري إلى اللحظة الأخيرة. لكن، من جانب آخر، هناك معطيات عديدة تشير إلى أن أميركا ربّما لن تتدخّل أصلاً، وستكتفي باستخدام أوراق الضغط الاقتصادية لإجبار قوى الإطار على إحداث التغييرات المطلوبة.
يمكننا أن نفهم بعض المؤشّرات بالعودة إلى الولاية الأولى للرئيس ترامب (2017 – 2021). فهو لم يكن معنياً بتوثيق العلاقة السياسية مع النخبة العراقية، وركّز في الحدِّ من نفوذ إيران في المنطقة ومنعها من استخدام العراق منصّةً للإضرار بمصالح أميركا وحلفائها، لكنّه لم يتدخّل لموازنة نفوذ إيران في تشكيل حكومة عادل عبد المهدي، وحاول تقليص الوجود والإنفاق العسكريَّين في العراق. حتى في اغتيال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، قرب مطار بغداد (3 يناير/ كانون الثاني 2020)، لم يكن معنياً بالحسابات السياسية الداخلية في العراق، بل إن الاغتيال جاء في ذروة تظاهرات شعبية تاريخية وغير مسبوقة، وإنما ببناء سيرته الذاتية باعتباره محارباً للإرهاب، خصوصاً مع اغتيال أبو بكر البغدادي في فترة مقاربة (في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2019).
خلال السنة الثانية من عهد ترامب، حقّقت الفصائل المسلّحة أكبر نصر سياسي لها في انتخابات 2018، واليوم حقّقت نصراً مشابهاً في السنة الأولى للولاية الثانية له. وربّما كانت الفرصة قبل سنوات أفضل للقوى السياسية التقليدية في المشهد العراقي لمجابهة المليشيات، بالمقارنة مع نفوذها وسطوتها اليوم، لذا يغدو الطلب من الحكومة العراقية أو قوى الإطار التنسيقي الشيعي أن تحلّ المليشيات بنفسها فاتِراً أكثر، وفاقداً للجِدِّية. فالمليشيات اليوم جزء من الجسم الشرعي للدولة ومؤسّساتها، وتُموَّل أنشطتها من أموال الدولة، ولا تضع يافطة فوق مقرّاتها تعرّف نفسها بأنها "مليشيات"، خصوصاً مع اكتسابها شرعية انتخابية، وحصول العديد من هذه الفصائل على عدد مقاعد غير مسبوق في البرلمان الجديد. فما هي القوى الأخرى، المضادة للمليشيات، التي تستطيع مجابهتها؟ إنها لم تعد أشباحاً تتحرّك في الظلال وتحت السطح كما كان الحال في السنوات التي أعقبت 2003، ولم تعد مشغولةً بالحرب في جبهات بعيدة كما كان الوضع في حرب التحرير ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وهي تريد زيادة مكاسبها السياسية والاقتصادية، ولا ترى أيَّ تهديد جدِّي يجبرها على ترك السلاح والتفرّغ للسياسة والاقتصاد. وتستفيد، من خلال ذلك كلّه، من المتغيّرات الإقليمية لتعزيز شرعية وجودها، باعتبارها حاميةً للطائفة. وهي سياسة ناجحة؛ فعلى الرغم من كل الكلام الذي قيل عن استخدام المال والرشاوى لشراء أصوات الناخبين، تبقى هناك نسبة مهمّة من المُصوِّتين لهذه الفصائل ذهبت إلى الانتخابات من وحي المخاوف الطائفية.
إنها أكثر قوّة اليوم، وتتكئ على شرعية سياسية وقاعدة شعبية قد نختلف على حجمها لكنّها موجودة، وقياداتها أكثر شباباً من عجائز الإسلام السياسي التقليدي، ومُستعدَّة لمنح ترامب عقوداً نفطية واستثمارات، شرط أن يتركها وشأنها (!).