أميركا في حرب التحرير
ترامب بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بفرض رسوم جمركية على دول عديدة (2/4/2025 Getty)
يجوز أن يُعاد التفكير في النظام الاقتصادي السائد في العالم بفعل الحرب التجارية التي شنّتها الولايات المتحدة، النموذج الأكثر وضوحاً لرأسمالية ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945). يجوز أن يحدُث ذلك، وأن تُطرح أفكارٌ اقتصاديةٌ تمزج بين استقلالية القرار المالي للدول والتشابك ضمن سلسلة اقتصادية مشتركة. ربّما قد تكون هناك نظرية اقتصادية ما ستنشأ من هذه الحرب، وربّما لا. في المقابل، فإن ترف الوقت غير موجود في تلك الحالة، لشخص كمبودي (على سبيل المثال) فرضت عليه الولايات المتحدة رسوماً جمركية بقيمة 49%، وكذلك لمواطنٍ من لاوس، باتت رسومه الجمركية أميركياً 48%. وعلى المقلب الغربي للمحيط الهندي، تبرُز جزيرة مدغشقر بلاداً سبّبت الأذية الاقتصادية للولايات المتحدة التي فرضت عليها رسوماً بقيمة 47%. هذه العيّنة الصغيرة من الدول ستشهد تراجعاً اقتصادياً أسوأ ممّا كانت عليه، ريثما تُعيد رسمَ خريطةٍ اقتصاديةٍ جديدة. غير أن فشل أيّ خطّةٍ لإنقاذ اقتصاد أيّ بلد سيؤدّي حكماً إلى اضطرابات سياسية وأمنية، خصوصاً في حال كانت تلك البلاد تحوي مجتمعات متنوّعة دينياً ومذهبياً وعرقياً ولغوياً، وغيرها من مسبّبات التفرقة بين فئة مجتمعية وأخرى، حين يحلّ الفقر ضيفاً في مثل تلك المحطّات.
صحيح أن هذا السيناريو ليس حتمياً بالضرورة، لكنه أسرع في مقاييس التطبيق من سيناريوهات أخرى، من قبيل المسارعة إلى عقد اتفاقيات اقتصادية مع دول أو تجمّعات إقليمية ودولية غير أميركية، أو إعادة هيكلة الدورة الاقتصادية، بشرط تأمين احتياطي نقدي قادر على تغطية هذه المرحلة الانتقالية. ومن شأن العجز عن التعامل مع الحرب التجارية أن يفضي إلى إعادة نشوء الطموحات التوسّعية بغرض السيطرة على الموارد. يبدو الأمر مألوفاً، وكأنّه يقفز من كتب التاريخ للصفوف الابتدائية إلى الواقع الملموس: الاستعمار الإسباني لأميركا الجنوبية، الاستعمار البريطاني للهند، الاستعمار الفرنسي للجزائر... تلك الصورة أيضاً ليس بالضرورة أن تكون حتميةً، لكنّها قابلة للترجمة اعتماداً على تراكمات السنوات الماضية من عمر البشرية، مثل تعثّر سلاسل التوريد والإغلاقات العامّة بسبب تفشي وباء كورونا، ثمّ الغزو الروسي لأوكرانيا الذي ضرب قطاعَي الطاقة والغذاء، فضلاً عن عجز العديد من الدول عن صياغة خطّة اقتصادية مستقبلية بمعزل عن المخاوف من احتمالات حصول صدام بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، أو أن تغزو الصين تايوان، أو ضرب إيران، على سبيل المثال لا الحصر.
حيال ذلك، من السذاجة الاعتقاد أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب غبي، أو أنه لا يدرك ما يفعله في "حرب التحرير" باسم المصلحة الأميركية. صحيح أن شعبويته ورهانه على فرض الرسوم الجمركية يبقيان سيفاً ذا حدَّين، غير أنه كان يعلم جيّداً ما فعله، وتأكيده أن ما حصل هو "عملية جراحية". العالم كان يحتاج في الأصل لتغيير اقتصادي، على اعتبار أن كلّ المعالجات أو رأب صدوع الزلازل الاقتصادية المتلاحقة لم تُجدِ نفعاً. تكفي فقط كيفية تعاطي دول حوض شرق المتوسط وجنوبه في مسألة رسم الحدود البحرية في السنوات الماضية. في كثير من الأحيان، لم تكن النقاشات "راقيةً"، لا لسبب متعلّق بذهنية هذه الدول، بل لأن الوقت لم يعد يُسعف الساعين إلى إنقاذ اقتصادات من أجل تأمين مناصبهم السياسية. واليوم، جاءت الولايات المتحدة لتُنهي مسارات ترقيعية من دون وجود بدائلَ للكثير من هذه الدول.
أمران أساسيان يُرعبان مستقبل البشرية في حال عدم الخروج بحلولٍ جذرية للحرب الاقتصادية الأميركية. الأمر الأول هو نشوء أجيال جديدة من الأطفال من دون تعليم حول العالم، مع كلّ إفرازاته في استغلالهم واستقطابهم إلى جماعات إرهابية وازدياد الفوارق الطبقية بين الشعوب والدول. الأمر الثاني هو اقتراب العالم أكثر من حافّة الحرب العالمية الثالثة، وكأنه لا بدّ من حصول قتال جماعي كلَّ بضعة عقود يُطيح منجزاتٍ ما، على أن يليه اقتصاد البناء وتشعّباته.