اللحظات الأخيرة قبل القصف
كيف يمكن أن تكون لحظة واحدة هي الفاصل بين حياة وحياة، وكيف يمكن أن تتغيّر حياة الإنسان في هذه اللحظة. يمكن لأيّ شخص أن يجيب عن هذا السؤال بأنّ التغيير غالباً ما حدث معه نحو الأفضل، وأنّ اللحظة التي انتظرها، مثل لحظة إعلان نتيجة في سباق أو اختبار، كانت مُرضيةً وجلبت له ولمَن حوله من أفراد أسرته السعادة. أمّا في غزّة، فالأمر مختلف تماماً؛ لأنّ اللحظة الأخيرة فعلياً كانت فاصلاً بين حياة أودت إلى الموت، وحتّى إن لم يمت هذا الشاهد على هذه اللحظة فعلياً، إلّا أنّه يصحّ القول اليوم إنّه الميّت الحيّ.
تقول إحدى المكلومات إنّها في لحظة واحدة فقدت كلّ شيء، وكانت قبل هذه اللحظة تشعر ببعض الألم الممزوج بالدلال، فقد شعرت بآلام الولادة وهي في بيتها وحولها زوجها وطفلتها وبعض من أفراد عائلة الزوج، وكان الألم لا يزال متباعداً ومحتملاً، لكنّها أدركت أنّها ستضع مولودها في الساعات المقبلة، وربّما مع حلول الفجر. ولذلك قرّرت أن تجهّز حقيبة الولادة كما تفعل كلّ النساء، ورتّبت بعناية ملابس المولود المُنتظَر ووضعتها بالقرب من سريرها، وقرّرت أن تنام قليلاً. ولكنّها لم تنم، لأنّ كلّ شيء قد انتهى في لحظة.
تقول إيمان إنّها في لحظة رأت كلّ ما حولها يهتزّ، وأنّ الأشلاء حولها تتطاير، والدماء تغمر جسمها وكلّ المكان حولها، ثمّ دخلت في غيبوبة ولم تُفق منها إلا بعد ثمان وأربعين ساعة، لتكتشف أنّها قد فقدت كلّ شيء وإلى الأبد. حتّى شعور الدلال الذي كان يغمرها وهي تتخيّل فرحة زوجها بمولودهما القادم، وما سيسبغه عليه من حبّ ورعاية واهتمام، خصوصاً بعد إنجابها مولوداً ذكراً، وقد دأب الرجال ولم يتوقّفوا عن حبّ إنجاب الذكور.
لم تفقد إيمان الدلالَ الذي انتهى إلى الأبد فقط؛ لأنّ مدلِّلها قد رحل، ورحل معه شقيقه التوأم ووالدتهما، وكذلك طفلتها ذات العامَين وجنينها الذي لم يستطع الأطبّاء الحفاظ عليه، فأخرجوه ميتاً من رحمها، أمّا الفقد الأكبر فساقها. أصبحت بساق واحدة، وكأنّ هذه الساق هي الشاهد الفعلي الوحيد والدائم على لحظة أخيرة قلبت حياتها جحيماً وإلى الأبد.
الأب إسماعيل يتحدّث عن لحظات أخيرة قد عاشها قبل القصف، ويصفها بأنّها لحظات ما قبل الموت، فقد ظنّ أنّه فعلاً سيموت مع باقي أفراد أسرته. وهو فعلياً أراد ذلك، لأنّه لا يتخيّل حياته من دونهم، وهم كلّ ما يملك وأثمن ما لديه في هذه الحياة. ولذلك، حين شعر بالمنزل يهتزّ بعنف، وتناثر كلّ شيء حوله، وغمرته الأنقاض، واختفت الوجوه التي يحبّها، وأصبح الغبار هو سيّد المشهد، فيما أصمّت أذنيه أصوات الاستغاثات... أدرك وقتها أنّ حياته قد انتهت، وأنّ ثروته قد ذهبت أدراج الرياح، وأنّه سيمضي ما تبقّى له من عمر وحيداً، لا يفعل شيئاً سوى أن يجترّ الذكريات، وقد تمنّى في تلك اللحظات أن يُدفن تحت الأنقاض مثلهم، ولكنّ الأقدار رسمت مخطّطاً آخر أكثر وجعاً، فقد جعلته لا يغيب عن الوعي، وأن يرى نهاية أحبّته بعينيه وهم يدفنون فعلياً تحت التراب، إذ اختفى المنزل كلّياً عن سطح الأرض، وبقي هو فوقها بأعجوبة، ومصاباً بكسور وجروح لم تمكّنه من الحركة لفترة من الوقت، أدرك خلالها فداحة عجزه عن إنقاذهم، وأنّه يعيش كارثةً لن تتكرّر، أو أنّه يغطّ في كابوس مرعب لا يعرف له مخرجاً.
تقول الأمّ (إيمان) إنّها قد تمنّت فعلاً لو أنّها ماتت مع من ماتوا، لكي لا تعيش هذا الشعور الذي لم تستطع تجاوزه، وهو شعور أن تبقى حيّاً وترى نهاية من تحبّ في لحظة، وهي أسوأ نهاية يمكن أن يتخيّلها بشر، ويحدث الأمر نفسه مع الأب (إسماعيل) الذي تمنّى لو دُفن تحت أنقاض المنزل؛ لأنّ اللحظات الأخيرة التي عاشها قد دفنته حيّاً وإلى الأبد.