الجزائر والمغرب مجدّداً

01 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 09:42 (توقيت القدس)

علما المغرب والجزائر في قصر الرئاسة الجزائرية في العاصمة (24/11/2012 فرانس برس)

+ الخط -

استمع إلى المقال:

قد يُرى تقليديّاً، وربما نافلاً، قولُ ملك المغرب، محمد السادس، الثلاثاء الماضي، إن بلادَه مستعدّة لـ"حوار صريح ومسؤول، أخوي وصادق" مع الجزائر، من فرط تكراره من الملك نفسه، منذ الأزمة الحادّة بين البلديْن وقطع العلاقات في أغسطس/ آب 2021. بل صار من لوازم خطابات العاهل المغربي في مناسبة عيد العرش سنوياً أن يأتي فيها على هذا الشأن، وهذا هو لا يضيف جديداً عندما يطرح أن الحوار الذي استرسل في وصفه، ويُبدي استعداد المملكة له، "حول مختلف القضايا العالقة"، وعندما يتحدّث عن "علاقاتٍ إنسانيةٍ وتاريخيةٍ عريقة" تربط بين الشعبين، المغربي والجزائري، لكنه يؤكّد المؤكّد... والسؤال هنا إنْ نُشيح النظر عن هذه الدعوة الملكية، المتجدّدة، بالنظر إلى رتابتها، أم نلتفت إليها، ونذكّر أنفسنا، نحن العرب، بأن بلديْن عربيَّيْن جارَيْن، كبيرَيْن، في قطيعةٍ مزمنة، وفي حربٍ سياسيةٍ وإعلاميةٍ ودبلوماسيةٍ، وبأن هذا الحال يجب أن يتوقّف، أو أقلُّه يحسُن أن تتجدّد جهودٌ من أجل انتهائه، ففي الأمّة فائضٌ من النوازل والتعاسات، ما يجعلها في غير حاجةٍ إلى شقاقٍ فادحٍ كالذي بين الرباط والجزائر، ولا تُرى له نهاية. ولأنَّ بؤسَ العلاقات بينهما عتيقٌ ومستدامٌ (إلا من فتراتٍ قصيرةٍ سيطر فيها الجانبان على خلافاتهما)، فإن الشروع في أي جهدٍ يتجّه إلى "تخفيض التصعيد" قد يبدو بلا طائل. ولكن، ما من أزمةٍ سياسيةٍ في الدنيا، مهما بلغت من توتّر، بل أياً كان مدى العنف الذي وصلت إليه، إلا وعرفت حلولاً أو أنصاف حلول. ولذلك، لا يحسُن النظر إلى الذي بين الجزائر والمغرب قضاءً وقدراً لا رادّ لهما. وفي الوُسع مغادرة اليأس إلى محاولاتٍ شاقّة، مدفوعةٍ بالمثابرة والأمل، للمضي إلى خلاص الجزائريين والمغاربة من هذا المرض السقيم.
لا ينفع التذكير هنا بأن الجزائر هي التي أقدمت على قطع العلاقات، ولا بأن الرباط نادت غير مرّة، بلسان الملك، إلى الحوار الثنائي. لا ضرورة لهذا الكلام، ولا لتعيين المسؤوليات في إيصال الأزمة إلى القطيعة الصعبة. وإنما هو الوقتُ لأن يتداعى حكماءُ من الأمة، في مواقع رسميةٍ وأهلية، أو ذوو مكانة وخبرة، بدفعٍ من منظمّة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، من أجل بناء خريطة طريقٍ تأخُذ البلدين إلى الحوار باعتباره السبيل الوحيد لحل كل القضايا بينهما، مع ترتيب الأولويات وتنظيم الخلافات، بالتوازي مع تعظيم مبادراتٍ شعبيةٍ وأهليةٍ، وإلزام الإعلام بالابتعاد عن كل ما يضاعف التأزيم، وإرجاء القضية العويصة (الصحراء الغربية) إلى منصّة حوارٍ خاصة. وإذا قال قائل إن هذا كله لن يستقيم شيءٌ منه في غياب إرادة سياسية في كل من المستويين الرسميين في البلدين، فهذا صحيحٌ. لكن الأصح منه أن يدرك هؤلاء وأولئك حزمة المنافع الاقتصادية والتجارية والإنمائية التي ستتحقق لشعبيهما، المرتبطيْن بعلاقات نضال وتاريخ مضيء، إذا ما اهتدى صنّاع القرار في العاصمتين إلى نقاط البداية لحوارٍ متخففٍ من الضغائن وسوء الظن، إلى أن أفقاً من المصالح المشتركة يمكن المضي فيه، تحت سقف خلافاتٍ سياسيةٍ تحت السيطرة، تنظّم التداول بشأنها مواثيقُ متفاهمٌ عليها.
أما إذا رمى بعضٌ هنا وبعضٌ هناك هذا الكلام بالإنشائيّة والرغائبيّة، فليكن، فليس الحديث هنا إلا عن رغباتٍ وأمنياتٍ يلزم للتعبير عنهما شيءٌ من الوجدانيٍّ والعاطفي، ذلك أن الإقامة في مواضع التلاوم والاشتباك اللفظي تسدُّ أي منفذٍ لضوْءٍ بعيدٍ أو قريب. ومع التسليم بأن الدنيا الآن غيرُها في خمسينيات القرن الماضي وستينيّاته، عندما كانت زعاماتٌ مغاربيةٌ تجتمع على أفكار وحدوية، وتصوغ تصوراتٍ مشتركة للخلاص من المستعمر الفرنسي، وتبني رؤىً من أجل أوثق علاقات التعاون والتكامل، ومع التسليم بأن في المياه التي جرت، وما زالت تجري، منذ ذلك الزمن، حصىً وصخوراً كثيرة، وأنّ لحساسيات النخب الراهنة ورهاناتها وأمزجتها إيقاعاتٌ أخرى، وأسئلة مغايرةٌ تطرحها تحدّياتٌ وإكراهاتٌ شديدة الاختلاف، فذلك كله، وكثيرٌ غيره، لا يجوز أن يعني الإقامة في المستحيل، وإنما يعني حافزاً إلى ابتكار كل ما من شأنه أن يهزم الإحباط واليأس والمستحيل.
طبيعيٌّ أن أهل مكّة أدرى بشعابها، وأن المغاربة والجزائريين أعلمُ من غيرهم بما يمكن فعلُه من أجل أن يتحرّر أهل القرار في بلديهما من المكابرة والعناد، لكن من لزوم ما يلزم أن يتنادى بعضٌ من نخبة مشارق الأمة ومغاربها من أجل أن يصنعوا شيئاً في ملفٍّ مهملٍ ومتروكٍ ومنسي... ورتيبٍ ومضجرٍ من قبل ومن بعد.

دلالات
معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.