المغرب العربي يدور حول نفسه
شبّان يتظاهرون في الرباط لتحسين التعليم والرعاية الصحية وضد الفساد (2/10/2025 الأناضول)
عاشت منطقة المغرب العربي حدثين لافتين، قد تكون لهما تداعيات على المديين، القريب والمتوسط. تمثل الأول في توقيع اتفاقية تعاون دفاعي بين تونس والجزائر شمل قطاعين حيويين، الجيش والأمن، وذلك في وثيقة مكتوبة متمّمة لاتفاقية سابقة أنجزت في سنة 2001. شمل الاتفاق الجديد التكوين (التأهيل) والتدريب وتبادل المعلومات والعمل المشترك في حماية الحدود. واعتبر وزيرا الدفاع في البلدين على وصف الاتفاق بأنه "محطّة فارقة في تاريخ العلاقات الثنائية"، وذلك "لمواجهة التحدّيات المحدقة بالمنطقة". كما أنه "استباقٌ لتوتراتٍ إقليميةٍ محتملة".
يمثل الاتفاق خطوة جديدة في الرهان الذي وضعه الرئيس قيس سعيّد، وبموجبه أحدث تغييرات استراتيجية في السياسة الخارجية لتونس. لقد راهن، منذ توليه رئاسة البلاد، على توثيق الصداقة التي تجمعه بالرئيس الجزائري، عبد المجيد تبّون، وبناء تحالف قوي مع دولة الجوار، وهو ما دفع تبون إلى تأكيد أن "أمن تونس من أمن الجزائر". ومن متابعة التطورات المتلاحقة في الإقليم، يلاحظ أن هذه السياسة ازدادت عمقاً واتّساعاً وتشابكاً، ويعود ذلك بالأساس إلى تخوّف البلدين، خصوصاً تونس التي أصبحت تتعرّض لضغوط سياسية متزايدة، والتي يعتقد نظامُها أن التخفيف من هذه الضغوط يكون بتعميق التحالف مع الجزائر الأكبر بلداً في أفريقيا. وإذا كانت تونس سابقاً تعتمد في علاقاتها الخارجية على كسب ثقة الجميع وبالأساس فرنسا، وتتجنّب الاصطفاف وراء المحاور، رغم ارتباطها القوي بالمعسكر الغربي، فإنها حالياً تجد نفسها في خلافات عميقة مع المغرب، ولا تثق رسمياً بالأطراف المتحكّمة في موازين القوى الليبية. كما أن علاقاتها التاريخية بأميركا تراجعت بشكل ملحوظ، وأثر ذلك على ميزانية الدفاع التونسية بسبب العقوبات التي فرضتها واشنطن، وهناك حالياً دعواتٌ صادرة عن نواب في الكونغرس يدعون إلى فرض عقوباتٍ إضافيةٍ بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وتراجع مستوى الحرّيات.
هل اختارت تونس الطريق الأفضل لحماية أمنها بمثل هذه السياسة؟. سؤالٌ مطروح في أوساط التونسيين المتخوّفين كثيراً على استقلالية قرارهم، نظراً إلى الحجم الجغرافي لبلادهم وضعف مواردهم. المهم في هذا المسار ألا يؤدّي بتونس إلى منزلقات خطيرة تزيد من عزلتها، وتضعف كثيراً من دورها.
الحدث الثاني الذي فاجأ الجميع، تمثل في حركة اجتماعية غير معروفة تحت عنوان جيل زد 2012، التي نجحت في تعبئة جيل الشباب المغربي، الذين راوحت أعمارهم بين 13 و25 سنة، وجمعتهم حول مطالب حقيقية وحسّاسة، تعلقت أساساً بالتعليم والصحة والبطالة. بدأت الحركة عفوية وسلمية ومعبّرة عن الفجوة العميقة التي عمّقتها السياسات الحكومية المتتالية بين الطبقة المستفيدة من تراكم الثروات وعموم الشباب المنحدر من الشرائح المفقرة والضعيفة. وبدل أن تُدرك حكومة عزيز أخنوش خطورة الهزّة، وتسرع في فتح حوار معمّق مع المحتجّين، اختارت، في البداية، سياسة التهميش والتشدّد. ولكن بعد أن أدركت أن المسألة ليست حدثاً عابراً، وإنما هي حركة اجتماعية متصاعدة، لم يزدها القمع إلا قوةً وصلابة، عندها فقط غيّرت الأسلوب، وفتحت المجال للحوار.
قيل الكثير عن أحداث المغرب الأقصى، وذهب بعضهم إلى البحث عن أطراف أجنبية تريد إحداث تغيّرات عميقة في هذا البلد الاستراتيجي، بما في ذلك تغيير نظام الحكم. لكن ما كشفته الأحداث ووسائل الإعلام بعيدٌ عن تلك التوقّعات، فالشباب الذي تحرّك بكثافة وقوة يريد تغييراً حقيقياً في السياسات والمؤسّسات. شباب تعب من الأحزاب التي تنسى وعودها، وتتقاتل على المواقع. ولهذا رفض هؤلاء التنسيق مع المتحزّبين في تنظيم تحرّكاتهم وتوجيهها. لم يطرحوا فكرة تغيير النظام الملكي، لكنهم طالبوا بالحوار معه، ودعوا إلى سقوط الحكومة الحالية.
منطقة المغرب العربي هشّة وضعيفة، تبحث عن آفاق جديدة. ملّت شعوبها الشرب من الكأس نفسها. شبابها يشعر بأنه يدور في حلقة مفرغة. الفجوات تتعمّق بين مكونات المجتمع الواحد على الصعيد الجيلي والاجتماعي والاقتصادي. هناك بحث عن ديمقراطية اجتماعية حقيقية، وانتظار لفجر جديد.