"أرض الصومال" في دائرة النار

02 يناير 2026
+ الخط -

كثيرون لم يكونوا قد سمعوا سابقاً بكيان اسمه "أرض الصومال"، قبل أن يخرج الاعتراف الإسرائيلي المفاجئ بهذه "الدولة" التي أعلنت "الاستقلال" عن الصومال في بداية تسعينيات القرن الماضي، غير أنها لم تحظ بأي اعتراف دولي، إلى أن جاءت هذه الخطوة الإسرائيلية التي أعادت تسليط الضوء على هذا الكيان.

خلال أكثر من ثلاثين عاماً، عاشت "أرض الصومال" على الهامش الإقليمي والدولي، لم يكن لها أي وجود على الخريطة السياسية العالمية، غير أنها من الداخل وضعت الأسس المؤسّساتية لأي دول، رئاسة وحكومة وبرلماناً ووزاراتٍ وهيئات. وخلال الثلاثين عاماً نجح هدا الكيان، إلى حد كبير، في عزل نفسه عن محيطه المشتعل في القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية. ولكن هذا الواقع سيصبح متغيراً كلياً مع الاعتراف الإسرائيلي، والذي وضع "أرض الصومال" في دائرة الصراعات الإقليمية والدولية. فالخطوة الإسرائيلية ليست اقتناعاً بأحقية هذا الكيان في الانفصال عن الدولة الصومالية الأم، بقدر ما هو حاجة إلى استخدام أراضي هذا الكيان لغاياتٍ أكبر.

الهدف الإسرائيلي الأساسي من هذا الاعتراف وضع موطئ قدم قريب من الأراضي اليمنية لاحتواء الخطر الذي مثله الحوثيون خلال العامين الماضيين. 220 كيلومتراً هي أقرب مسافة بين "أرض الصومال" واليمن، وهو ما يسهل لدولة الاحتلال لاحقاً شن غاراتٍ سريعةٍ على المواقع الحوثية بدل قطع الطائرات الإسرائيلية آلاف الكيلومترات لتنفيذ مثل هذه الغارات، مع ما يعنيه ذلك من خطر لوجستي، إضافة إلى ارتفاع التكلفة.

لن تضع مثل هذه الغاية الإسرائيلية "أرض الصومال" في مواجهة مع اليمن والحوثيين فقط، بل تعني اصطفاف هذا الكيان في المحور المواجه لإيران. فالأمور لن تقف عند حدود اليمن، بل ستكون "أرض الصومال" شريكاً لإسرائيل في كل خطوات مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة. وليس الاصطفاف في المحور المواجه لإيران النتيجة الوحيدة للاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال"، فالموقع الاستراتيجي لهذا الكيان وتحوّله إلى حليف لإسرائيل يثير مخاوف إقليمية ودولية كثيرة، ويجعله طرفاً في صراعات المنطقة.

باتت "أرض الصومال" اليوم طرفاً في النزاع المصري الإثيوبي حول سد النهضة، بفعل التحالف القائم بين أديس أبابا وتل أبيب، والذي لم تعد "أرض الصومال" بعيدة عنه، وهو ما دفع القاهرة إلى التنديد بالخطوة الإسرائيلية. ووضعت "أرض الصومال" نفسها في مواجهة مع تركيا، فأنقرة عنصر فاعل جداً في الأراضي الصومالية، وترى الاعتراف الإسرائيلي انتهاكاً لوحدة الأراضي الصومالية، إضافة إلى أنه تهديد للنفوذ التركي في القرن الأفريقي. وعلى هذا الأساس، جاء الرفض التركي الصارم للخطوة الإسرائيلية.

الاتحاد الأفريقي أيضاً من الرافضين للاعتراف الإسرائيلي، مع ما يحمله من تبعاتٍ على وحدة الأراضي الأفريقية، فالإقرار بانفصال "أرض الصومال" إسرائيلياً، ورغم أنه غير كاف في ظل الرفض الدولي لهذا الانفصال، سيحفّز كيانات انفصالية أخرى في أفريقيا، وهي كثيرة، لاتخاذ خطوات مماثلة.

تُضاف هذه الصراعات التي زجّت "أرض الصومال" نفسها فيها إلى الصراع الأساسي مع مقديشو، والدي عاد إلى المربع الأول مع الاعتراف الإسرائيلي، ووضع المطالبة بعودة "أرض الصومال" إلى الوطن الأم من ضمن أولويات الحكومة المركزية، والتي باتت مدعومةً من أطرافٍ إقليمية ودولية كثيرة.

اليوم، هذا الكيان الذي كان منسياً، والذي يعيش استقراراً نسبياً، سياسياً واقتصادياً، بات في قلب أزمات منطقته، وهو ما سينعكس على واقع الداخل في "أرض الصومال". ... ما شهدته البلاد من احتفالات بالاعتراف الإسرائيلي سابق لأوانه، فخطر هذه الخطوة سيكون أكبر بكثير من فوائدها.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".