أبقار وثيران وقدّيسون

10 يناير 2026
+ الخط -

أما الأبقار فهي حكومات أوروبا العاجزة والرابضة على قوائمها، ومعها بعض حكومات الدول العربية الرابضة بدورها. أما الثيران فهي الجماعات المجنونة الحاكمة في إسرائيل، ومعها المجموعات المتسيّدة في أميركا، ولا أستثني قط أعوانها العرب. أما القدّيسون فهم زينة بلاد الشام، أي أبطال الشعب الفلسطيني وأشراف الشعب اللبناني الذين تشبّثوا، بشجاعة فائقة، بآخر خندق للماراثون العربي المستحيل. ومع ذلك، الواحد منا لا يعلم، على وجه اليقين، ماذا سيحصل بعد يومَين في فلسطين أو في سورية أو في لبنان، لأن التسارع المدوّي في التحوّلات الجارية والمتفجّرة، على غرار ما جرى في فنزويلا، يجعل التوقّعات عصيةً على الرصد، وفي غاية الصعوبة. وبالتأكيد، ليس لدينا كثير من المعلومات المتينة عن اتجاه المسارات السياسية المقبلة التي يمكن أن تسير قضية فلسطين في دروبها وسُبُلها. ولكن لدينا بعض الملامح التي تومض أحياناً ولا تنير إطلاقاً، وهي على سبيل المثال؛ إن الاجتياح الأميركي – الإسرائيلي للمشرق العربي، وسحق القوى الاستقلالية والتحررية المعادية للإمبريالية الأميركية، بات واقعاً لا يمكن إخفاؤه أو طمسه، وهو ساطع كشمس الهاجرة؛ إن إشعال الفوضى في دول المشرق العربي (سورية والعراق ولبنان)، علاوة على اليمن وليبيا والسودان، هو أحد ملامح الحقبة الأميركية – الإسرائيلية الجديدة؛ إن التحكّم بالممرات البحرية (قصة أرض الصومال) وبالموارد المائية (أمعاء العراق وسورية خارج جسديهما؛ فالفرات ودجلة ينبعان من تركيا، وينبع الزاب وديالى من إيران) يؤثّر تأثيراً فورياً في اهتلاك المصادر الغذائية للعالم العربي، وهو أمر استراتيجي شديد الخطر.

من سمات هذه المرحلة التي نتقلّى في جمارها اليوم ونتلظّى في أوارها، أن إسرائيل نجحت في منع الدول العربية المحيطة بها (دول الطوق أو دول الكمّاشة كما كانت تُسمى سابقاً) من امتلاك جيوش قادرة على الدفاع عن حدودها في الحدّ الأقصى. ولعل إسرائيل تسمح لنا، بعد إذن الولايات المتحدة، بتأسيس جيوش منزوعة الدسم بالكامل؛ أي بلا صواريخ متطوّرة أو طائرات حديثة، ومن دون وسائل الحرب الإلكترونية الجديدة. وهذا يعني، من غير أيّ مبالغة، أن إسرائيل صارت دولةً إمبرياليةً بعدما كانت طوال تاريخها مخلباً للإمبريالية الأميركية. وها هي، في خضمّ هذه التحوّلات العاتية، تمدّ مخالبها إلى أرض الصومال وإلى السودان بعدما ألقت رحلها سابقاً في إرتيريا وإثيوبيا وكينيا (البحر الأحمر وامتداده في شرق أفريقيا)، وأسّست شراكةً ممتازةً مع الهند لمواجهة "الإرهاب الإسلامي" في باكستان وكشمير وأفغانستان، وأقامت علاقاتٍ متينةً مع اليونان وقبرص لمقارعة تركيا في شرق المتوسط، وأدامت علاقاتها بالبحرين والإمارات وموريتانيا والمغرب وحتى تركيا، على الرغم من المنازعات المستجدّة بينهما على إدارة قطاع غزّة، وعلى مستقبل الأكراد في شمال سورية، وعلى الغاز في شرق المتوسط، وعلى الدور العسكري التركي في طول سورية وعرضها.

أميركا لا تخشى روسيا كثيراً، وهي لا ترغب في أن ترى أوروبا قويةً وآمرةً في الوقت نفسه

ومع ذلك، يجب ألا يصرفنا عجاج هذه الصراعات عن رؤية حقائق الجغرافيا السياسية وأعماق المصالح الأمنية والاقتصادية لتركيا وإسرائيل، فلا ننسى أن هاتَين الدولتَين عضوان شريكان في حلف شمال الأطلسي، وأن الاتفاق الأمني القديم بينهما ما برح ساري المفعول، وأن الاتفاقات العسكرية والتقنية ما زالت فاعلة، وأن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل، وهي التي رفضت في الماضي إدانة إسرائيل في عدوانها على مصر في سنة 1956 (العدوان الثلاثي)، وظلّت دائماً، مع إيران وإثيوبيا، إحدى ركائز استراتيجية "دول المحيط" التي صاغها ديفيد بن غوريون في خمسينيّات القرن المنصرم.

غيّرت الحرب التي بدأت غداة 7 أكتوبر (2023) المعالم السياسية (والجغرافية) للمشرق العربي، وأوقعت الفوضى الماحقة في ديارنا الموبوءة بالاستبداد، وجعلت اليد الإسرائيلية هي العليا والفاعلة والقادرة على الوصول حتى إلى إيران، فضلاً عن تهديد العراق، وتثبيت رواسيها الأمنية والعسكرية في الصومال وإرتيريا وكينيا. ومن علائم هذه الفوضى، حتى بمعايير المنطق الصوري البسيط، ما يجري في سورية اليوم؛ فدونالد ترامب يناصر أحمد الشرع، فيما رجل نتنياهو في سورية حبيبه حكمت الهجري. والرئيس ترامب، كما هو معلوم لدى كثير من العارفين، هو القائد الفعلي للجيش الإسرائيلي منذ نحو سنة على الأقل. أما العجيب الغريب فهو أن حكمت الهجري هو العدو الأكثر عداءً وشراسة لأحمد الشرع. فكيف ستستقيم الأمور، بهذا التخالف، في هذا البلد المُسيَّج بالدم، والمُهدَّد بالفوضى والتفتيت، والمُفخَّخ بالطوائف والإرهاب السلفي، والمُحاصَر بالزهو الإسرائيلي الفاشي؟

هذا التضارب المتعاكس يفسّر، إلى حدّ ما، حال الفوضى التي تدبّ في أوصال العالم العربي، وحتى في سياسات أوروبا التي تريد تكسير الرأس الحامية لروسيا كي ترتاح من الطموحات الأمنية الروسية التي تقضّ مضاجعها. لكن أميركا لا تخشى روسيا كثيراً، وهي لا ترغب في أن ترى أوروبا قويةً وآمرةً في الوقت نفسه. لذلك تسعى الولايات المتحدة إلى تسوية ما في أوكرانيا تُبقي روسيا غير ضعيفة نسبياً، وتُبقي أوروبا أقل قوة وتابعة للولايات المتحدة التي لا يهمها، بعد ذلك، حتى حلف شمال الأطلسي، مثلما غضبت من قيام الاتحاد الأوروبي. ولا ريب أن ما يهم أميركا حقاً في هذه الحقبة هو إنهاء الحرب في أوكرانيا وفي غزّة، ثم الانصراف إلى معالجة المصالح الأميركية في المحيط الهادئ (الصين وتايوان)، وفي البحر الكاريبي (فنزويلا وكولومبيا وكوبا والإكوادور)، وفي العقدة الأفغانية بمحاذاة الهندوكوش وجبال بامير حيث الصدام المتجدّد بين المسلمين والهندوس، وفي شرق أفريقيا وجوارها (إثيوبيا وكينيا وأريتريا والصومال والسودان، وربما لاحقاً تشاد ونيجيريا).

صارت إسرائيل دولةً إمبرياليةً بعدما كانت طوال تاريخها مخلباً للإمبريالية الأميركية

تلك العواصف الهائجة والمائجة من شأنها، بل هي في طريقها إلى زرع الأوتاد في دروب قضية فلسطين وإعاقتها عن التقدّم نحو ختام مسيرة التحرر الوطني. ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تُضاف إلى ذلك حالة العجز المُروِّع والمهين التي راحت تغمر الكيانات العربية الذليلة منذ بدايات الألفية الثالثة. وكانت حركة فتح قد صعدت في أحوال مواتية (الحرب الباردة وجمال عبد الناصر ونظام "البعث" في سورية وحرب 1967) لتصبح البديل الثوري من تلك الهزيمة المهينة. أما اليوم، فثمة عجزٌ شامل يحيق بالفلسطينيين كلّهم، شعباً ومنظمات؛ عجز عن إنتاج بديل سياسي تاريخي فاعل، وعجز عن اكتشاف طريقة للخروج من الأصفاد الثقيلة التي تقيّد نضالهم، وعجز حتى عن التفكير السليم في أحوالهم وأهوالهم. وهذه الأوضاع المتشابكة تجعلهم عاجزين عن نجدة أهالي قطاع غزّة نجدةً ملائمة، وعاجزين عن إمداد أهاليهم بلوازمهم البسيطة.

وكذلك هي حال منظمة التحرير الفلسطينية الواقعة تحت مطارق الاحتلال ومصائب السكونية السياسية، وغير قادرة على القيام بالمهمات التاريخية الموكولة إليها، وعلى غرارها واقع السلطة الفلسطينية. وهذه الحال هي نفسها حال القوى الفلسطينية الأخرى كلّها، من "فتح" إلى "حماس" وما بينهما، وجميعها عاجزة إلا في الحدّ الأدنى، فيما نحن نطلب في خضمّ هذه المحن الحدّ الأقصى. وهذه المصائر التي وصلنا إليها ستؤدّي إلى نتيجة واحدة تتمناها إسرائيل بقوة: القضاء على الوطنية الفلسطينية، ودفن فكرة التحرّر الوطني تحت التراب بعد تحويلها إلى رماد مجبول بالدم، ومنع أيّ احتمال لتأسيس كيان فلسطيني طبيعي ولو على 23% من مساحة فلسطين التاريخية. واحتمال تأسيس دولة حرة ومستقلة بات غير ممكن ويقارب الاستحالة. وفي سياقه تتطلّع الفاشية الإسرائيلية إلى تهجير ما لا يقل عن مليون فلسطيني من قطاع غزّة خلال السنوات العشر المقبلة تحت رعاية "مجلس السلام" العتيد و"قوة الاستقرار الدولية" و"هيئة التكنوقراط" التي ستدير الشؤون اليومية في القطاع.

قوة الاستقرار الدولية هي، بحسب التجارب الكثيرة، قوات متعدّدة الجنسية ذات غايات استعمارية، وستنصرف إلى تحقيق غاياتها بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي الذي لن يغادر قطاع غزّة حتى لو نزعت حركة حماس سلاحها وغادرت مدن القطاع ومخيّماته المُدمَّرة. ولن يكون مصير الضفة الغربية إلا أكثر قهراً؛ فالأيام السود المقبلة تُنذر بالمزيد من الاستيلاء على الأراضي والمنازل، والتوسّع في الاستيطان وفي بناء مستعمرات جديدة، ما يجعل التهجير المتدرّج أمراً مؤكّداً (أرض أكثر وعرب أقل)، إلا إذا استجدّت انتفاضة شعبية مفاجئة وشجاعة ومستدامة يكون العنف فيها محسوباً بميزان الذهب لا بالغوغائية الشعبية والصوت العالي.

عجز شامل يحيق بالفلسطينيين كلّهم، شعباً ومنظمات، عن إنتاج بديل سياسي تاريخي فاعل

لا تمتلك الدول الكبرى اليوم (في ما عدا الصين) استراتيجيات طويلة الأجل، بل اختبارات سياسية متناقضة وقصيرة الأجل. ومع وقوع الفلسطينيين في جحيم تلك الاختبارات المروّعة، باتت أميركا وإسرائيل هما من يصوغ مستقبل الفلسطينيين، فيما لم يتورّع بعض قادة الفلسطينيين (من خارج فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية) عن امتداح ترامب وخطته لوقف الحرب في قطاع غزّة. وخطة ترامب لوقف الحرب (هل توقّفت فعلاً؟) ستمهّد المنطقة أمام الفلسطينيين للوقوع في أشراك "الستاتيكو" الجديد. فإذا تمكّنت إسرائيل من تثبيت هذا "الستاتيكو" وإطالة أمده إلى زمن غير معلوم، فإن ذلك يعني أن حقبةً عربيةً كاملة قد طُويت، وجرفت معها نهائياً فكرة الاستقلال الوطني ومشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.

وما عاد ينفع اليوم الكلام المكرر والمتقادم عن "خطة الصبر الاستراتيجي" و"استراتيجية تلقّي الضربات" و"تكتيكات القتال بين الأنقاض" و"دع الأيام تفعل ما تشاء"، فهي كلّها عبارات تملصية تندرج في سياق معاندة الواقع أو حسن التخلص من الإحراجات السياسية، ولا قيمة عملية لها. وما نخشاه، بجزع شديد، أن يصبح بنيامين نتنياهو والي ولاة المنطقة العربية، ودونالد ترامب، أو من سيأتي بعده، الخليفة الجديد للمسلمين العرب.

نقرة الختام في سيمفونيتنا الحزينة من شأنها أن تنبّهنا إلى حكمة مثالية في علم التاريخ، أن تصوير الفواجع والخسارات انتصاراً أمر مشهور وممكن وطبيعي. لكن ذلك لا يدوم طويلاً، وهو ما ينطبق أيضاً على الفرعنة الأميركية وعلى عتو "صهيون الجديدة" وعلوها المؤقّت.