عائلات المفقودين الليبيين... ضحايا غير مرئيين للانقسام شرقاً وغرباً

02 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 13:48 (توقيت القدس)
تنازع في الاختصاصات بين الهيئات المعنية بالمفقودين (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني ليبيا من إهمال ملف المفقودين منذ 2011، حيث تتجاهل السلطات هذا الملف، مما يترك العائلات في انتظار مؤلم دون دعم حكومي، وتتفاقم المشكلة بسبب السجون السرية وفشل الدولة في توفير العدالة.

- يواجه الملف تعقيدات قانونية وسياسية، مع غياب إطار قانوني واضح وتنازع الجهات على الصلاحيات، مما يعوق التقدم في الحل، وتسييس الملف يزيد من صعوبة التعامل معه.

- يتطلب الحل تطوير تشريعات قانونية شاملة وتوافق سياسي لضمان حقوق المفقودين وعائلاتهم، وتعزيز العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

تهمل السلطات الحاكمة في ليبيا ملف المفقودين منذ أحداث الثورة في عام 2011، ولا تختلف حكومة طرابلس عن سلطة الأمر الواقع شرق البلاد، إذ يرتبط الأمر بالسجون السرية وفشل الدولة في إنصاف عائلات تبحث فقط عن شهادة وفاة.

- كل مساء، وعلى العتبة ذاتها، يتكرر المشهد نفسه. يجلس الأربعيني الليبي إبراهيم الجديدي أمام بيته في حي "شعبيات السوق" بترهونة القديمة، شاخصاً بنظره نحو الطريق الذي لا ينفك ينتظر عودة من عبروه ذات يوم. إنه شقيقه يوسف، الذي غادر صباح الثاني عشر من يناير/كانون الثاني 2020، متجهاً إلى عمله ولم يعد.

لم يكن اختفاء يوسف مجرد حادثة عابرة، إذ عرفت الأسرة أن "مليشيا الكانيات"، (كانت تفرض سلطتها على المدينة، وتحالفت مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر عند هجومه على طرابلس خلال عامي 2019 و2020)، اقتادته أمام أنظار الجميع، ليُختزل مصيره بعدها في اتهام غامض بـ"تسريب معلومات". منذ ذلك الحين تحول الانتظار إلى رفيق دائم للعائلة، بينما تحيط بهم حقيقة مرة: من يدخل مقرات تلك المليشيا نادراً ما يعود، وحتى جثته لم يعثر عليها بين ضحايا المقابر الجماعية المكتشفة لاحقاً في ترهونة.

وتختلف ملابسات اختطاف الثلاثيني يوسف، عن ظروف اختفاء خالد المنفّق الذي فُقد في منطقة أبوسليم، وسط طرابلس، أثناء قتاله في حرب أهلية مصغرة دارت بين جهاز دعم الاستقرار (مقره في طرابلس وأُنشئ بقرار من المجلس الرئاسي)، ولواء النواصي (أحد أكبر المليشيات في العاصمة) في مايو/أيار 2022، وإن كانت تتشابه في التداعيات، التي واجهت العائلة بعد فشل محاولتهم المستميتة في البحث عنه بين جثث الموتى في ثلاجات المستشفى الميداني في حي أبوسليم، بمدينة طرابلس، يقول عثمان المبسوط، المحامي المترافع في قضية المنفق، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن راتب موكله قد توقف بسبب غيابه كل هذه المدة عن وظيفته، في الوقت ذاته تعجز أسرته عن التصرف في ممتلكاته، أو إجراء أي معاملة إلا بوجود حكم قضائي يؤكد وفاته، ويجعل من حق الورثة التصرف في ما يخصه، ومعاملة الزوجة كأرملة ما يمكنها حينها من الاستفادة من راتب زوجها بنقله على مخصصات الضمان الاجتماعي، بل إن محل بيع الإلكترونيات المملوك للمنفق، وكانت الأسرة تعتمد عليه في تدبير بعض نفقاتها، لم تتمكن من تجديد ترخيصه وكذلك عقد إيجاره.

ضحايا غير مرئيين حكومياً

منذ معرفتها باختفاء الزوج تعد زوجة يوسف الجديدي نفسها أرملة، فانتقلت وطفلها الوحيد للعيش في بيت والدها، وبالطبع لم تنل وابنها أي مخصصات مالية حكومية، أو مساعدات تعينهما على مواجهة قسوة الحياة، كما لا تستطيع الزواج من آخر طالما لم تتأكد وفاة الزوج، وهو أمر غير ممكن لعدم العثور عليه بين الجثث التي انتشلتها الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين (حكومية)، من المقابر الجماعية التي خلفتها مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، منذ انسحابها من ترهونة في يونيو/حزيران 2020، بعد مطابقة الحامض النووي للجثامين مع عينات من أفراد العائلة، جرى تحليلها في مختبر الهيئة، لذا يبقى يوسف بنظر القانون مفقوداً، وفق شقيقه إبراهيم.

ملف المفقودين ليس أولوية لدى السلطات الحاكمة

ولا يتم هذا الإجراء إلا بعد التقدم ببلاغ إلى مديرية الأمن التي تحيله بدورها للنيابة العامة، والأخيرة تنسق مع الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين المكلفة بانتشال الجثث ونقلها إلى مختبرها، لمعرفة هوية أصحابها من خلال مطابقة الحمض النووي مع عينات ذويهم، كما يقول الناطق الرسمي باسم الهيئة، عبد العزيز الجعفري، مؤكداً لـ"العربي الجديد" العثور على 300 جثمان لمفقودين، عقب اكتشاف المقابر الجماعية، ليبقى 67 مختفياً في ترهونة بين عامي 2019 و2020، بينما يحصي محمود الهري رئيس الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء والمفقودين والمبتورين لـ"العربي الجديد"، 142 مفقوداً، خلال محاولة خليفة حفتر السيطرة على طرابلس بين عامي 2019 و2020، مشيراً إلى أن عدد المفقودين في حرب التحرير في عام 2011 بلغ 8211 شخصاً.

هذه الأرقام يفسرها أحمد عبد الحكيم حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان (أهلية) بقوله لـ"العربي الجديد"، إنها تمثل أعداد من فُقدوا في القتال والحرب، دون أن تشمل المخطوفين قسراً على يد المجموعات المسلحة، ضمن الأنشطة الإجرامية، وما تحويه السجون السرية، ويدعم إفادة حمزة توثيق معد التحقيق حالتين فقدتا أثناء حملة مليشيات حفتر على مدينة طرابلس، ومنهم حامد أعيلوه، الذي عجزت عائلته عن استخراج شهادة تثبت وفاته ما أوقف حياة الأسرة، كما تقول شقيقته العشرينية نجمة، مضيفة لـ"العربي الجديد" أن إدارة شؤون الشهداء والأسرى والمفقودين بالقيادة العامة (تتبع مليشيا حفتر) لم تعترف به كونه ليس عسكرياً مسجلاً في وثائقها وليس له رقم عسكري، رغم أنه قاتل في صفوفه نهاية عام 2019 خلال محاولة اقتحام طرابلس.

تسييس الملف

"ملف المفقودين لم يكن أولوية لدى السلطات الحاكمة"، يقول حمزة، معتبراً أن حالة الصراع المستمر والحرب، جعلت الملف مفتوحاً وعسيراً على الإغلاق، ويتبدى هذا في عدم إعداد إطار قانوني يكفل حلاً للعائلات ويلبي حاجة المجتمع، فمجلس النواب لا يعترف بشرعية حكومة الوحدة الوطنية منذ سبتمبر/أيلول 2021، فكيف ينتظر من هذه الحكومة تقديم مقترح قانون المفقودين، أما حكومة مجلس النواب فلا تجرؤ على الاقتراب من الملف، لأنه يفتح أبواب السجون السرية التي يديرها حفتر بمعزل عن أي رقابة، ويضيف :"هذا الملف سيخلق صداعاً لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، حيث تدير بعض المجموعات المسلحة سجوناً سرية تتكشف تباعاً، آخرها سجون جهاز دعم الاستقرار، بعدما عثرت وزارة الداخلية في منتصف يونيو الماضي على 60 جثة في مستشفى الحوادث الذي كان خاضعاً لسيطرة هذا الجهاز، بالإضافة لمقابر داخل أسوار سجونها"، ويوضح أن الكشف عن المفقودين أحد أعمدة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، لكن مجلس النواب يتعنت، وحتى إنه رفض مرسوم المجلس الرئاسي رقم 2 لسنة 2025 بشأن المصالحة الوطنية في ليبيا.

يزيد من التعقيدات السابقة غياب التشريعات التي تحدد الصلاحيات، خاصة بين الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين والطب الشرعي، إذ يتنازعان الاختصاص في الأحقية بتحديد موت المفقود عند العثور على جثته، كما يقول الهري.

صدور 3473 حكماً قضائياً بموت مفقودين بين أعوام 2016 و2025  

و"لا يوجد تعريف محدد للمفقود يبيّن شخصيته القانونية"، يقول المحامي عثمان المبسوط، الذي تكشفت أمامه العديد من الإشكالات في التشريعات الليبية عرضها أثناء مسار مرافعاته أمام المحاكم، مشيراً إلى أن المفقود العسكري لا إشكال فيه، لأن قانون التقاعد العسكري رقم 43 لسنة 1974 حدد مصيره بانقضاء مدة أربع سنوات على فقده فيحكم القضاء العسكري بموته بناء على قرار يصدره رئيس الأركان العامة أو وزير الدفاع، أما المفقود المدني فلا يزال وضعه قائماً على بند تأسس في المادة 32 من القانون المدني الصادر سنة 1954، ورغم أن القانون المدني جرت عليه عدة تعديلات، وآخرها سنة 2016 فإن هذه المادة لم يطرأ عليها أي تغيير وبقيت على نصها.

وتنص المادة المذكورة على أنه "يسري في شأن المفقود والغائب الأحكام المقررة في قوانين خاصة، فإن لم توجد فأحكام الشريعة الإسلامية"، وفق المبسوط الذي قال إن هذا الوضع أفضى إلى نظر المحاكم في القضايا المرفوعة من أسر ومواطنين للبت في أوضاع مفقوديهم من خلال الفتاوى الشرعية من دار الإفتاء الليبية، التابعة لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، التي لديها نظر في التفصيل الفقهي الخاص بالمفقود في الحروب، أو في السجون، أو في الكوارث الطبيعية.

لكن الإشكالية انعكست في عدم وضوح الفتوى الشرعية بحق أوضاع المفقودين أمام القضاء، إذ يؤكد عبد الفتاح بن خليل، القاضي بإدارة القضايا بالمحكمة العليا أنه لم تصدر الأحكام بموت المفقودين إلا في 3473 قضية خلال الفترة من سبتمبر 2016 حتى يوليو/تموز 2025، وهي دعاوى استندت إلى العثور على جثة المفقود، كما في حالات المفقودين في المقابر الجماعية في ترهونة، أو استندت إلى شهادة شاهدين أكدا حضور المفقود للمعركة، أما المفقودين الذين لم يعثر على جثثهم، ولم تثبت مشاركتهم في المعارك، فلا يصدر بحقهم أي حكم قضائي لأنهم بحكم الغائب.

تعثّر قانوني

لا يمكن للهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء والمفقودين والمبتورين، تجاوز نصوص قانونية متقادمة تحدد المفقود حصراً بالمختفين أثناء أحداث الثورة الليبية عام 2011، في حين أن ظاهرة المفقودين استمرت بعدها وتفاقمت، كما يقول الهري.

هذا العجز لم يأت من فراغ، بل بواسطة مسار متعثر لم يتمكن من بناء الإطار الرسمي لقضية المفقودين، وبدأ منذ ثورة 17 فبراير عندما أنشأ المجلس الوطني الانتقالي "صندوق أسر الشهداء والجرحى والمفقودين"، ثم ألغي لصالح إنشاء وزارة رعاية أسر الشهداء والمفقودين عام 2012، وفي يناير 2014 أصدر المؤتمر الوطني العام (أول برلمان بعد 2011) أول قانون يمس شريحة المفقودين، ويعرف بتشريع "رعاية أسر الشهداء والمفقودين"، والذي عرّف المفقود في نص مادته الأولى بأنه "كل غائب لم تعرف حياته من وفاته فُقد أثناء حرب التحرير"، لكن المبسوط يعيب على القانون بأنه "حصر المفقودين بمن اختفوا في عام 2011، ما يعني أنه استبعد بنص صريح مناهضي هذه الحرب"، معتبراً أن هذا القانون أسس لفراغ كبير في منظومة عمل الهيئات المعنية بالمفقودين وعائلاتهم، وكان ينبغي أن يشمل الطرفين.

الصورة
300 جثمان لمفقودين، عقب اكتشاف المقابر الجماعية
300 جثمان لمفقودين، عقب اكتشاف المقابر الجماعية (Getty)

"فعلاً القانون بحاجة لتطوير، وهذا يحتاج إلى أرضية مشتركة تقوم على توافق سياسي قبل كل شيء"، يقول البرلماني ميلود الأسود، عضو لجنة شؤون الشهداء والجرحى والمفقودين في مجلس النواب، الذي شارك ممثلاً عن مجلس النواب في اجتماع نظمته بعثة الأمم المتحدة يومي 17 و18 سبتمبر 2025 بحضور خبراء قانونيين وممثلين عن مجلسي النواب والدولة، للوصول إلى قانون للمفقودين، لكنه أوضح أن ما جرت مناقشته عبارة عن مسودة لنسخة أولى من مقترح القانون، مؤكداً أنها لا تمثل نسخة متقدمة وتحتاج إلى ورش عمل إضافية قبل أن ترقى لتعرض على مجلس النواب، بسبب الإشكالات كتحديد الصلاحيات بين الجهات المعنية بالمفقودين، وتحديد آليات الحكم بمصير المفقود، وكيفية الحد من آثار القضية على مطلب المصالحة الوطنية.