المكتبات في مواجهة الرقابة
مركز توزيع كتب لدار هاشيت للنشر في ضاحية موريباس في باريس (25/5/1994 Getty)
عشتُ في فرنسا طويلاً، وما زلت أذكر بدقّة المكتبات المستقلّة، أحد أكثر الأمكنة حميميةً وإدهاشاً. إليها يمكن الدخول دونما استئذان، وعلى رفوفها وطاولاتها يمكن معاينة ما هو معروض كلّه، فالكتب موجودة هنا لكي تحاورها، تلمسها، تستكشفها، من دون أن تكون مجبَراً على شرائها. إنها مساحة يشعر فيها المرء بأنّه غير مُراقَب، وأن عقله يتنفّس بحرية، جائلاً بين الأغلفة الكثيرة والعناوين المتنوّعة التي تعطي، بمجرّد المرور عليها، فكرةً عن آخر ما نُشر وأهمّه، محلّياً وعالمياً. أجل، ليست المكتبات المستقلّة في فرنسا محالَّ تجارية، بل فضاءات عامة بكل معنى الكلمة، للاحتفاء بالثقافة، بوصفها علاقة معرفية بين البشر، في بلدٍ يبني جزءاً كبيراً من هويته على الكتاب وعلى النقاش الحرّ. إنها أشبه بمختبرات مفتوحة: مقهى بلا قهوة، وجامعة بلا امتحانات، ومنتدى سياسي بلا شعار.
إلا أنّ هذه الفضاءات بدأت تتعرّض للتهديد خلال العامَيْن الأخيرَيْن؛ فيتعرّض مكتبيّون لتهديدات، وتُحطَّم واجهاتٌ ليلاً، وتُلغى ندواتٌ خوفاً أو تفادياً للمشاكل. وحين تُجبَر مكتبة في فرنسا على ممارسة الرقابة الذاتية، فهذا يعني أن شيئاً عميقاً قد اختلّ في علاقة هذا المجتمع بنفسه؛ إذ يُعتدى على حقّ الناس في فهم العالم من زوايا متعدّدة ومتباينة، مع محاولة إفراغ الشارع من النقاش، والمدينة من التفكير، والإنسان من حريته الداخلية.
الأمثلة كثيرة وعديدة، وكلّها تذهب في اتجاه قمع حرية التعبير، أو قمع موقفٍ سياسي معارض، مخالف، لا يتّسق والموقف السياسي السائد الذي ينحو أكثر فأكثر إلى الرأي الأحادي، كراهية الآخر وشيطنته. مكتبة "مصر الصغيرة" في الدائرة الثانية رُشِقت بالأسيد، وكُتبت على واجهتها شعاراتٌ معادية، بينما كانت تستعدّ لاستقبال نقاش مع باحثةٍ في حقوق الإنسان الدولية حول فلسطين. ومكتبة "الفكر الحرّ" في الدائرة الخامسة تعرّضت للهجوم لأنها نقلت، بالمتابعة أو بإعادة البث، ندوةَ فلسطين "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة" التي ألغت كوليج دو فرانس استضافتها، ما أثار فضيحةً حقيقيةً في الأوساط الأكاديمية والثقافية. أمثلة أخرى كثيرة لم تخرج ربّما إلى العلن، وهي جزء من موجةٍ أكبر طاولت عشرات المكتبات في مدن ومناطق متعدّدة، وهو ما أشار إليه بيانٌ نشرته صحيفة لوموند في 8 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، صادر عن اتحاد المكتبيين الفرنسيين، ذكر أن التحقير والتهديدات والتنمر الإلكتروني باتت تُمارَس ضدّ مكتبات اختارت عرض كتب "جريئة" أو استضافة ندوات/ حوارات حول مواضيع سياسية حسّاسة. دعا البيان إلى أن تبقى المكتبات "ملجأً للمعرفة والإبداع"، وليس "مستودعاً للتجاوزات الأيديولوجية".
هذا ولا ننسى أن التحدّي الذي تواجهه المكتبات المستقلة، ليس فقط عنفاً مادياً أو اعتداءاتٍ محدودة، بل يشمل أيضاً هيمنةً اقتصاديةً وصناعيةً، فكريةً وتجاريةً، إذ تمارس إمبراطوريات إعلامية/ صناعية هيمنتها على سوق الكتاب أيضاً (إمبراطورية فينسّان بوللوريه نموذجاً، ومجموعة النشر والتوزيع الكبرى "هاشيت").
ردّاً على هذا الواقع، تجمّع في 27 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) مكتبيون وناشرون وقرّاء في ساحة لا ريبوبليك، حيث رُفع شعار "لا للفاشيين في شوارعنا"، مؤكّدين رفض التخويف والتهديد والضغط الذي يطاول حرّية الكتاب والنشر والنقاش، في محاولةٍ لإعادة ربط الفضاء الثقافي بالمجتمع المدني، وإعلان أن المكتبات يجب أن تُعامَل بوصفها مراكز للنقاش والعقل، لا ساحاتٍ لمواجهة الضغوط، سواء كانت أيديولوجية أو تجارية.
والحال أن خطورة ما يحدث اليوم من محاولةٍ لإعادة ترسيم المسموح والممنوع في الفضاءات الثقافية عامةً، تتمثّل في قرار المجلس البلدي في باريس التوقّف عن دعم نحو 40 مكتبة مستقلّة، فبمجرّد أن تُوصَم مكتبة لأنها عرضت كتاباً، أو استقبلت كاتباً سجالياً، أو نظّمت نقاشاً حول فلسطين أو قضايا الجندر، تُوجَّه رسالة تهديد ضمنية إلى غيرها من المكتبات، مفادها: التزام الصمت من أجل البقاء. وهي رسالة أثبتت فعاليتها في عددٍ من الحالات، كما أقرّ بعض المكتبيين بكل صراحة.