إنذارات عصرية... إبستين يستدعي شايلوك
شايلوك لم يكن مجرّد شخصية أدبية في مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير، بل مثّل نموذجاً لانكشاف وتعرية الأخلاق البشرية وارتدادها إلى الغرائزية الفجّة؛ متجاوزة حدود الطبيعة العامة للبشر المكلّفين بالعقل والأخلاق إلى مراتب دون مرتبة الغرائزية الحيوانية الفجّة. فما حاوره شكسبير قبل قرون دلالة على فقدان المعايير الأخلاقية لموضوعة محورية في تاريخ الإنتاج البشري: التجارة والربح والخسارة، ووقوعها في مأزق ارتهان الإنسان واسترخاص لحمه وقيمه وغياب الرحمة.
هذه الفجاجة التي تظهرها عورة البشرية تتكرّر اليوم في صورة فاقعة لملفّات إبستين التي كشفت أخيراً لتروي سلسلة من الجرائم التي تكاد تهزّ أركان الأخلاق والمعايير الإنسانية وأنظمتها الحقوقية وشرعتها الدولية لحقوق الإنسان. الاستغلال الجنسي للأطفال والقاصرات، والاستمتاع بنزوات فجّة، والأموال الطائلة المصروفة على هذه المتع الشاذّة، وجميعها ملحقة بأسماء العديد من قادة العالم سياسياً ومالياً، تُظهر حجم مأساة البشرية والانحراف عن المعايير الأخلاقية لبناء الحضارات. فكيف يمكن تفسير هذا التناقض الفجّ بين قوانين حماية الطفل والطفولة، وبين ما تظهره هذه الملفّات؟ وهل لا يزال ما خفي أعظم؟ وما خفي قد يصل إلى الكشف عن جرائم مرّت بتاريخنا المعاصر وقُيّدت ضدّ مجهول (!) أو تمكّن مرتكبوها من المرور من بوابة العدالة والمحاسبة (!).
لا تدلّل ملفّات إبستين كلّياً على انهيار كامل للمنظومة القيمية، لكنّها تشير إلى هشاشة البنى المؤسّساتية في دولة القانون أمام نفوذ قادة السُّلطات العالمية
لسنا أمام ظاهرة حرب يختلط فيها الجاني والمجني عليه، رغم أن قوانين الحرب بذاتها ملزمة في التعامل الإنساني مع الأسرى والمدنيين والنساء والأطفال والكهول، بل نحن أمام حرب من نوع آخر عنوانها: فرط استخدام قوة النفوذ المالي والسياسي للملذّات الشاذّة على حساب خلاصة البشرية في الحقوق والعدالة والحريات وكرامة الإنسان... وما يمثله من انحراف خطير عن قيمة الوجود الحضاري التي تسعى مشارق الأرض ومغاربها إلى توطين وجودنا الإنساني بعنوانه العريض: السلام والتآخي وتحقيق العدل والعدالة. فأي فجاجة نرى.
من التعميم الجزافي القول إن هناك انهياراً قيمياً وأخلاقياً عاماً، وبالضرورة من غير الجائز المطابقة بين دلالة شخصية شايلوك في "تاجر البندقية" وبين إبستين كلّياً؛ فالأول تمسّك ببرودة القانون لتحقيق مآربه الشخصية متجاوزاً القوانين البشرية الأخلاقية من خلال مطالبته بحقّه برطل اللحم البشري، وفق القانون الوضعي، وعدم قبوله بأي بديل، ودلالتها الفاضحة انهيار المنظومة الأخلاقية في عصر سمّيناه عصر "الظلمات الأوروبي". بينما في قضية إبستين تظهر الفجوة القانونية التي من خلالها تُحمى الجريمة، خاصّة أن الجريمة تطاول أضعف حلقات البشر وهم الأطفال والقاصرات، ومرتبطة بأصحاب النفوذ العالمي وأولي القدرة على التحكّم بالقرارات الدولية، وما خفي أعظم، وفي عصر سمّيناه "عصر الأنوار"! وكلّي خشية أننا سنقول إنها دلالات أفول عصر الأنوار.
وملفّات إبستين لا تدلّل كلّياً على انهيار كامل للمنظومة القيمية، لكنّها تشير إلى هشاشة البنى المؤسّساتية في دولة القانون أمام نفوذ قادة السُّلطات العالمية وخطورة شبكات نفوذها المغلقة، وغياب الشفافية في أهم مفاصل بنيان الدول. في المقابل، وجود من يتابع القضية ويعيد نشرها على العلن، وردّة الفعل العالمي عليها والضغط الإعلامي والمحاكمات اللاحقة، تشير إلى إمكانية تحقيق العدالة حتى إن عُتّم عليها زمناً. أجل، العدالة لم تزل قائمة لكنّها تعرّضت (وستتعرّض) لاختبارات قاسية، ولغيرها التي مرّت (وتمرّ) بها البشرية في عصر العولمة، وفورة التحوّل الرقمي، والتقليل من شأن القيمة الإنسانية أمام المصالح النفعية والنزوات الشاذة.
كان يمكن أن تكون جريمة إبستين جنائية لا تأخذ سوى صداها الإنساني العام؛ فالانحرافات البشرية قائمة في التاريخ بأشكالها كلّها، لكن ارتباطها ببعض صنّاع القرار العالمي يجعلنا نقف عند الصدمات التي نعاني منها بشكل متتالٍ في العقود الماضية. فهيمنة القوة العالمية الاقتصادية والتقنية والعسكرية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية طرحت تحدّيات كُبرى على المجتمعات البشرية. فمع انتهاء عصر الأيديولوجيات الكُبرى والشمولية، بدءاً بانتهاء النازية العنصرية القومية، وتحالفها المفرط بالهيمنة والسطوة العالمية مع الفاشية والإمبراطورية اليابانية، عقب الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من انهيار الأيديولوجية الشمولية الشيوعية، ومركزها الاتحاد السوفييتي السابق عام 1989، بعد حرب باردة طويلة دامت أربعة عقود؛ برزت على الحاضرة الإنسانية بوضوح قيم الديمقراطية والليبرالية، وهي الأقرب لتماثل الإنسانية من الشفاء من عتمة الأيديولوجيات التي سمّاها فوكوياما "الأيديولوجيا الأنفع للبشرية".
لكن هذا الانفراج المهم في تاريخنا العصري رافقه الفورة المالية والرقمية والحروب المتنقّلة من مكان إلى آخر. ودلالتها الأوضح في تحوّل منظومة العلاقات الرأسمالية من منظومة قيمية تربط بين ما هو نفعي وقيمي بآن، فكل شيء قيمة، وهي رأس المال، وأبرزها الثروة والسلطة، ومعها أيضاً السمعة والأخلاق والعدل وجودة الأداء البشري، لكن ما يشهده العصرُ الحالي هو الانفكاك التدريجي بين البضاعة-النفعية والقيمة، وتكريس موضوعة الربح التجاري على حساب القيم الإنسانية، ما يفسّر التركيز في المال والنفط والذهب وأسواق المال والبيتكوين. ويبرز الطمع البشري في الكسب المفرط عنواناً مادّياً محضاً يعمل لتقليص دوائر القيم الإنسانية والرموز الأسطورية والثقافية أمام الغرائزية والانحرافات السلوكية، مترافقة مع هيمنة القيم الرقمية النفعية على حساب الرحمة والأخلاق كما في "البخيل" و"تاجر البندقية"، واليوم تُبرزها قضية إبستين في أشدّ صورها فجاجة.
جرائم إبستين دلالة على استرخاص القيمة الإنسانية في عصر الحريات والشرعة الدولية لحقوق الإنسان
ستترك قضية ملفات إبستين أثراً عميقاً في عصرنا الحالي، وربّما ستتكشف من بعده كثير من القضايا أكثر تهديداً وأشدّ خطورة على الحاضر البشري. خاصّة أنّ أحد أهمّ ما تعاني منه البشرية اليوم هو البحث الحقيقي عن الإنسان، بوصفه "صانعاً للحياة" لـ"الكلّ البشري"، وذلك في مواجهة الغرائزية الفجّة، بوصفها "استثمارَ الحياة" لـ"حساب الأنا" وغرائزها وحسب، وهو المعيار الفاصل بين تشكيل مراكز القوة والهيمنة والنفوذ وتغذية الرغبات، وبين الوجود البشري حضارة. ويبدو أنه السؤال الملحّ على البشرية جمعاء، وإجابته تحتاج إلى جرأة الصحافية جولي براون التي أصرّت على كشف الحقيقة.
يقول فرانكو موريتي في "ديالكتيك الخوف": "هي إنذار بنهاية ثقافة القرن التاسع عشر، فلم تكن ولادة أدب الرعب إلا من رعب مجتمع منقسم، والرغبة في مداواته على وجه التحديد، وهذا هو السبب في أنّ كلّاً من "دراكولا" و"فرانكنشتين" لا يظهران معاً، إلا في حالات استثنائية ونادرة، وإلا لبلغ التهديد والرعب حدّاً رهيباً". ملفّات إبستين اليوم إنذار بانهيار ثقافة القرن العشرين بانزلاقها إلى النفعية التجارية المحضة، ومؤشّر فاقع على توالي "الانهيار القيمي" للإنسان. ويحدوني الأمل ألا تكون متكرّرة بطرق أخرى وفي أماكن أخرى، فيصبح إنذارها أشدّ خطراً.
هي ليست مجرد جريمة جنائية تتعلق بمَريض نفسي، بل دلالة على استرخاص القيمة الإنسانية في عصر الحريات والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وعصر الأنوار. وملفّاتها الواسعة وإخفاؤها 11 عاماً دلالة على حجم المتورّطين بها، فهي إنذار عصري بسقوط السياسة العالمية في فخّ الطفح البشري للمتعة واللذّة، وما ينتج عنهما من خلل بنيوي وثقافي وأخلاقي وجب تداركه. وكلّي خشية أن ينكشف الرعب العالمي، وأن نصدم بما خفي عن أعين البشرية فيما لم ترَه عين ولم تسمع به أُذن ولم يخطر على قلب بشر.