الدولة والسوق... وليبرالية الريع الصحّي
السؤال المقلق، في صلب هذا النقاش: هل صارت الدولة، في زمن التسيير الليبرالي الجديد، تُغذّي السوق وتسلّحها، لكي تهزمها؟ من يتأمّل نقاشات المنظومة الصحّية في المغرب، وما يدور عنها من "مفرقعات" برلمانية وسياسية تخصّ تضارب المصالح داخل الحكومة، سيطرح الموضوع بحدّة من زاوية آثاره على مفهوم الدولة نفسها. والمقصود من هذه التوطئة أن المغرب الذي دخل في مغامرة كبيرة (الأولى في تاريخه) تتعلّق بإقامة صرح الدولة الاجتماعية، وفي قلبها الحماية الاجتماعية والتغطية الصحّية لاستفادة المواطنات والمواطنين كلّهم من التأمين الصحّي الإجباري، يواجه نقاشاً يتعلّق بالتطبيق العملي لدعائمها.
ويُجمع الكلّ على أن المغامرة كانت بقرار سيادي، جاء في لحظةٍ كانت الدعوات إلى تفكيك الطابع الاجتماعي للدولة في أوجها، حيث كانت قوى سياسية، إمّا تحتفي باقتصاد السوق، أو تمتح مرجعيتها من الانتماء الديني، قد جاهرت بدعوة الدولة إلى "رفع يدها عن الصحّة والتعليم"، وجعلت من ذلك أفقاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لخطابها السياسي.
80% من كلفة التغطية الصحية تذهب إلى القطاع الخاص مقابل أقل من 8% للمستشفى العمومي
في حين توجّهت المؤسّسة الملكية إلى غير ذلك، وأطلق الملك محمّد السادس "مشروع العهد"، عندما أعلن قبل خمس سنوات وضع دعائم الدولة الاجتماعية (الدعم المباشر للفقراء، التأمين الصحّي الإجباري، المنظومة الصحّية المتكاملة، التعويض عن فقدان الشغل، دعم التمدرس... إلخ)، ورافق ذلك جدول زمني محدّد وغلاف مالي مدقَّق، قبل مجيء الحكومة الحالية التي تُصنَّف عادةً "حكومة رجال الأعمال" أو الحكومة الليبرالية الواضحة.
يثير الموضوع، إلى جانب التعثّر في تطبيق هذه الآفاق كلّها، المتوافق عليها وطنياً بشكل واسع، ترتيبَ دولةٍ دخلت هذه المغامرة غير المسبوقة عالمياً، ونقاشاً سياسياً مصاحباً، تفجّر مع وجود شركات من مؤسّسيها وزراء في الحكومة، استفادت من صفقات، ولاسيّما الخاصة بالدواء، إنتاجاً واستيراداً. وبعيداً عن التوظيف السياسي التناحري الذي يسبق الحملات الانتخابية (وقانون المالية الحالي 2026 آخر تمارين الفعل الحكومي)، فإن السؤال المقلق، في صلب هذا النقاش: هل صارت الدولة، في زمن التسيير الليبرالي الجديد، تغذّي السوق وتسلّحها، لكي تهزمها وتُعطّل مسيرتها نحو مهمتها التي اختارتها لنفسها من خلال توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية؟
ليس للسؤال أيّ منزع استشكالي، بقدر ما هو إعادة صياغة لملاحظة عينية شبه يومية، تبدو بوضوح في القطاع الصحّي. ولعلّ مقدمات ذلك صارت أكثر وضوحاً مع ما بات يُعرَف بتضارب المصالح بين المسؤولية في اتخاذ القرار والربح (أو الريع) في الاستفادة من ثمن الأدوية والعلاجات في المغرب. وهي سوق مفارِقة للغاية. إذ تُجمع التقارير الواردة عن المؤسّسات الدستورية، قبل المؤسّسات المدنية أو الخارجية، على أن الأثمنة المغربية تفوق بكثير المعدّل العالمي في الاستشفاء، ولاسيّما المنتجات المُستورَدة، إذ تُباع بأسعار مضاعفة بشكل خيالي، حتى أن الوزير الشهير بالإنجازات الرياضية فوزي لقجع، وهو الوزير المنتدب في الشؤون المالية بالمغرب، تحدّث عن زيادة تفوق 300% عن الثمن المفترض لبعض الأدوية المُستورَدة بالخصوص، والتي تتعلّق بالأمراض المزمنة. والعملية تخضع لـ"إجبارية" لا مناص منها؛ ذلك أن الدواء لا خيار فيه، فهو إجباري، كما أن ثمنه إجباري ولا يخضع لأيّ منافسة، التي لم يوجد قانونها إلى حدّ الساعة.
وعليه، فإن المستفيد من تجارته يكون لديه هامش ربح باهظ وكبير، ويمكن أن يصل الهامش فيه إلى ما يتجاوز 300% كما جاء في البرلمان على لسان فوزي لقجع. ويمكن أن نُجازِف بالقول إن هوامش الربح في الدواء تفوق أيَّ تصور ممكن.
يطرح تضارب المصالح بين وزراء وشركات أدوية سؤال أخلاق الدولة وجدوى مشروعها الاجتماعي
وممّا غذّى التنافس على الربح (إلى حدّ الجشع)، أن الدولة ضخت المليارات من الدراهم (51 ملياراً، ما يعادل قرابة خمسة مليارات دولار سنوياً) من جيوب المواطنين ودافعي الضرائب، ويتبيّن الآن أن 80% أو يزيد من التغطية المالية تذهب إلى القطاع الخاص: مصحّات، وشركات أدوية، ومختبرات، وأفراد، على حساب المستشفى العمومي الذي لا يتلقى أكثر من 8%، والباقي يعود إلى التعاضديات التي تمثّل تحدّياً آخر للدولة الاجتماعية.
مربط الفرس هنا أن الدولة، عندما قرّرت، بسيادة فريدة وضدّ كل الدعوات السياسية للتخلّص من الوظيفة الصحّية ورفع يدها عن كلفتها المالية، أن تتولّى الطابع الاجتماعي لوظيفتها، فتحت، في الوقت نفسه، الباب مشرعاً لاستفادة القطاع الخاص أكثر من القطاع العام. وتركت المواطن أمام آلة ليبرالية متوحّشة، من عناوينها البارزة أن الأسر تدفع ما يقارب 50% من كلفة العلاج، مقابل 29% فقط يتولاها التأمين الصحّي الإجباري العمومي. وفي المقابل، الأموال العمومية تستفيد منها الكيانات الليبرالية التي لا تتقاطع حساباتها دائماً مع الأهداف الاجتماعية للدولة، أو تعمل على تخفيض سقفها الاجتماعي.