غنائم الحرب... روسيات يتربحن من مآسي معركة أوكرانيا

20 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 14:42 (توقيت القدس)
شبكات احتيالية تستهدف ذوي المقاتلين في أوكرانيا (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- ظاهرة الاحتيال عبر الزواج من المقاتلين ظهرت خلال الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث تتزوج بعض النساء من المقاتلين للحصول على تعويضات مالية أو نصيب من الأملاك المشتركة، مما دفع مجلس الدوما الروسي للعمل على قانون لحماية أموال المحاربين.

- تتزايد حالات الاحتيال على المحاربين وذويهم عبر وسائل مثل انتحال الشخصيات، حيث تستغل النساء الخطر الذي يواجهه المحاربون، وهناك ثغرات قانونية تُستغل لسرقة أموالهم.

- الحروب تخلق واقعين منفصلين، حيث يعيش البعض تحت القصف بينما تستمر الحياة بشكل طبيعي في مناطق أخرى، مما يفتح الباب أمام التربح عبر استغلال المصائب.

خلقت ارتدادات الحرب الروسية على أوكرانيا، ظواهر احتيالية مجتمعية، إذ تبحث سيدات عن مقاتلين للزواج، طمعا في نيل تعويضات بعد موتهم، أو للمطالبة بنصيبهم من "الأملاك المشتركة" لدى الطلاق، ليتسع نطاق النصب على المحاربين.

- ملأت ابتسامة كبيرة وجه الوكيلة العقارية الروسية، مارينا أورلوفا المتحدرة من مدينة تومسك الواقعة في سيبيريا أثناء مقابلة مصورة، تناولت كيفية تدبير مقدم لشراء شقة، بينما تقول: "ابحثي عن رجل يؤدي الخدمة ضمن العملية العسكرية الخاصة (الحرب في أوكرانيا)، يُقتل فتحصلين على 8 ملايين روبل (حوالي 100 ألف دولار)"، واصفة حديثها بأنه "دراسة جدوى".

ورغم أن الوكيلة العقارية اضطرت للاعتذار، بعد انتشار المقطع على مواقع التواصل الاجتماعي المحلية، إلا أن مضمونه دفع إلى الواجهة حوادث الاحتيال عبر الزواج من المقاتلين على الجبهة، التي انتبه لها مجلس الدوما (النواب)، محيلا إلى النقاش التشريعي، مشروع قانون من شأنه استبعاد الأموال التي تصرف للمحاربين، لتخرج من بين "الأصول المالية المشتركة"، وفق ما يوضحه النائب عن حزب "روسيا الموحدة" الحاكم، ورئيس الوزراء الأسبق لـ"جمهورية دونيتسك الشعبية" المعلنة من طرف واحد، ألكسندر بوروداي، أحد معدي مشروع القانون.

 

البحث عن محارب

يقول بوروداي لـ"العربي الجديد": "يصنف القانون الروسي بنسخته الحالية أي أصول يتم جنيها خلال فترة الزواج أملاكا مشتركة حتى إذا كانت مسجلة باسم أحد الزوجين، مما يوفر الفرصة لبعض النساء غير الأمينات للحصول على حقوق مالية لا يستحققنها في حال وقوع مكروه للمقاتل، نظرا لتقاضي العسكريين على الجبهة أجورا مغرية أو تعويضات كبيرة".

وثق بوروداي وزملاؤه مجموعة من الحوادث المتكررة من هذا النوع، لذا تقدموا إلى الدوما بمشروع القانون ليحمي أموال المحاربين عبر إخراج أجورهم من تحت طائلة الأملاك المشتركة. قائلا:" آمل أن يتم تبنيه".

وتمنح القوانين المنظمة لعملية تقاسم الإرث في روسيا الأرملة النصيب الأكبر من التركة، نظرا لحصولها تلقائيا على نصف الأملاك والأصول والأموال في حال تم جنيها بعد تاريخ الزواج وتصنف "ملكية مشتركة"، ثم يتم تقاسم باقي التركة بين الورثة من الدرجة الأولى، أي الأبناء والزوج/ة ووالدي المتوفى، كما تحددهم المادة 1142 من القانون المدني الروسي.

مشروع قانون لحماية أموال المحاربين وعدم تصنيفها ضمن "الأملاك المشتركة"

تضاف إلى ذلك المادة 38 من قانون الأسرة التي تصنف الأصول الجاري جنيها خلال فترة الزواج على أنها "ملكية مشتركة" حتى إذا كانت مسجلة أو مودعة باسم أحد الزوجين فقط، مما يتيح لطليقات المحاربين الحصول على حصة في ما يدخرون من أجورهم (تفوق 200 ألف روبل أو 2500 دولار شهريا).

ويقر المحامي الروسي، رومان بيتروف، هو الآخر بأنه يترافع في عدة قضايا من هذا النوع، قائلا في حديث لـ"العربي الجديد": "أتعامل مع عدة دعاوى في قضايا ما يسمى زوجات العسكريين الميدانيين، أي من تزوجن من محارب قُتل وحصلن على تعويضات فيبحثن عن آخر".

يتضح حجم انتشار الظاهرة، عبر مسح أجراه معد التحقيق في شبكة فكونتاكتي الروسية للتواصل الاجتماعي من خلال مجموعات معنية بالتعارف على العسكريين يصل عدد المشاركين فيها إلى عشرات الآلاف، ويشارك الراغبون في التعرف والارتباط معلومات وصورا لأنفسهم عبرها. وما يشجع على استغلال الضحايا، قيمة التعويضات لذوي القتلى بمنطقة القتال في أوكرانيا، إذ تشير البيانات الواردة بموقع مجموعة المحامين العسكريين (تضم 50 خبيرا قانونيا أدوا جميعا الخدمة العسكرية من أعضاء مجلس الخبراء التابع للدوما)، أن قيمتها تصل إلى 5.16 ملايين روبل (حوالي 65 ألف دولار) يتم تقاسمهما بين أفراد عائلة القتيل، بالإضافة إلى نصيبهم في التركة والتعويضات التي تمنحها الأقاليم والإعانات الشهرية للأطفال ما يجعل من الظاهرة وسيلة للثراء السريع.

 

التربح من المآسي

حول رؤيته للجانب القانوني لظاهرة الزواج من المقاتلين بهدف الحصول على تعويضات، يضيف بيتروف: "من وجهة النظر القانونية البحتة لا يمكن تصنيف ذلك على أنه زواج وهمي، بل أقرب إلى علاقة مصلحة تقدم عليها بعض النساء باردات الدم إدراكا منهن أن زوجهن يمارس عملا خطرا قد ينتهي بمصرعه. أما الزواج الوهمي، فلا يقتضي الدخول في العلاقة من أساسها، مقتصرا على التسجيل الإجرائي للزواج". علما أن المادة الـ 27 من قانون الأسرة الروسي تعرف الزواج الوهمي بأنه وضع ناجم عن "تسجيل الزوجين أو أحدهما الزواج بلا نية تأسيس أسرة"، وتتيح إشهار بطلانه عبر القضاء.

تتزوج روسيات من المقاتلين طمعاً في الحصول على التعويضات

ويضرب مثلا بدعوى يتولى العمل فيها حاليا قائلا: "خلال عطلته، استثمر محارب ينحدر من مقاطعة تشيليابينسك الواقعة في منطقة أورال الفاصلة بين قارتي أوروبا وآسيا، قيمة التعويض الذي حصل عليه على إثر إصابته، لشراء سيارة قيمتها نحو مليوني روبل (حوالي 25 ألف دولار وفقا لسعر الصرف الحالي)، ولكنه لم يسجلها باسمه قبل عودته إلى الجبهة ومقتله. واستغلت مساكنته التي لم يكن قد سجل الزواج معها، هذه الثغرة لتسجيل السيارة باسمها، فتوجه أهله وأبناؤه من زواج سابق لمقاضاتها وقد بدأت التحريات ما قبل التحقيق".

ويقر باتساع نطاق الظاهرة نظرا لتزايد عدد القضايا التي يطلع عليها بهذا الخصوص، مضيفا: "لا إحصاءات دقيقة، ولكنني أتلقى بين فترة وأخرى شكاوى ذكور انفصلوا عن زوجاتهم بعد التعاقد مع وزارة الدفاع أو قبله مباشرة ومن ثم يقمن دعاوى للمطالبة بنصيبهن من "الأصول المشتركة". يختار البعض العمل الذكوري التقليدي في الجيش بعد انهيار حياتهم الأسرية، ثم يتزوجون مرة أخرى على عجالة خلال عطلاتهم ويتركون لزوجاتهم وأمهاتهم بطاقاتهم المصرفية التي لا فائدة منها على الجبهة".

كما يلفت إلى وجود ثغرات أخرى تستخدم في بعض الأحيان لسرقة أموال المحاربين، ومن بينها تردي جودة الاتصال بالإنترنت في مناطق القتال، مما يضطرهم إلى تسليم بيانات حساباتهم الشخصية الخاصة بتطبيقات المصارف لإدارتها من قبل الغير، مشيرا إلى أن الأجور والتعويضات الكبيرة التي يتقاضاها المحاربون والمصابون وذوو الضحايا تفتح نافذة الفرصة أمام الراغبين في التربح من مآسي الآخرين.

الصورة
التعويضات الكبيرة تفتح نافذة الفرصة أمام الراغبين في التربح من مآسي الآخرين
التعويضات الكبيرة تفتح نافذة الفرصة أمام الراغبين في التربح من مآسي الآخرين (Getty)

 

نصب على ذوي المحاربين

في الثالثة صباحا، استيقظت أولغا فزعة على صوت هاتفها النقال، إذ يقاتل نجلها شرقي أوكرانيا، وبمجرد الرد، سمعت صوتا يقول: "ابنك أرتيوم انفجر فيه لغم ويحتاج إلى إجراء عملية عاجلة كلفتها 400 ألف روبل (حوالي 4800 دولار)".

عزز سماع صرخات الألم من تصديق أولغا لمحدثها، كما توضح، قائلة لـ"العربي الجديد": "حولت المبلغ المطلوب على الفور، ولكن في اليوم التالي، تلقيت اتصالا من ابني يخبرني بأنه بخير، وتبين أن المحتالين لجأوا إلى برنامج لمحاكاة صوته، بواسطة رسالة صوتية سبقت له مشاركتها على شبكة فكونتاكتي".

أما مارينا المنحدرة من مدينة ماكييفكا الواقعة في مقاطعة دونيتسك (ضمتها روسيا في عام 2022)، فقد تلقت اتصالا من شخص انتحل صفة رائد بجهاز الأمن الفدرالي الروسي يخبرها بأن زوجها أُسر، مطالبا بتحويل 200 ألف روبل (حوالي 2400 دولار) على سبيل "مقدم الفدية" لبدء التفاوض على الإفراج عنه. بعد مرور ساعة، تلقت مارينا التي فضلت هي الأخرى عدم ذكر اسمها الكامل، اتصالا من زوجها حيث كان في ثكنته، ليتبين أن المحتالين سرقوا بيانات زوجها أثناء تعبئتها استمارة في بوابة "غوس أوسلوغي" الروسية للخدمات الحكومية قبل أن تكتشف في وقت لاحق أن الموقع كان مزورا واستخدمه الجناة للتصيد.

ويقلق انتشار تلك الظواهر رئيس صندوق رودينا (الوطن) المعني بالرعاية الاجتماعية للمحاربين القدامى، رومان غروموف، مطالبا بإطلاق حملة للتوعية والعون القانوني وتشديد المسؤولية على مرتكبي الجرائم بحق المقاتلين وذويهم. قائلا لـ"العربي الجديد": "لا إحصاءات دقيقة حول عدد حوادث تعرض العسكريين وذويهم للاحتيال، إذ إن قسما منهم لا يتوجهون إلى الشرطة خجلا من تعاملهم بسذاجة أدت إلى وقوعهم في المصيدة، ولا يثق آخرون في فاعلية الشرطة، فيما يتخوف البعض من انتقام المحتالين، ولمواجهة الظاهرة لا بد من تعزيز التنسيق بين جمعيات المحاربين القدامى وجهات الأمن، والدعم الاجتماعي الشامل لاندماجهم في حياة السلم، ما يقلل من تعرضهم للاحتيال".

 

واقعان منفصلان

من خلال عملها تقول المتطوعة، يفدوكيا شيريميتييفا إن الحروب وغيرها من الأحداث المأساوية تفتح الباب على مصراعيه أمام التربح عبر استغلال المصائب، مشيرة إلى أن حروب القرن الـ21 تخلق في الدول التي تخوضها، واقعين منفصلين، في أحدهما يختبئ الناس في الخنادق، فيما تسير الحياة بشكل اعتيادي في ثانيهما وكأن شيئا لا يحدث.

وتقول شيريميتييفا التي تعمل على إيصال المساعدات إلى منطقة دونباس شرقي أوكرانيا منذ عام 2014، في حديث لـ"العربي الجديد": "تعيش منطقة دونباس تحت القصف منذ 11 عاما، وهناك بلدات على مقربة من خط التماس تعاني نقصا في المياه ولا يمكن الحصول على المواد الغذائية الأساسية سوى من عربات تأتي بين الحين والآخر. في المقابل، تعيش مدينة لوغانسك الواقعة بعيدا نسبيا عن خط الجبهة حياة شبه طبيعية، حيث تزخر أرفف المتاجر بأفخر أنواع المواد الغذائية، كما تفتح مطاعم البيتزا والسوشي أبوابها أمام الرواد"، لذا تعتبر حوادث النصب والاحتيال على المحاربين ظاهرة طبيعية في ظروف انعدام الإجماع والتضامن، قائلة: "هناك دائما من يستغلون متاعب الآخرين لتحقيق أهدافهم المادية مثلما تطلق في أوقات السلم حملات زائفة لجمع تبرعات لأطفال مرضى، والآن تطلق حملات خادعة مماثلة لدعم العسكريين وتجهيزهم بالعتاد".