أرواحهم المتعطّشة للحبّ والإقرار

01 ديسمبر 2025

(Getty)

+ الخط -

يعاني بعضهم من إحساس مقيم بالدونية، وهي (بحسب علم النفس) شعور غير مبرَّر بالنقص أو عدم الكفاءة مقارنةً بالآخرين. فلا يستطيع مثل هؤلاء البؤساء أن يروا أنفسهم أنداداً لأقرانهم في أي مجال، ولا يتقنون تقدير ذواتهم التي ينظرون إليها (بلا وعي) بعين الاحتقار الدفين. وغالباً ما تظهر عليهم بسهولة، من خلال سلوكياتٍ معيّنة، علاماتُ تدنّي احترام الذات، إذ يتملَّكهم شعورٌ دائم بأنهم أقلُّ قيمةً وقدراً، ويترسّخ لديهم يقين بعدم الاستحقاق.
يتبعون في علاقاتهم المهنية وفي حراكهم الاجتماعي أساليبَ مؤذيةً تمسُّ كرامتهم بالدرجة الأولى، يظنّونها وسائلَ ناجحةً لنيل قبول المجموع، فيبتذلون أنفسهم غير مدركين سلبية صورتهم غير المُشرِقة، تذلّلاً ونفاقاً في سبيل صعود اجتماعي زائف. يوزّعون المجاملات المجّانية، ويبالغون في الإطراء والمديح، ويتقرَّبون من ذوي النفوذ والشهرة، ولا يجدون حرجاً من التمسُّح بهم، أملاً في أن ينالهم من الحبِّ جانبٌ، وتوهّماً منهم بأن التقرّب من الناجحين، من الأثرياء ونجوم المجتمع، سيتيح لهم مكانةً مرموقةً وقيمةً مضافةً، حتى لو ظهروا مجرّد أتباع أو أفراد حاشية تتراكض مبتهجةً خلف أسيادها.
وقبل أن ندين مثل هذه النماذج المحزنة ونتهمها بالوصولية والنفاق وقلّة القيمة، علينا محاولة فهم دوافع سلوكهم غير السويّ. فالمشاعر الدونية تتكوّن لدى الفرد لعدّة أسباب، لعلَّ أكثرها أهميةً ما قد يتعرَّض له في فترة الطفولة، وهي الفترة الأكثر أهميةً، والأكثر حرجاً، في حياة أي منّا، وتحدّد ملامح الشخصية إلى آخر العمر.
عند تعرُّض الطفل في سنواته الأولى للمعاملة القاسية من الأهل، ضرباً وتجريحاً وإهانةً، وغيرها من أشكال المعاملة السالبة، مثل عَقدِ المقارنة مع الأطفال الآخرين، والتقليل من شأن أي إنجاز يحقّقه، والانتقاد المستمرّ لأي سلوك يصدر منه، وكذلك التوقّعات غير الواقعية من الأهل، ما يضع عبئاً إضافياً على الطفل، بالإضافة إلى التعرُّض للصدمات النفسية العنيفة ذات الأثر النفسي العميق، مثل التحرّش الجنسي والتنمّر، والوقوع تحت المبالغة في تقدير العيوب الجسدية، سواء كانت حقيقيةً أو متخيّلةً، والحرمان العاطفي من آباء وأمهات جهلاء أو منشغلين، لا يدركون معنى احتضان الطفل ومنحه الحبَّ الكافي والإحساس بالأمان كي يتعلّم أن يحبَّ ذاته، ولا يفقهون أثر عبارات التعزيز والتشجيع البسيطة في نفسية الطفل المرهفة الهشَّة القابلة لاستيعاب المشاعر التي يتلقّاها (سواء كانت إيجابيةً أو سلبيةً) ولا يقدّرون أهمية عبارات المواساة الحنونة المتسامحة التي يسمعها عند الإخفاق، ومن شأنها تعزيز ثقة الطفل بنفسه وتقديره لذاته وحرصه على صورته الإيجابية المتوازنة في بيئته الحاضنة.
وبعكس ذلك، ستؤدّي تلك الممارسات الخاطئة كلّها، التي يتّبعها الأهل، إلى نموذج دوني يعاني مركَّب نقصٍ وكراهيةٍ للذات، قد ترافقه تبعاتُها طوال حياته. حتى لو حقّق النجاحات، سيظلُّ هناك فراغ هائل في روحه المتعطّشة للحبِّ والإقرار.
من هنا، على الأهل إعادة النظر في طرق التعامل مع صغارهم، وعدم الاستهانة بمشاعرهم وبمدى وعيهم وحساسيتهم وذكائهم، وعلينا أن نُعلِّم صغارنا مع خطواتهم الأولى أولَ دروس الاعتداد بالنفس والكرامة وعزّة النفس من دون كِبر.
قيل في أمثلة شعبية بليغة: "عِزَّ نفسك تجدها" و "والحجر مطرحه قنطار"، وأظنُّ أن تطبيق مثل هذه الطروحات البسيطة يقينا شرَّ الامتهان، لأنها تصلح خريطة طريق تقودنا إلى حياة كريمة متوازنة، وهي تُغني عن دروس التنمية البشرية في كيفية التعاطي الذكي مع النفس، وآليات التواصل مع الآخر، مهما بلغت مكانته الاجتماعية، بندّيةٍ وجرأةٍ وشجاعةٍ وصدقٍ وكرامةٍ واحترام للذات، كي نستحقَّ عن جدارة محبَّة المجموع واحترامه.

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.