مرتزقة إسرائيل... برامج "الجندي المنفرد" لاستقطاب الأميركيين والغربيين
استمع إلى الملخص
- يعود تاريخ استقطاب الجنود من الخارج إلى عام 1948، حيث ينضم نحو 3000 جندي منفرد سنوياً، نصفهم من المجندات، ويواجهون واقعاً اجتماعياً واقتصادياً صادماً يدفع 50% منهم للعودة إلى بلدانهم الأصلية.
- تهدف البرامج إلى تعزيز الهجرة والاستيطان وربط يهود العالم بالمشروع الصهيوني، حيث تتقاطع مصالح الجنود والدولة في تعزيز الاستيطان والخدمة العسكرية رغم الفجوات بين التوقعات والواقع.
تستقطب شبكات أميركية وغربية شباناً وفتيات للخدمة في جيش الاحتلال، ضمن برامج "الجندي المنفرد"، التي انخرط فيها 20 ألفاً من الولايات المتحدة شاركوا في الحرب على غزة، تحركهم دوافع أيديولوجية ووعودٌ اكتشف بعضهم زيفها.
- انفجرت شريكة الرقيب الأول في الجيش الإسرائيلي، فلاديسلاف سيرغيينكو آنا باشلوف، محتجة على تخلي الجيش عنه، بعدما جرى تجنيده عبر برامج "الجندي المنفرد" قائلة في جلسة استماع عقدت في الكنيست (البرلمان) بتاريخ 3 ديسمبر/كانون الأول الماضي، "اتصلتُ في شهر يوليو/تموز 2024 بمركز الدعم النفسي التابع للجيش الإسرائيلي لطلب المساعدة لفلاديسلاف، وحتى اليوم ما زلتُ أنتظر أن يعاودوا الاتصال بي، لكنّه لم يعد بيننا".
خدم فلاديسلاف، وهو روسي الأصل، في لواء المظليين، وواجه تبعات نفسية، جعلته ينتحر، بحسب ما روته شريكته أمام لجنة الاستيعاب والهجرة بالكنيست التي تُعنى بشؤون اليهود الذين تستقطبهم دولة الاحتلال من دول العالم لضمهم إلى صفوف جيشها. أحد هؤلاء أيضاً الرائد في الاحتياط آريه دراغيل، المصاب خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، والذي لم يتلقَّ دعماً من الدولة، كما وُعد قبل المجيء إلى البلاد بدوافع صهيونية لم يعد يجدها منذ غادر ساحة الميدان، كما قال في شهادته أمام اللجنة ذاتها.
"جاحل" و"ماحل"
يعرّف جيش الاحتلال عبر موقعه الإلكتروني، "الجندي المنفرد" بأنه "من يخدم في الجيش ومنفصل عن عائلته لأسباب مختلفة: منها أن يأتي إلى فلسطين بمفرده، أو شخص ليس لديه اتصال بعائلته في الخارج ومن لديه عائلة داخل الأراضي المحتلة لكن لا تربطه بها أي علاقة". وخدم في جيش الاحتلال 6.973 جندياً منفرداً، من بينهم 88% من المهاجرين، وفقاً لمعطيات نشرتها لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات في 25 يناير/كانون الثاني 2023، بينما شارك في حرب الإبادة على غزة 13 ألفاً من جنود الاحتياط المصنَّفين "منفردين" خدموا ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر 2024، ومعظمهم بحاجة إلى دعم نفسي عاجل وفوري. ويرتفع العدد في بيانات نشرتها منظمة "أصدقاء الجيش الإسرائيلي" ومقرها في الولايات المتحدة، إذ أكدت أن 20 ألف أميركي شاركوا في حرب الإبادة منذ بدايتها حتى اليوم بصفتهم جنودا منفردين.
فكرة استقطاب جنود من الخارج تعود إلى عام 1948
وينضم نحو 3000 جندي منفرد آتين من الخارج إلى جيش الاحتلال، كل عام، كما تؤكد دراسة "الجنود المنفردون، الهجرة، والهوية الوطنية في إسرائيل" التي نشرها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية وجامعة تل أبيب في يوليو/تموز 2024، ولا تقتصر الظاهرة على الذكور؛ فقرابة نصفهم من المجندات المنفردات. وتأتي المجموعة الأكبر من دول الاتحاد السوفييتي السابق وتشكل قرابة 40% من هؤلاء الجنود، بينما يأتي نحو الثلث من أميركا الشمالية، والبقية من فرنسا وبريطانيا وأستراليا والبرازيل و50 دولة أخرى.
وتعود "فكرة استقطاب جنود من الخارج إلى عام 1948" يقول الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ياسر مناع لـ"العربي الجديد"، وقد انضوى هؤلاء الجنود تحت عناوين مثل "التجنيد من الخارج" (جاحل)، وهو المصطلح الذي أُطلق خلال حرب 1948 على من جُنّدوا من بين اليهود الآتين من أوروبا وشمال أفريقيا. ووصل عدد هؤلاء إلى نحو 20 ألف جندي شكّلوا قرابة ربع الجيش الذي كان يقدّر عدده حينها بـ 88 ألف جندي، وفق دراسة "جاحل المقاتلة" التي أعدّها يعقوب ماركوفسكي عام 1995 ونشرتها وزارة الأمن الإسرائيلية، وكذلك برنامج المتطوعين من الخارج (ماحل) الذي تحوّل إلى آلية نشطة لتعزيز الظاهرة، عبر وعود ما يلبث المجندون أن يكتشفوا حقيقتها، مثل ماندل فيليبسون أحد مستقطبيه الذي انتحر في 22 يوليو الماضي بعد عام من مغادرته النرويج.
شبكات الاستقطاب
تنشط عدة منظمات صهيونية بدولة الاحتلال في العمل على استمرارية ظاهرة "الجندي المنفرد" من خلال برامج استقطاب، من أبرزها "نواة الصبار" التابع لحركة الكشافة اليهودية، والذي يحفّز الشباب من أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا وروسيا على التجنيد العسكري، ويوفر لهم إقامة جماعية مع تدريب لغوي وتحضير إداري وعسكري قبل الخدمة وأثناءها، كما يشير الباحث والمحاضر في قضايا الأمن الإسرائيلي في جامعة بيرزيت فادي نحاس. كذلك، يقدّم مركز مايكل ليفين في تل أبيب دعماً اجتماعياً ومعيشياً مباشراً للجنود، بينما تركز مؤسسة هيسيغ الكندية على المنح التعليمية للجنود بعد إنهاء الخدمة.
50% من الجنود المنفردين يعودون إلى بلدانهم الأصلية
وتعمل عدة منظمات أميركية وأوروبية على دعم تجنيد اليهود من مختلف دول العالم في جيش الاحتلال. من أبرز هذه الجهات منظمة "نفيش بنفيش" بالتعاون مع "أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي" ومقرهما في الولايات المتحدة الأميركية، وتقدمان برامج شاملة تقوم على المنح المالية، فضلاً عن قسائم شرائية وإجازات خاصة وتذاكر سفر للجنود بعد مرور فترة من الخدمة. كما تتيح الوكالة اليهودية عبر برنامج "وينغز" متابعة نفسية ومهنية للجنود حتى عامين بعد التسريح، مع توفير حزم غذائية ودعم للحالات المرضية.
أوهام الاحتضان
تصطدم وعود الامتيازات والدعم، بالفجوات الاجتماعية والاقتصادية الموجودة أصلاً في المجتمع الإسرائيلي، كما يوضح نحاس، ويتأثر بها أكثر المجندين جراء عدم وجود حاضنة اجتماعية لهم. وتعزز هذه الرؤية شهادات قدّمها هؤلاء أمام الكنيست في 3 ديسمبر الماضي، كما في حالة مايا بريسلر التي قالت إنها خدمت في وحدة قتالية بالاحتياط أكثر من 200 يوم منذ 7 أكتوبر 2023، وكسرت يدها أثناء القتال في غزة، ولم تجد من يساعدها.
هذه الشهادات تنسجم مع ما جمعه معدّ التحقيق من منشورات بين شهري يناير وإبريل/نيسان من العام الجاري عبر مجموعة على "فيسبوك" بعنوان "أناس طيبون في خدمة الجنود المنفردين" إذ حلل عينة من 19 منشوراً، تتضمن حالات مثل رفكات ليبر، التي طلبت مساعدة جندية منفردة أصيبت في رجلها وتعيش بمفردها في "رعنانا" شمال فلسطين، وتحتاج إلى نقلها لمركز طبي.
وتتعدى الاحتياجات الحدّ الأدنى، فمثلاً طلب دافيد نيلاند التبرع بحذاء بمقاس 44-45 لجندي منفرد تمزق حذاؤه، وكذلك طلب زئيف سبرينزلس، حذاء بمقاس 41-42 لأن القسائم التي حصل عليها من الجيش لا تكفي لتغطية احتياجاته. كما توثق المنشورات أضراراً لممتلكات شخصية خلال العمليات العسكرية في غزة دون تعويض. وتقول تولي شرعبي، في منشورها إن جندياً من لواء جفعاتي تحطم هاتفه خلال عملية عسكرية، ويطلب المساعدة في إصلاحه لعدم قدرته المالية. أما كارينا أكسلرود، وهي جندية في وحدة جمع المعلومات وقدمت من روسيا، فكشفت أنها تبحث عن حزام لسترتها الواقية بعد أن امتنعت كتيبتها عن توفيره.
وتبرز المنشورات أيضاً نيات بعض الجنود للجوء إلى القضاء، من بينهم دان لبوفاي، جندي في سلاح المدفعية، الذي كتب أنه يشعر بالظلم ويفكر في تقديم شكوى ضد ضباطه، طالباً مساعدة قانونية. بينما دانيئيل ليفي، الذي خدم في لواء جفعاتي وأصيب خلال الحرب، نشر أنه يواجه محاكمات جنائية بسبب الجيش الذي يحاول فتح قضية ملفقة ضده، داعياً من يستطيع تقديم دعم قانوني لمساعدته في ظل عجزه عن توكيل محامٍ.
وتكشف خيبات الأمل هذه عمق الفجوة بين التوقعات أو الواقع وما يروج له في برامج الاستقطاب، ما يدفع الكثير من الجنود المنفردين إلى المغادرة، وفق ما خلصت إليه دراسة "الجنود المنفردون، الهجرة، والهوية الوطنية في إسرائيل" بعدما أجرت مقابلات معمقة مع 1100 منهم. وهو ما يتفق مع إحصائية نشرتها منظمة "بيت بريدج" Beit Bridge الأميركية المتخصصة في استقطاب الجنود المنفردين، والتي كشفت أن 50% من الجنود المنفردين يعودون إلى بلدانهم الأصلية بعد الخدمة العسكرية، الأمر الذي يتناقض مع إحصائية جيش الاحتلال التي نشرها موقع الكنيست ومفادها أنّ 15% فقط يغادرون، و"هذا جزء من التضليل المعلوماتي والترويج الذي يمارسه الجيش" يقول مناع.
ماذا قال العائدون؟
في عام 2021 نشرت الباحثة كارينا شكيليان من قسم علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا - سان دييغو، دراسة "مدافعون محبطون؟ تحديات اندماج المهاجرين اليهود الأميركيين العائدين من الخدمة في الجيش الإسرائيلي" واستندت في نتائجها إلى مقابلات مع 52 جندياً منفرداً (استخدمت أسماء مستعارة لهم حفاظاً على خصوصيتهم).
وعلى الرغم من أن الخدمة العسكرية عُدّت وسيلة للاندماج واكتساب هوية إسرائيلية، بحسب إفاداتهم، لكن هؤلاء الجنود واجهوا واقعاً اجتماعياً صادماً دفعهم إلى إعادة النظر في تصوراتهم المثالية عن المجتمع الإسرائيلي. وعبّر كثير منهم عن شعور بالتهميش والاغتراب، فلجأ بعضهم إلى إخفاء لكنتهم الأميركية أو الانكفاء داخل شبكات اجتماعية خاصة بالأميركيين لتفادي الاحتكاك المباشر بالبيئة الجديدة.
وتنقل الدراسة جملة من الانطباعات التي عبّر عنها الجنود خلال خدمتهم العسكرية؛ إذ تؤكد "جينيفر" تمسّكها بما وصفته بـ"سلوكيات الأدب الأميركي" وتفضيلها البقاء ضمن دوائر اجتماعية أميركية ضيقة، بينما وجدت "ياعيل" نفسها مضطرة إلى تبنّي السلوكيات الإسرائيلية القائمة على الجرأة ورفع الصوت والدفع في الطوابير في تكتيك للبقاء. أما "عزرا" فعبّر عن خيبة أمله بعدما توقّع أن يشاركه المجندون الإسرائيليون الحماس ذاته، لكنه صُدم بأن كثيرًا منهم يعتبرون الخدمة عبئاً مفروضاً ويحاولون التملّص منها. كذلك روت "نعومي" دهشتها من مشاهدتها جنوداً يبكون لرغبتهم في العودة إلى منازلهم، في حين حسم "غيديون" قراره بإنهاء خدمته والعودة إلى بلده الأصلي بعد أن تكررت على مسامعه أسئلة مستفزة، من بينها: "لماذا تركت حياة الراحة في أميركا وجئت إلى هنا؟".
مصالح متقاطعة بين الجنود والدولة
يشير نحاس إلى وجود فكرتين أساسيتين وراء اهتمام الاحتلال بظاهرة الجندي المنفرد، أولهما تعزيز حركة الهجرة والاستيطان في فلسطين، ولذلك فعمليات الاستقطاب تركز على الشبان اليهود حول العالم. وهو ما يشدد عليه الباحث في الشؤون الأمنية الإسرائيلية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات محمود محارب، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن الدوافع الأيديولوجية لدى بعض القادمين لأجل الخدمة العسكرية تدفعهم إلى الاستيطان خاصة في المستوطنات التي يحصل سكانها على امتيازات وإعفاءات وهو ما يحتاج إليه هؤلاء بوصفهم أشخاصاً بلا محيط اجتماعي أو رأس مال.
أما الفكرة الثانية، بحسب نحاس، فهي ربط يهود العالم بالمشروع الصهيوني وإحدى ركائزه الخدمة العسكرية، وهو ما يوضحه مطانس شحادة أستاذ الاقتصاد السياسي والباحث في الشؤون الإسرائيلية بمركز مدى الكرمل (بحثي مقره حيفا)، مضيفا أن مبدأ "وحدة المصير" ليهود العالم هو أحد المبادئ النظرية الهامة في ما يسمى "إعلان الاستقلال لدولة إسرائيل عام 1948"، وأحد تطبيقاته العملية محاولة إدماج يهود العالم في المشاريع العسكرية والسياسية والاقتصادية لدولة الاحتلال، بما في ذلك الخدمة العسكرية.
كذلك فإن بعض الجنود الذين يأتون للخدمة العسكرية يحاولون التخلص من أعباء والتزامات اجتماعية واقتصادية في مجتمعاتهم الأصلية، يقول نحاس، وهو ما تتقاطع معه خلاصة دراسة "الجنود المنفردون، الهجرة، والهوية الوطنية في إسرائيل" في تفسيرها لتوجه الشبان اليهود الأميركيين في الخدمة العسكرية، إذ إنه إلى جانب الدوافع الصهيونية والدينية، هناك عوامل نشطة مثل، التهميش الاجتماعي، والفشل الدراسي، والمشكلات الأسرية، والبحث عن مكانة، وتختلف الدوافع لدى الشبان اليهود القادمين من دول الاتحاد السوفييتي السابق ثلثاهم شاركوا في برامج هجرة طويلة مثل "نعلاه" (يستقطب اليهود من سن 15 - 16 عاماً للدراسة في إسرائيل)، و"تسلاه" (برنامج تربوي ديني يرتبط بدراسة "أرض إسرائيل" واستيعاب المهاجرين، لكنه أقل شهرة من نعلاه)، وهو ما يعني أن المهاجرين الروس تحركهم دوافع براغماتية تقوم على الهجرة إلى مكان أفضل، ومن ثم تمثل الخدمة العسكرية بالنسبة إليهم، تأشيرة دخول، ولذلك يميلون أكثر إلى البقاء مقارنة بالقادمين من الولايات المتحدة. ومع ذلك، يوضح شحادة، أن دولة الاحتلال تحاول الترويج أن هؤلاء قدموا بدوافع قومية في إطار دعائي يروج إلى انتماء يهود العالم للمشروع الصهيوني.