''الإجماع الوطني'' معضلةً عربيةً

24 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 08:21 (توقيت القدس)

(حمزة بونوة)

+ الخط -

استمع إلى المقال:

أشار المفكر العربي عزمي بشارة إلى مسألة في غاية الأهمية، في مقابلة تلفزيون ''العربي'' معه (14 يوليو/ تموز الجاري). يتعلق الأمر بـ"الاختراق الاستخباري الإسرائيلي الهائل لإيران (..)، هذا الاختراقُ، الذي سبق أن حدث في لبنان وسورية والعراق، يعكس مشكلة في المجتمعات المشرقية، تخص فهمَ الدولة ووضعَ الصراع السياسي تحت سقف الدولة والأمن الوطني. هناك قوى في هذه المجتمعات تعتبر الأمن الوطني مسألة جانبية يمكن إخضاعها للصراع السياسي (..) هذا في حين تستعصي إسرائيل على الاختراق لأن هناك إجماعاً على الدولة والأمن الوطني''.

اللافت في هذا القول أنه يستدعي فكرة ''الإجماع الوطني'' في الاجتماع السياسي العربي المعاصر وحدودَها وصِلاتَها بالصراع الاجتماعي والسياسي وأزمةِ الدولة الوطنية. لقد كان أحد أبرز الدروس المستخلصة من إخفاق ثورات الربيع العربي غياب الإجماع الوطني على ما يشكل المشترك بين مكوّنات الجماعة الوطنية، وفي مقدمتها الدولة بكل مؤسّساتها التي يُفترض أن يبقى الصراع السياسي دونَها، وهو ما يستتبع، بداهة، أن يبقى الأمن الوطني أيضا دون هذا الصراع، فزجُّ مؤسّسات الدولة في الصراع على السلطة، وتقديمُ المصالح الطائفية والقبلية والحزبية على المصلحة الوطنية، والعبثُ بالأمن الوطني، ذلك كله يعود بالوبال على الجميع، دولةً وسلطةً ومجتمعاً.

التفوق الاستخباري والتكنولوجي، على أهميته، في ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية، ليس عاملاً وحيداً يمكن الركون إليه في فهم هذه الهيمنة وتفسيرها؛ هناك إجماع بين النخب الإسرائيلية، بمختلف أطيافها الفكرية والسياسية والاجتماعية، على الدولة التي خرجت من رحم الحركة الصهيونية. ولذلك، وعلى الرغم من التصدّعات التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي، إلا أنها، في المجمل، تبقى دون طرح قضايا جوهرية تخصّ الدولة واستمراريتها ومستقبلها.

يكاد هذا الإجماع يكون منعدماً في الاجتماع السياسي العربي؛ هناك إجماع على السلطة (النظام) التي تبتلع الدولة وتُسخّرُها لخدمة مصالحها وأولوياتها التي يحرص الإعلام الرسمي على تقديمها باعتبارها مصالح وأولوياتٍ ''وطنية''. ولا مبالغة في القول إن هذا الاجتماع بات يمثّل تحدّياً للمنشغلين بإعادة تعريف الدولة العربية المعاصرة، بالنظر إلى كمية الالتباس المهوِل بين مفاهيم الدولة، والسلطة، والنظام السياسي. فإذا كانت السلطة تعكس التوازنات الاجتماعية والسياسية، بما يدل عليه ذلك، في المحصلة، من تناقضاتٍ على صلة بالسياسة بصفتها ممارسة اجتماعية، فإن الدولة تحيل إلى الكيانية السياسية والاجتماعية التي تنصهر، أو على الأقل تتجانسُ، من خلال بنيات ومؤسّسات اجتماعية وثقافية متجذّرة في النسيج المجتمعي والأهلي.

لقد فاقمت السياسة العربية، أكثر من قرن، معضلة الدولة الوطنية، فلم تتبدَّ مؤسّساتُها الحيوية إلا عبْر السلطة والنظام. وعلى هذا الأساس، لم تحظ بالإجماع الوطني، بسبب تماهيها الشديد معهما، وافتقادِها، بالتالي، المركزيةَ اللازمة في الوعي الجمعي. من هنا، لا يرتبط التفوّق الاستخباري الإسرائيلي فقط بعوامل موضوعية، تخصّ القدرات التكنولوجية والعلمية المشهودة، بقدر ما يرتبط أيضاً بإخفاق النخب العربية في تحييد مؤسّسات الدولة عن الصراع على السلطة، وفي مقدمتها الاستخبارات التي يُفترض أنها تلعب دوراً محورياً في حماية الأمن الوطني، داخلياً وخارجياً، وتحقيق الاستقرار. ولا تبدو إيران بعيدة عن هذه المعضلة العربية، فقد كان انكشافها الاستخباري مريعاً أمام دولة الاحتلال، إلى درجة لا يستبعد أن تكون الأخيرةُ قد تراجعت عن اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في آخر لحظة بضغوط أميركية، على ما تردّد حينها. ما يعني أن هناك هشاشة استخبارية مؤسّسية، تعكس أزمة سياسية ومجتمعية عميقة، غذّاها عدم الإجماع على الدولة التي ابتلع نظامُ الملالي مؤسّساتِها وسخرها لخدمة أهدافه، مثل أي نظام شمولي.

غياب الإجماع الوطني على الدولة بمؤسّساتها الحيوية معضلةٌ عربية، إنها، بتعبير عزمي بشارة، ''قضية صحّة داخلية للمجتمعات والدول قبل أن تكون مسألة صراع مع إسرائيل''. ولا شك أن التطبيع مع دولة الاحتلال، على خطورته، ليس قضية خارجية، إنه، حسب بشارة، ''قضيةُ حصانةٍ داخلية وعارضٌ من عوارض هذه المعضلة''.