العجز السياسي والنزاع في السودان

21 نوفمبر 2025

سودانيون فارّون من الفاشر يصلون إلى مخيّم الأفاد في الدبة (19/11/2025 فرانس برس)

+ الخط -

رغم مرور ما يقرب من ستّ سنوات على ثورة ديسمبر (2018)، ما زال السودان مشتتاً بين الحرب والسلم، فقد شهدت هذه السنوات عجز المجتمعين، الدولي والمحلّي، عن التوافق على إطار حلٍّ سياسيٍّ أو حسم عسكري. في الوقت الراهن، يواجه السودان المعضلة نفسها، فبينما تضع اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات) لحلّ النزاع في السودان (12 سبتمبر/ أيلول 2025)، خريطة طريق للسلام اشتدّت حدّة الحرب في دارفور مع نهاية الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، ما يمثل استمراراً لهشاشة محاولات تثبيت مقترحات وقف الحرب. وهنا، تمثّل أحداث مدينة الفاشر مؤشّراً على نقص كفاية المساهمات السياسية في إقرار وقف إطلاق النار أو فرض السلام. ولهذا، يساعد الاقتراب من ملامح مبادرة "الرباعية" وسلوك الفاعلين المحلّيين في فهم سياقات الحرب ومعوقات التوافق السلمي.

في مبادئ إنهاء النزاع

في محاولة لتطوير منظور الحلّ السياسي، اتجهت اللجنة الرباعية إلى وضع مبادئَ للحلّ السلمي، تنطلق من تعريف الوضع الحالي في السودان. وتشكّلت خلفية ملامح خريطة الطريق على أرضية تلاقي اللجنة على وجود الطرفَيْن؛ الجيش وقوات الدعم السريع، وتجنّبت منح أيٍّ منهما أولوية سياسية أو قانونية على الآخر، وذلك اتساقاً مع مرجعية إعلان جدّة في مايو/ أيار 2023. وبهذا المعنى، تجاوزت طلب الإمارات باستبعاد الجانبَيْن من الحلّ السياسي، وإسناد مهام المرحلة الانتقالية للأحزاب والمنظمات المدنية.

وفق هذه الخلفية، تضمّنت خريطة الطريق ثلاثة مبادئ، في مقدمتها التركيز على تلازم الجوانب الإنسانية والعملية السياسية، وفق جدول قصير المدى، يبدأ بهدنة إنسانية ثلاثة أشهر، يصاحبها وقف إطلاق النار ورفع الحصار عن المدن، ثمّ تنتقل إلى مرحلة انتقالية تسعة شهور، تنتهي إلى نظام حُكم مدني. ويتعلّق المبدأ الثاني بتعريف الحالة في السودان مشكلة نزاع على السلطة يستحيل حسمه عسكرياً، وإلى جانب القبول بتماثل الوضع القانوني للجيش و"الدعم السريع". وبغض النظر عن تأثير تبنّي مفهوم النزاع على مشروعية مجلس السيادة، فإنه يفتح الطريق أمام تقاسم السيادة وضعف الحصانة ضدّ التدخّل الخارجي، وخصوصاً مع تعدّد مناطق الحرب وتزايد التطلّعات المحلّية على حساب مركزية الدولة.

تتسبّب الحرب في تدهور القدرة على ابتكار تصوّر سياسي عن الدولة

وفي المبدأ الثالث، اهتمت اللجنة بتحديد المشاركين في المرحلة الانتقالية بشكل عام، وتبنّت خريطة الرباعية القوى المشاركة في ثورة ديسمبر أساساً لهيكل المرحلة الانتقالية. ولذلك، اعتبر منُتدى القوى المدنية والسياسية السودانية، المنعقد في القاهرة في يوليو/ تموز 2024، صيغةً مقبولة لدى أعضاء اللجنة، فيما استُبعدت جماعة الإخوان المسلمين والكيانات المرتبطة بها، من دون إشارة إلى انحدارها من النظام السابق، ولكن لتصنيفها منظّمات متطرّفة، ومصدراً لعدم الاستقرار في أنحاء المنطقة. ويتلاقى هذا التوجّه مع قرار وزارة الخزانة الأميركية تصنيف كتيبة البراء بن مالك "منظّمةً متطرّفةً"، ليضع سياسة الاستبعاد ضمن إطار دولي واسعٍ، تتشكّل ضمن توجّهٍ استباقي لمحاولة المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية التموضع في الحرب الجارية أو النفاذ للبنية السياسية الجديدة، لتكون خطوة وقائية لمنع شرعنة وجود الإسلاميين على أيٍّ من جانبَي النزاع.

البنية الداخلية للرباعية وطرفا النزاع

وفق هذه الأطر، يتشكّل دور العامل الدولي تجاه النزاع في السودان تحت قصور ضمانات منع توسّع الحرب، ليقترب من صورة تعادل فرصة المتنازعين في البقاء على المسرحين، السياسي والأمني، فعلى مدى الأشهر الماضية، تشكّلت ملامح خريطة الرباعية في ضوء تغيّرات داخلية. وفي إطار محاولاتٍ لاحتواء الخلاف بين الدول على الحلّ السياسي، دخلت مصر عضواً في اللجنة بديلة عن بريطانيا، يونيو/ حزيران 2025، لتبدأ مرحلة أخرى، تخفّ فيها حدّة الاعتراض على دور القوات المسلّحة من الولايات المتحدة والإمارات. ويمثّل انعقاد اللجنة في سبتمبر/ أيار الماضي تقدّماً في تلاقي الدول الأربع على تسويات تضمن بقاء الأطراف الأساسية من دون الإخلال بمشروعية مجلس السيادة ممثّلاً للدولة في الخارج واستمراره في المرحلة الانتقالية.

ورغم تحسّن الإطار الداخلي، وتتابع الاجتماعات اللاحقة في بورتسودان، تظلّ خريطة الرباعية مناورةً في التفكير السياسي، تتوقّف فاعليتها على طبيعة التفويض الدولي للجنة واستجابة الأطراف السودانية لتطلّعات وقف الحرب، في ظلّ التمييز ما بين القوى السودانية. وهنا، تكشف شدّة إطلاق النار والانتهاكات الجسيمة عن تواضع إلزامية دور اللجنة أسوة بضعف الجدوى من قرارات مجلس الأمن، ليكون الموقف الدولي خالياً من القوة المُلزِمة للأطراف السودانية. تكمن نقطة الضعف الرئيسة في غياب آلية فاعلة لمنع تدفّق السلاح للقوى خارج الجيش أو المحاسبة على الانتهاكات ضدّ الإنسانية.

عادة ما تسارع "الدعم السريع" إلى قبول أيّ مقترحات دولية تطلّعاً لتثبيت مواقعها

لم يكن لتبنّي مفهوم النزاع وقعٌ متماثلٌ على طرفي الحرب، فباعتبارها السلطة الشرعية، تحفّظت وزارة الخارجية السودانية على خريطة الرباعية لأنها تفتح الطريق لتدخّل إقليمي أو دولي لا يحترم صلاحية مؤسّسات الدولة في الدفاع الشرعي ضدّ التمرّد المسلّح، ولعدم شمولها آلياتٍ تضمن وقف إطلاق النار وفكّ حصار المدن. ورغم القلق من فرض قيود على السيادة الوطنية، كان انتقاد الحكومة العجز الدولي عن تنفيذ قراري مجلس الأمن 2736 و1591 بمثابة تناقض في النظر للدور الدولي، فهو في حقيقته دعوة إلى التدخّل ضدّ التمرّد على الحكومة المركزية.

في الجانب الآخر، عادة ما تسارع "الدعم السريع" إلى قبول أيّ مقترحات دولية تطلّعاً لتثبيت مواقعها. ولذلك، تعتبر الدور الخارجي عاملاً مساعداً في تعزيز مكانتها في السياسة السودانية، وهذا ما يفسّر قبولها خريطة الرباعية وتطلّعها إلى المشاركة في أيّ إطار دولي آخر، إذ يمثّل الانقسام الدولي حول السودان فرصةً للاعتراف بسيطرة "الدعم السريع" على الفاشر، ومنحه ميزةً نسبيةً على حساب قوى دارفور الأخرى.

تداعيات أزمة الفاشر

في الحرب الجارية، يتبع الجيش الوطني أساليب تقليدية غير كافية لمعالجة الصراعات الإثنية. فعلى مستوى المقترحات السياسية، يفتقر مجلس السيادة إلى ابتكار حلّ سياسي للخروج من حالة الحرب. وعلى مستوى العمليات العسكرية، لا يتمتّع الجيش بتحالفات مستقرّة. فمنذ إبريل/ نيسان 2019، ظلّت الدولة من دون استقرار إطار دستوري، لتتوالى الانقسامات في عام 2021 و2022، وتتحوّل أزمةً عسكريةً مع اندلاع الحرب في إبريل 2023، ليُوضَع الجيش أمام بديلَيْن، إما التحديث والحشد لفرض السلطة أو الاستفادة من ميراث الحرب الأهلية الطويلة في تقديم إطار سياسي يستوعب التطلّعات الإثنية من مسافات متساوية.

وهنا، يفتح سقوط الفاشر بعد حصار أكثر من عام النقاش حول طبيعة التحالف ما بين الجيش والقوة المشتركة وحركة العدل والمساواة. من وجهة أساسية، تكشف المراحل الأولى من الحرب جانباً من طبيعة العلاقة. في البداية، وتحت ذريعة حماية المدنيين، عندما أعلنت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلّح في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، لتبدو علاقاتها بالمؤسّسة العسكرية غير عضوية، إذ تحتفظ بسلطة تقديرية للمشاركة في المعارك أو الامتناع، وهي وضعية تبقى رهينةَ تغيّر مراحل الصراع، تسمح بمرونة الاستبعاد أو التفاوض مع أيٍّ من طرفي الحرب.

كشفت أحداث الفاشر بيئةَ احتراب ما بين الأحزاب والمنظّمات المدنية في جانبَي الصراع

يطرح هذا الوضع حدود مساهمة تفاهمات مجلس السيادة مع حركات دارفور في العمل جبهةً عسكريةً خاليةً من البحث عن الامتيازات السياسية. وفق مجريات الحرب ضدّ "الدعم السريع"، لم يُسعف التساند في تثبيت الوضع لصالح الجيش في غرب السودان. وهنا، يتسم سلوك حركات دارفور، ضمن إطار جوبا (2020)، بالطابع المحلّي، فتربط مساهماتها السياسية أو العسكرية بترتيب أولويات البقاء، وتقوم مفاضلتها على إعلاء الوعي المحلّي بتقاسم السلطة وتقرير المصير، في مقابل تأخير الالتزامات المتعلقة بمتطلّبات تكامل ووحدة الدولة.

وعلى مستوى الأحزاب السياسية، كشفت أحداث الفاشر بيئةَ احتراب ما بين الأحزاب والمنظّمات المدنية في جانبَي الصراع، فقد تلاقى تحالف صمود المدني الديمقراطي (13 سبتمبر/ أيلول 2025) على أهلية خريطة الرباعية لحلّ النزاع واجتثاث "الإخوان" و"المؤتمر الوطني"، وتهيئة الظروف للحوار السياسي الشامل. وفي سياق مُقارِب، يعمل تحالف تأسيس في مسارَيْن؛ تجنّب الصدام مع المواقف الدولية، وصناعة الظهير المدني لـ"الدعم السريع". فمن خلال هاتين السياستين، زادت قناعة الرعاة الدوليين وميولهم إلى اعتباره طرفاً في الأزمة السياسية، فقد تلاقى مع بيان "الرباعية" في 12 سبتمبر/ أيلول الماضي على وقف الحرب وبناء الدولة ومعالجة جذور الأزمة التاريخية. لا تكمن أهمية هذه التصريحات في فحص مصداقيتها بقدر الاهتمام بوضع موطئ قدم في الحوار الدولي الرسمي ليتمكن من تطوير مطالبه، ومزاحمة مشروعية مجلس السيادة.

وفي المقابل، لا يُبدي الإسلاميون موقفاً متجانساً. فعلى مستوى الخطاب، تلاقى "المؤتمر الوطني" والحركة الإسلامية على التوجّه الجهادي التقليدي لمواجهة "تقتيل آل دقلو وبطشهم" وحلفائهم، تُحشد فيه الولايات وراء الجيش، وتوسيع التجنيد وبناء تحالف عريض لتوحيد السودان. لكنّه على المستوى الواقعي، ورغم هذه الحدّة الانفعالية، لم تُرسَم مُحصلّة سلوك أحزاب النظام السابق موقفاً واضحاً تجاه النزاع، فهي مُوزعة ما بين دعم الجيش وتفضيل "الدعم السريع" لأسباب أيديولوجية أو للعلاقات القرابية، لتبدو في حالة انتظار النتائج المرحلية للمعارك. وهنا، يمكن قراءة كلمة رئيس الحركة الإسلامية علي كرتي، عن أحداث الفاشر، لتظهر محاولةَ استعداد للوقوف بجانب الجيش في موقف لم يتعزّز من جناحَي "المؤتمر الوطني".

تستمدّ الأزمة الجارية مصادرها من جانبَين، رتابة المُقترحات السياسية، الدولية والمحلّية، وتراجع أهمية التفاهمات مع طول فترة الحرب

وبغض النظر عن ضعف فرصة مساهمة أحزاب النظام السابق، فإنه تماشياً مع هذا السياق، تسمح مراحل تطوّر "الدعم السريع" بوجود مساحة تداخل اجتماعي مع الحركة الإسلامية/"المؤتمر الوطني"، يظهر بعض آثارها في تقارب رموز من النظام السابق مع تحالف "تأسيس" أو التباعد مع مجلس السيادة. تساهم هذه النقطة في فهم الانقسام الداخلي بشأن الحرب وتأرجح الموقف من الجيش بين السلبي والمحايد، وهو ما يمثّله تكتل التيار الإسلامي العريض (20 إبريل 2022)، إذ تتوزّع مواقف مكوّناته في جانبي الأزمة، فيما تتقارب في مواجهة التحالفات المنبثقة من الحرية والتغيير.

وبشكل عام، تستمدّ الأزمة الجارية مصادرها من جانبَين، رتابة المُقترحات السياسية، الدولية والمحلّية، وتراجع أهمية التفاهمات مع طول فترة الحرب، حتى صارت هناك صعوبة في الاحتجاج باتفاق جوبا أو الاتفاق الإطاري (ديسمبر/ كانون الأول 2022)، حيث التغيّر المستمرّ في التأثير النسبي لأطراف الصراع. من وجهة أساسية، تفرض "الدعم السريع" تحدّيات أمام الإصلاح العسكري، فهي كيان هجين بين الجيش التقليدي والمليشيا الاجتماعية المسلّحة، بشكل لا يناسب عملية التحديث والالتزام بالقانون. تفاقم الحرب هذه المشكلات حيث ترتهن عملية تكوين الجيش الجديد لعلاقات القوة ما بعد الحرب، فيعزّز بقاء المليشيات نفوذ الجماعات الإقليمية على حساب مركزية الدولة التقليدية.

على أيّ حال، يواجه السودان أزمةً مُركبةً، تظلّ عوامل تحفيزها باقيةً في عاملين: اختلاف النظر الدولي للخروج منها، وهيمنة التطلّعات المحلّية في مقابل اهتزاز القناعة بوحدة الدولة، وبغض النظر عن مساهمة المتغيّرات الداخلية والخارجية، تتسبب الحرب في تدهور القدرة على ابتكار تصوّر سياسي عن الدولة، لينحسر التداول في الحديث عن شكل الحكم وتوزيع الثروة وقاصراً عن تقديم قراءة ناضجة لتعريف هُويَّة السوداني، وهي أزمة يتضاعف أثرها مع هشاشة البنى العسكرية والسياسية، بشكل يُبقي اللجوء للعامل الخارجي وسيلةً للتمكين السياسي.

5DF040BC-1DB4-4A19-BAE0-BB5A6E4C1C83
خيري عمر

استاذ العلوم السياسية في جامعة صقريا، حصل على الدكتوراة والماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وعمل باحثاً في عدة مراكز بحثية. ونشر مقالات وبحوثاً عديدة عن السياسية في أفريقيا ومصر والشرق الأوسط .