الطائفية السورية في مؤشّر المركز العربي
قراءة نتائج استطلاع الرأي الضخم الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة (مركز حرمون سابقاً) فعلٌ مفيدٌ لكل قارئ؛ لصنّاع السياسات في سورية والأكاديميين هناك، وللقيّمين على مؤسّسات بحثية عربية ودولية، ولكن أيضاً للصحافيين ولصنّاع الرأي ولكل مهتم بالشأن السوري، أجنبياً كان أو حاملاً بطاقة هوية ذلك البلد. ومن يعرف شيئاً عن المركزين، لا بد أنه يثق بمهنية باحثيهما والمشرفين عليهما. أما المتسائلون بشأن عيّنة الاستطلاع ومعايير اختيار أفرادها ومنهجيتها ودرجة تمثيلها المجتمع السوري، فلهم أن يتقصّوا المعلومات الواردة على الموقعين الإلكترونيين للمركزين، والبيان المطوّل الصادر عنهما يوم الأحد، والذي يخبرنا ما يكفي عن حجم العيّنة وشمولها المحافظات الـ14 وهامش الخطأ في الاستطلاع ومدّة العمل عليه وعدد الباحثين والمشاركين فيه وعدد ساعات العمل على إنجازه، ليكون "الأول من نوعه في تاريخ سورية" من ناحية حجم عيّنته وتضمّنه أكثر من 420 سؤالاً عن أحوال السوريين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ووطنياً، وصولاً إلى علاقتهم بوسائل التواصل الاجتماعي.
في سياق سوري متخم بالطائفية، جدير التوقف عند عدد من نتائج الاستطلاع الخاصة بالمذهبية والطائفية. نتائج وإجابات تؤكّد كم أنها داخلية مشكلة تقليلنا من شأن أمراضنا الاجتماعية ــ السياسية، وعيشنا في عالمين متوازيَيْن، أحدهما ينتمي إلى الخطاب الوطني المجرّد عند الإجابة عن أسئلة استطلاع رأي مثلاً، والثاني يتلوّث بالممارسة عندما يغرق في وحل الواقع. فأن يجيب 64% من المستطلعة آراؤهم بأن "الشعب السوري نجح عبر السنين (...) في الانصهار في بوتقة الأسرة الواحدة"، فإنما هذا يضعف من مصداقيتّه اعتراف 84% من المستجيبين إياهم بأن الناس هذه الأيام يصنّفون أنفسهم والآخرين على أساس مذهبي وديني في سورية.
لا يعود التناقض هذا إلى مشكلة في استطلاع الرأي الذي من واجباته طرح أسئلة متشابهة ومتلاحقة أحياناً مع فوارق مهمّة، ولكنها غير مرئية بشكل جليّ (nuances). جزء من التناقض هنا في إجابات المستطلعة آراؤهم يفسّره جواب لاحق يفيد بموجبه 41% من المستجيبين بأن التوتر بين المواطنين بحسب المذهب أو الدين سببه تدخلات جهاتٍ خارجية وليس نتيجة غياب المواطنة والتسامح كما يعتقد 36% من أفراد العيّنة. هناك استسهال عند فئاتٍ شعبيةٍ كثيرة، ليس في سورية فحسب، لرمي المسؤولية على الأجنبي وتبرئة الذات من أمراض عضوية، وهي من صناعة محلية جداً، كالطائفية. فممّا يقوله الجوابان أعلاه، إننا، نحن السوريين، عشنا "عبر السنين" عصراً ذهبياً في بوتقة أسرة واحدة، ولكننا "هذه الأيام" نعيش انتكاسة طائفية نفاقمها بالأفعال، ثم نحاربها بقول إنه لا فرق لدى 66% منّا في التعامل مع الآخرين، بغضّ النظر عن طوائفهم أو دياناتهم، وإننا لا نمانع أن يكون جيراننا من ديانات وطوائف وإثنيات أخرى.
لعلم نفس الجماعة على الأرجح مساهمة في تفسير تناقض أجوبة أفراد مستطلعة آراؤهم، فعندما يتلقّى شخص أسئلة مكتوبة أو عن طريق مقابلة مباشرة، يميل أحياناً كثيرة إلى أجوبة الصواب السياسي، وأحياناً أخرى على العكس من ذلك، يتقيّأ كل القذارات بلا فلتر، تماماً مثل ما يفعل عندما يكون خلف شاشة قاتلاً ومقتولاً على جبهات "السوشال ميديا". فما نراه من عداء طائفي في سورية، ومن فرز جغرافي وسياسي وديمغرافي فاضح على أساس مذهبي، يجعل قولاً كـ"إنّ معظم السوريين بعيدون عن التمييز الطائفي والإثني في التعامل مع الآخرين" فيه إنّ. في المقابل، أغلب الظن أن معظم السوريين وغير السوريين يعتبرون لحسن الحظ أن الطائفية مرضٌ، المجاهرة فيه عيب، فتراهم أحياناً كثيرة ينزعون إلى تقديم صورةٍ غير طائفيةٍ عن أنفسهم في استطلاع رأي محترَم، في مقابل غوصهم في الطائفية حتى الركب عندما يحين وقت الجدّ في مناسباتٍ غير محترمة.
وهنا يُطرح السؤال عن أيهما أفضل: اعتراف بالطائفيّة هو أقرب إلى الوقاحة من الصراحة، أو كذب وادّعاء بُغض المذهبية لأن القائل الطائفي يخجل فعلاً من مرضه؟