إليك: فادي أبو خليل
فادي أبو خليل (بورتريه لأنس عوض/العربي الجديد)
لا أعرف كيف أرثي مَن انسحب من الحياة وهو لا يزال حيّاً في داخلي؛ من أغلق باب الأمل باحتمال رؤيته ثانية، وكسر صحن الطمأنينة بأنه لا يزال هناك، في المكان المعهود الذي أعرف، ولا يجوز لي، لنا، كسر أقفاله.
لم يمُت فادي أبو خليل قبل أيام؛ كان قد ترك منذ زمن فراغاً أعتى من الموت، صامتاً، ثقيلاً، لا يفسّر نفسه ولا يبرّر. حملتُه زمناً وما زلت أحمله، محشوراً بين صخرتَيْن: واحدة للحزن وأخرى للضغينة، بلا محاولة للمصالحة بينهما. أنا لا أريد تهذيب الألم، ولا تبرير الغياب. أبكي اليوم ولا أعرف بدقّة ماذا أبكي: هل هي حرقتي عليك، أم منك؟ هل أبكي غيابك الأول، أم غيابك الأخير؟ ذلك أن بعض الغيابات لا تأتي من الموت، بل من انسحابٍ بارد، من بابٍ يُغلق من دون صرير، ومن دون حتى أن يُقال: لم أعد أستطيع.
كنتَ طويلاً أكثر ممّا ينبغي، هشّاً أكثر ممّا يُحتمل، غائباً من دون رحمة. سامح الجميعُ عزلتك، اختفاءك، إلا أنا؛ ولا مرّة قبلت نسيانك، ولا مرّة اعتدتُ هذا الغياب. كيف حفرتَ في قلبي تلك الطبقات كلّها؟ كيف اقتربتَ إلى هذا الحدّ، ثم اختفيت؟ أسألُ ندى، الوحيدة التي بقيتَ على تواصل معها: لماذا فعل ذلك؟ فتصمتْ، أو تجيب بما لا يشفي غليلي. وأتفهّم على مضض، خجلة، غيابَك حين أرى الآخرين قد فعلوا بتسامح وسعة قلب، إلا أن هذا لا يكفي لتسكين الألم.
أحزن عليك كما يُحزن على من لم يعرف كيف يُنقَذ، وأغضبُ منك لأنّكَ لم تطلب المساعدة من أقرب الناس إليك. أغضب لأنّ الصداقة ليست اختبار صبر، بل عقد حضور، وأنت أخللتَ به بهدوء، ببرود، بلا تفسير. هل خطر لك أن الانغلاق ليس حياداً، وأنه مؤذٍ، حتى لو اتُّخذ باسم النجاة؟
الآن، وأنا أكتبُ عنك، تقتلني الغصّة. ما هذا الذي فعلتُ، فعلنا، لكي تتخلّى عنا جميعاً؟ كأنّك تقول: لم تفهموني، أو إن وجودكم بات يخنقني أو يثير فيّ الأشجان، أو إن ما اعتبرتموه صداقة لم يكن إلا حفراً في الماء؛ إذ ليس ثمّة شيء، كلّه هباء. هل نحن من غفلنا عن صراخك، فانسللت من بين أيدينا كالماء؟
حين أنجزت روايتي الأولى، جلستَ معي لنرسم الغلاف معاً. يدك التي لطالما ارتجفت وهي تحمل السيجارة لم ترتعش وهي تخطّ اسمي بزهو. كنت حاضراً في لحظاتنا الكُبرى. وقبل أن أترك البلاد، جئتَ إليّ باكراً، على غير عادتك، أنت الذي كنتَ تغفو نهاراً لتصحو ليلاً؛ كأنّك تعيش دائماً بتوقيت آخر، خارج حركة العالم. وبين هاتَيْن اللحظتَيْن امتدّت سنوات طويلة من الألفة والصداقة والقلق والخوف والشعر والمسرح والفنّ؛ سنوات فيها ما يكفي من العيوب والأخطاء كي تنهار أيُّ علاقة عادية، لكن الحرب، والانهيارات المتتالية، والخسارات التي كانت تسحقّ كل شيء، لم تُبعدنا عن بعض. كنّا نخطئ ونكمل، نغضب ونعود، لأن الصداقة بيننا لم تكن أبداً هشّة، وإن متعبة، وهذا فرق جوهري.
لقد كنتَ حاضراً بما يكفي لتُحَبَّ، وغائباً بما يكفي لتنقذ هذا الحبَّ من الرتابة... لكنّك عدت وكسرتَ هذه الصداقة، وإن بغير قصد، وإن من أجل النجاة. وهذا هو الجرح الحقيقي: أنّك لم تكن قاسياً، بل منغلقاً؛ والانغلاق حين يأتي من صديق لهو أشدُّ عنفاً من الخيانة، إذ ستبقى تتساءل: لِمَ لم يمدد إليَّ يده لعلّني أنقذه؟
يعزّيني اليوم فقط أن أفكّر أنّكَ أردتَ ربّما حمايتي منك، من ذاك النوء المخيف الذي كنتَ تتخبّط فيه. يعزّيني أن فادي وجوزيف رافقاك إلى مثواك الأخير، وأن كثيرين يستحضرونك الآن كما كنت: استثنائياً، بهيّاً. ويبكيني أن أتذكّر جلساتنا الطويلة، مشاويرنا في السيارة في بيروت المشتعلة المقفلة، من دون وجهة؛ خطاباتك المسرحية ونوبات الضحك التي كانت تنتهي ببصقة؛ سندويشات "مخلوف"، والعصائر بعد منتصف الليل؛ السجائر الكثيرة المحروقة في استوديو "بو دو فير" الصغير...
يعزّيني يا صديقي الطويل أن أبقى أبحث بين سطورك عنك: "لو يقرعون الباب/ كي لا أفتح"... (من مجموعة "لا شيء تقريباً").