العدو: صورة صدّام على كتاب قديم
صورة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في صفحة كتاب في متجر ببغداد (28/12/20216 Getty))
في الأخبار، أُطلق سراح المهندس أيمن عمّار بكفالة، بعد أنْ احتجزته السلطة الأمنية قبل أربعة أيام في محافظة ذي قار (جنوبي العراق) بتهمة ترويج أفكار حزب البعث المحظور. وإذا دخلنا في التفاصيل، يتحوّل الأمر إلى نكتة سمجة؛ فعمّار ورفاق وأصدقاء له يعملون منذ فترة لتجميع أكبر عدد ممكن من الكتب من متبرّعين، لتوزيعها بالمجّان ضمن فعّاليات مهرجان ثقافي يعملون فيه بمدينة الناصرية (مركز محافظة ذي قار) تحت عنوان "الناصرية تقرأ". وهو تقليد متّبع في العراق منذ سنوات بجهود فردية غير مدعومة من جهات رسمية، وأشهر فعّاليات هذا التقليد مواسم مهرجان "أنا عراقي أنا أقرأ" الذي يُقام في حدائق أبو نؤاس على ضفّة دجلة، كلّ عام. وقد وزّع المهرجان في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي أكثر من 50 ألف نسخة من كتاب بالمجّان.
أوقفت السلطات الأمنية عمّار، الذي كان يرافق عجلةً تحتوي كتباً من بعض المتبرّعين في بغداد، وفتّشوا السيارة، ثم عثروا على نسخة من كتاب قديم من زمن النظام السابق، أصدرته آنذاك نقابة الصيادلة العراقيين، ويتضمّن في صفحته الأولى صورة للرئيس الأسبق صدّام حسين. وبسبب هذه الصورة صودرت حمولة السيارة، واعتُقل عمّار، ثم أُلغي المهرجان بالكامل.
قد تبدو الحادثة غريبة ومزعجة فحسب، لولا أنها تنتظم في سياق أكبر. ففي منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، نظّمت جهات سياسية ودينية حملات في مواقع التواصل الاجتماعي لإلغاء حفل للفنّان محمّد عبد الجبّار، كان قد خُطّط لإقامته ضمن فعّاليات افتتاح مشروع سكني جديد، بدعوى أن الحفل يخالف الأعراف والتقاليد الاجتماعية في المحافظة. انتهت المواجهة، التي كشفت صراعاتٍ سياسيةً داخل المحافظة، بإقامة الحفل، لكن حفلات أخرى لفنّانين كان من المفترض إقامتها في الأسابيع اللاحقة جرى إلغاؤها. تعرّض الفنّان محمّد عبد الجبّار إلى ضغط شديد، ما اضطرّه إلى إيقاف حفلاته الأخرى، ومنها حفلة في مدينة البصرة. كما ألغتْ الفنّانة أصيل هميم حفلةً أخرى كان من المقرّر إقامتها في المدينة، بسبب احتجاج قاده ممثّل الولي الفقيه، المرشد الإيراني، في البصرة.
بالعودة إلى الناصرية، شنّت جهات متشدّدة حملات تشهير على باعة كتب في سنوات سابقة، واتّهمت مكتبة بيت الألواح بأنها تروّج كتباً إلحاديةً، ما أدّى إلى إغلاق المكتبة. بشكل عام، لا ينتبه كثيرون إلى ما يجري في مدن الجنوب العراقي ذات الغالبية الشيعية، وكيف يُخنق المجال الثقافي والفنّي، وتُقيَّد مظاهر التنوّع التي كانت سمةً مميّزةً لمدن الجنوب عبر تاريخها المعاصر، فغالبية الفنّانين والموسيقيين والأدباء والممثّلين جاءوا من مدن الجنوب العراقي، ولا سيّما مدينة الناصرية التي صدّرت أجيالاً من المغنين المعروفين، من جيل حضيري أبو عزيز وداخل حسن، إلى جيل الملحّن الكبير طالب القره غولي، وصولاً إلى جيل المطربين الشباب المعروفين عربياً اليوم مثل سيف نبيل وحسام الرسّام.
يجري خنق مجتمع الجنوب وفرض ثقافة أحادية ذات طابع أصولي شيعي، ليس بتأثير مشايخ الدين أو التيارات الإسلامية الشيعية فحسب، وإنما أيضاً اتّباعاً لسياسة احتواء وسيطرة إيرانية، أداتها التنفيذية شبكة المليشيات المسلّحة.
من الصعب تصديق أن حجّة "ترويج أفكار حزب البعث المحظور" مقنعةٌ فعلاً، لأن الأفكار (الجيّدة منها أو السيّئة) لا يمكن خنقها في عالم مفتوح رقمياً كما هو عالم اليوم. وسيبدو مثيراً للاستغراب ألّا تدرك هذه الجهات أن المنع والتقييد هما أفضل وسيلة لإنتاج دعاية مضادّة، وأن أدوات القمع والتضييق التي اعتمدتها الأنظمة الاستبدادية في عقدي السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي لم تعد فاعلةً اليوم.
هذه الوسائل العتيقة لا تفعل شيئاً سوى توفير ذريعة جديدة للشباب للالتفاف حول قضية أخرى، في كلّ مرّة تقع فيها حادثة مماثلة، مثل إلغاء مهرجان ثقافي بسبب صورة لصدام على كتاب قديم. وهي تذكير لكثير من العراقيين بحجم المفارقة التي يعيشونها، ومن هو خصمهم الفعلي الذي ينبغي عدم التعايش معه أو الإذعان له.