إدغار موران... مفكّر أم شاهد سياسي؟
برحيل إدغار موران (Edgar Morin) يجد كثيرون منّا، نحن العرب عموماً، سبباً إضافياً للاحتفاء به. فقد كان الرجل من الأصوات الغربية البارزة الشجاعة (القليلة؟) التي انتصرت للحقوق العربية، وفي مقدّمها قضية فلسطين، على الرغم من التكلفة العالية التي يدفعها أمثاله أكاديمياً وإعلامياً، وربّما قضائياً. وبطبيعة الحال، لم يكن موقف موران الأخلاقي بدافع الشفقة، ولا محاولة للتكفير عن ذنب أوروبي تاريخي تجاه اليهود، ولا موقفاً سياسياً منفصلاً عن منظومته الفكرية فيلسوفاً وعالم اجتماع، ومفكّراً سعى طوال عمره المديد (104 سنوات) إلى فهم الإنسان والعالم، متجاوزاً الحدود القائمة تقليدياً بين المعارف والتخصّصات.
كرّس موران اهتمامه للتحذير من خطر الفكر الاختزالي بوصفه أحد أخطاء الحداثة التي فكّكت الواقع أمامنا أجزاءَ منفصلةً، وتعاملت مع كلّ جزء حقيقةً قائمةً بذاتها، لتحوّل الإنسان إلى سجلٍّ، بيولوجياً أو اقتصادياً أو قومياً، وأضحت المجتمعات إحصاءات، والقضايا الكُبرى شعارات. في مقابل هذا النقص، حاول موران تأسيس "فكر مُركَّب" ينظر إلى العالم بوصفه شبكةً متداخلةً من العلاقات والتاريخ والذاكرة والمصالح والمشاعر والهُويّات المتعدّدة. ولم تبقَ تلك المحاولة حبيسة الدوائر الأكاديمية، فحملت معها إلى الرأي العام نتائجها المنطقية سياسياً وأخلاقياً. فإن كانت صورة الفلسطيني، مثلاً، قد اختُزلت في "الإرهابي"، وصورة إسرائيل في "الضحية الأبدية"، ليبدو التاريخ قد تكثّف عند لحظة المحرقة اليهودية، فإنّ فلسفة موران ترفض هذا النوع من التفكير الذي يجرّ، إضافة إلى أخطائه المعرفية، كوارثَ أخلاقيةً عبر اختزال مضاعف للقضية في صراع على الأمن والحدود. إدغار موران (أو ديفيد سالومون ناحوم) هو اليهودي الذي شهد انهيار أوروبا أمام النازية، وفقد أفراداً من عائلته وأصدقائه، فخبر الاضطهاد أكثر من غيره، إلا أنّه رفض أن تتحوّل ذاكرة الضحية إلى مبرّر دائم للقوّة، فلا معاناةَ تمنح أصحابها تفوّقاً أخلاقياً تلقائياً، وليس مُبرَّراً أن تصبح ضحية الأمس جلّاد اليوم. لم يهاجم موران حقّ اليهود في الحياة والأمن، لكنّه يعلم أنّ التاريخ لا يمنح حصانة أخلاقية لأحد، فحذّر من الاستمرار في تحويل تجربة تاريخية مأساوية إلى أيديولوجيا مغلقة تبرّر كلّ تجاوز أخلاقي.
لكنّنا نستدعي موران، كما غيره من مفكّرين، شاهداً سياسياً، في انتقائية لا تنتج معرفةً. وبعيداً عن التوظيف السياسي لموران، الدرس الأكثر إلهاماً لديه أنّه لا يكفي أن نثبت حجم الظلم الواقع علينا، لأنّ ذلك لا يصنع وحده سرديةً مستدامةً، إذ نحتاج إلى امتلاك لغة أخلاقية قادرة على مخاطبة العالم بلغة تتجاوز الانتماءات الضيّقة. فقد تغيّر العالم كثيراً، ولم تعد الشعوب تتحرّك وفق الولاءات الأيديولوجية القديمة، والأجيال الجديدة في أوروبا وأميركا لا تقرأ الصراعات بالطريقة التي قرأتها أجيال الحرب الباردة أو حركات التحرّر الوطني، وتبدو أقلّ اهتماماً بالشعارات الكُبرى، وأكثر حساسيةً تجاه مفاهيم الحقوق والكرامة الإنسانية والعدالة الكونية. سنجد في موران سنداً لبناء خطاب حقوقي وأخلاقي أكثر صلابةً يبرز فيه الإنسان أكبر من هويته الواحدة. فلا تعني الانتماءات المتعدّدة تناقضاً بالضرورة، والدفاع عن فئة لا يعني كراهية فئة أخرى، وإلّا بقيت العدالة أقلّ عدلاً. هي فِكَرٌ قد تبدو بديهيةً، إلا أنّها أصبحت نادرة في مجتمعاتنا التي تسير نحو مزيد الاستقطاب السياسي الطائفي. نحتاج إلى هذا النوع من التفكير ليمدّ لنا يد العون في الخروج من الثنائيات السياسية: معنا أو ضدّنا، وطني أو خائن، مؤمن أو كافر.... والنتيجة: مجتمعات تزداد انقساماً وعجزاً عن فهم نفسها.
على خلاف هذا الفكر الاختزالي، دعانا موران إلى الاعتراف بالتعقيد بوصفه من طبيعة الواقع نفسه، وإلى التسليم بأنّ الحقيقة ليست ملكاً حصرياً لأحد ولا يمكن للضحية أن تتحوّل إلى جلّاد. ما زال الخيار أمامنا: أن نزجّ بموران في مواقف سياسية مجزّأة، أو أن نقرأه مُركَّباً: مشروعاً معرفياً متكاملاً. فبقدر ما نحتاج إلى أصدقاء يناصرون الحقوق العربية، ويدافعون عنها في الصحف والمنابر الدولية، نحتاج إلى الانتقال من مرحلة الشهادات السياسية، التي تُبقينا أسرى الحاجة لاعتراف الآخرين، إلى المعرفة شركاءَ في إنتاج المعنى.