شبكة كونفوشيوس... أذرع بكين الناعمة لصياغة صورتها عالمياً

26 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:39 (توقيت القدس)
548 معهداً لتعليم اللغة الصينية في 162 دولة (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- انتشرت معاهد كونفوشيوس في 162 دولة منذ 2004 لتعزيز اللغة والثقافة الصينية، حيث بلغ عددها 548 مركزاً و1170 فصلاً دراسياً بحلول 2023، مستقطبةً أكثر من 20 مليون طالب، مما يعكس نجاحها في تعزيز القوة الناعمة الصينية.

- تواجه معاهد كونفوشيوس انتقادات من الولايات المتحدة وأوروبا بأنها أدوات لنشر الأيديولوجيا الشيوعية، مما أدى إلى إغلاق بعض المعاهد في الجامعات الأمريكية وحملات ضدها في أوروبا، مما يعكس الصراع الأيديولوجي بين الصين والغرب.

- تراهن الصين على الأجيال الشابة المتعلمة في معاهد كونفوشيوس لتعزيز العلاقات الدولية المستقبلية، مما يعكس استراتيجية بناء علاقات طويلة الأمد رغم التحديات السياسية.

حرب ثقافية وسياسية تخوضها واشنطن ضد أبرز أدوات القوة الناعمة الصينية، المتجسّدة في شبكة معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة بعدما انتشرت في 162 دولة على رأسها الولايات المتحدة ومناطق نفوذها الأساسية في أوروبا وأفريقيا وآسيا.

- قبل التحاقها بأحد فروع معهد كونفوشيوس في بلادها، لم تتعدّ الصورة الذهنية المستقرة عن الصين لدى الطالبة المكسيكية كارولين مينغ، حدود مشهد إعلامي غربي نمطي: دولة غامضة مغلقة ومحكومة بالحديد والنار، في مقابل انطباع سطحي سائد لدى الطرف الآخر يختزل شعباً كاملاً في قالب فلكلوري من القبعات العريضة والرقص على إيقاعات الموسيقى الصاخبة.

"بلا شك إنها فجوة معرفية واسعة"، ولرأبها قرّرت الشابة اللاتينية ذات الخامسة والعشرين عاماً، الانتقال إلى جامعة شينزن جنوب الصين، أملاً في دراسة الثقافة المحلية ومن ثم العودة إلى بلادها وافتتاح مركز تعليم للصينية مع تزايد الإقبال على تعلّم لغة الماندرين في المكسيك التي تعمل فيها سبعة أفرع رسمية للمؤسسة التعليمية المعنية بنشر الثقافة الصينية وتعزيز صورة بكين ونفوذها الدولي، ولذا؛ أضحت في بؤرة الصراع الأميركي معها، كما يرصد أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة شينزن، لي شانغ.

شبكة كونفوشيوس

وراء انتشار شبكة معاهد كونفوشيوس غير الربحية عالمياً، تقف مؤسسة الصين الدولية للتعليم (CIEF)، التابعة لمركز تعليم اللغات والتعاون في وزارة التعليم. وأسس الفرع الأول في العاصمة الكورية الجنوبية عام 2004. ومن ثم بحلول عام 2023، صار لدى الصين 548 مركزاً بالإضافة إلى 1170 فصلاً دراسياً في 162 دولة ومنطقة حول العالم، بحسب معلومات معهد البحوث الثقافية الصيني (خاص مقره في هونغ كونغ).

ويتضح الإقبال الكبير على سلسلة المعاهد المتخصّصة عبر إحصاء صادر في سبتمبر/أيلول 2024 عن المؤسسة الأم في بكين، كشف عن بلوغ العدد التراكمي للمنتسبين على مدى السنوات العشرين الماضية، أكثر من 20 مليون طالب. بيد أنه في مرحلة مبكرة للمشروع توسع غربياً كما يوضح البروفيسور شانغ، لافتاً إلى أنه في عام 2005، افتتح أول معهد بأوروبا في جامعة ستوكهولم بالسويد، وتابع: "فكرة تأسيس المعهد بدأت مع إطلاق مجلس الدولة الصيني ما يعرف بـ المجموعة الوطنية الرائدة لتدريس اللغة الصينية للأجانب في نهاية ثمانينيّات القرن الماضي، تزامناً مع انفتاح الصين على العالم ضمن سياسات الإصلاح التي أطلقها الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ.

ومن وقتها إلى اليوم تشير أحدث البيانات الصادرة عن وزارة التعليم الصينية في سبتمبر 2024، إلى أن 85 دولة أدرجت الصينية في أنظمتها التعليمية الوطنية، وتجاوز العدد التراكمي لمتعلمي اللغة الصينية ومستخدميها الدوليين 200 مليون نسمة، ما يدل على التوسّع المستمر لتأثير معاهد كونفوشيوس ضمن منظومة بكين للقوة الناعمة.

رهان على المستقبل

يتعلم أكثر من 2.8 مليون طالب اللغة الصينية في الولايات المتحدة، وفي المملكة المتحدة، تقدم أكثر من 5200 مدرسة ابتدائية وثانوية دروساً في اللغة الصينية لـ 200 ألف طالب. أما في فرنسا، فيزداد سنوياً عدد طلاب المدارس الابتدائية والثانوية ممن يتعلمون اللغة الصينية بنسبة 40%، وفي ألمانيا، تضاعف العدد عشر مرات خلال خمس سنوات.

كما شهدت معاهد كونفوشيوس نمواً سريعاً في أفريقيا، إذ يوجد حالياً 67 معهداً و46 فصلاً دراسياً تنتشر في معظم دول القارة، بعد افتتاح الفرع الأول في عام 2005، بكينيا، وتلك مرحلة لحقتها شراكات مع الجامعات المحلية لتقديم برامج اللغة الصينية والتدريب المهني مثلما يوجد في الإمارات والسعودية ومصر والأردن وسلطنة عُمان وتونس.

وعليه يقول لي شانغ، إنّ بكين تراهن على الأجيال الشابة، فهؤلاء سوف يتبوؤون مناصب قيادية ويصلون إلى مراكز سلطة صنع القرار، وبالتالي سيكون لديهم نفوذ وقدرة على تسيير العلاقات الدولية لبلادهم مع بكين، حتى تقوم على أساس من المصالح المشتركة ولا تخضع للإملاءات الغربية.

ذعر أميركي

مع الانتشار الواسع لمعاهد كونفوشيوس في الولايات المتحدة، تصاعدت انتقادات العديد من الوكالات الحكومية، بما فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارتَي الخارجية والتعليم، بالإضافة إلى منظمات غير حكومية، مثل رابطة أساتذة الجامعات الأميركية، كما يشير تقرير بعنوان "بعد معاهد كونفوشيوس: التأثير الصيني الدائم على التعليم العالي في الولايات المتحدة" المنشور في يونيو/حزيران 2022 وأصدرته الرابطة الوطنية للعلماء (غير ربحية ومقرها نيويورك)، ضمن جهود منسقة لمواجهة التمدد الصيني في أميركا ما أسفر عن قطع 28 مؤسسة تعليمية أميركية علاقاتها بمعاهد كونفوشيوس، كما تقوم 12 مؤسسة باستبدالها من خلال توقيع بروتوكولات تعاون جامعية.

ويقول التقرير أنه ما بين 2018 و2022، أُغلقت معاهد كونفوشيوس على نطاق واسع في الولايات المتحدة، استجابة لطلب مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الخارجية والكونغرس والعديد من المؤسسات الحكومية بذريعة منع تسلل أيديولوجية الحزب الشيوعي ولأسباب تتعلق بالأمن القومي، وبناء على ذلك علّقت العديد من الجامعات تعاونها مع المؤسّسة الصينية، فمن بين 118 معهداً كانت موجودة في الولايات المتحدة، أُغلق 104 معاهد، ويواجه الباقي المصير نفسه.

28 مؤسّسة تعليمية أميركية قطعت علاقاتها بمعاهد كونفوشيوس

ومن بين ضحايا التوجه الأميركي؛ الأكاديمي الصيني في جامعة بكين، جانغ جاو، الذي عمل مدرساً في معهد كونفوشيوس بجامعة شمال فلوريدا بالولايات المتحدة، قبل أن يضطر لترك وظيفته بعد إنهاء التعاقد، قائلاً: "في ولايته الأولى تحديداً في عام 2018، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي نصّ على أن تقوم وزارة الدفاع بوقف تمويل البرامج الصينية في الجامعات الأميركية التي تضم معاهد كونفوشيوس.

وتسبب ذلك في إنهاء جامعة شمال فلوريدا تعاقدها مع المعهد، بحجة أنه سهّل وصول الطلاب الصينيين إلى البحوث الأكاديمية الأساسية في الولايات المتحدة".

ويضيف: "الكثير من المعلمين وقعوا كبش فداء في ما يُعرف بـ"الحرب الأيديولوجية" بين بكين وواشنطن، بينما كان كل ما يريده هؤلاء تعليم اللغة الصينية للطلاب الأجانب دون تسييس للعملية".

الصورة
ضغوط أميركية على دول أوروبية وآسيوية وأفريقية لإغلاق معاهد"كونفوشيوس"
ضغوط أميركية على دول أوروبية وآسيوية وأفريقية لإغلاق معاهد"كونفوشيوس" (Getty)

مطاردة عالمية

على الرغم من أن الجامعات الأوروبية تتمتع بهامش من الاستقلالية مقارنة بنظيراتها الأميركية، إلّا أن صعود اليمين المتطرف المتحالف مع واشنطن أدى إلى حملة منسقة تستهدف المعاهد الصينية وتتهمها أنها تُستخدم أداةً لنشر الأيديولوجيا الشيوعية ووسيلة للتأثير السياسي على الحكومات الغربية، كما يقول ليو مينغ، أستاذ العلاقات الدولية في معهد وان تشاي للأبحاث والدراسات في هونغ كونغ، (خاص)، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أعلنت جامعات أوروبية عدّة خلال السنوات الأخيرة، من بينها جامعة ستوكهولم وبعض الجامعات في فرنسا، إغلاق معاهد كونفوشيوس بذريعة أن عملها قد يتعارض مع الحرية الأكاديمية واستقلالية البحث العلمي. بينما اكتفت جامعات أخرى برفع متطلبات الشفافية للمعاهد وعزّزت الرقابة المفروضة عليها كثيراً.

هنا؛ أضاف دا مينغ، الباحث في مركز يون لين للأبحاث والدراسات (خاص في تايون): "منذ عقد تمارس السلطات الأميركية ضغوطاً كبيرة على اليابان والهند وبعض الدول الأوروبية، لمقاطعة معاهد كونفوشيوس، وتصمها بأنها أداة دعائية خارجية رئيسية للصين، تعمل على استقطاب الشباب والتأثير على الرأي العام وتوجيهه وفق ما يخدم المصالح الصينية في الخارج"، ناهيك عن اتهامها بتدريس أيديولوجيات مؤيدة للأنظمة الشمولية، وشوفينية قومية الهان (أكبر مجموعة إثنية في العالم) أو العرق الصيني الأصفر، كما تسوق للاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

لكن الأكاديمي جانغ جاو، ينفي كل ما سبق من واقع تجربته السابقة قائلاً: "إلى جانب تعليم اللغة الصينية، تحرص المعاهد على نقل تعاليم الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، التي تحثّ على الخير وتدعو إلى الفضيلة، كما تبرز كيف تغلغلت هذه التعاليم في الثقافة الصينية السلمية"، وجميع الجامعات الأجنبية بموجب التعاقدات تطلع على المواد التي تدرس للطلاب مسبقاً، حتى تحظى بقبول من الهيئات التدريسية، ثم أضاف مردفاً: "عندما يتدخل الساسة يخلقون أزمات ويسوقون أوهاماً لا أساس لها في الواقع".

أداة القوة الناعمة

نجحت معاهد كونفوشيوس، في بناء شبكة أكاديمية عالمية لنشر اللغة والثقافة الصينية، بما يجعلها أداة مهمة في بناء القوة الناعمة الصينية، حسب تقييم دا مينغ، الذي يقول إنّ بكين اعتمدت عبر هذا النهج على عاملَين: الاستيعاب الثقافي، أي يمكن ردم الهوة بين الشعب الصيني وشعوب الدول الأخرى، من خلال تدريس اللغة ونشر الثقافة، وتعزيز إلمام هذه الشعوب بالثقافة الصينية. والعامل الثاني بناء الألفة وهي مرحلة تأتي ثمرة لجهود التدريس في الخارج، وهدفها تحويل الصين من كيان سياسي قد يكون معادياً، إلى تجربة ثقافية غنية، يسهل فهمها واستيعابها، وبالتالي إنشاء أساس اجتماعي مؤيد للصين في حيّز جغرافي قد يبدو بعيداً وصعب المنال، ويضيف: بهذه الطريقة تعمل معاهد كونفوشيوس أداةً منظمةً للتأثير على الآخرين بوسائل ناعمة وقانونية.

وتُمول معاهد كونفوشيوس من منح المؤسسات الصينية، وأموال تُجمع ذاتيًا من المؤسسات الأجنبية الشريكة، وعادة ما تتحمل الجامعات الشريكة في الخارج تكاليف التشغيل الأساسية مثل رسوم المكان ورواتب الموظفين الإداريين، وفق لي شانغ.

لكن مسألة تمويل الصين لهذه المعاهد أدت إلى تصويب ساسة غربيين على المؤسسة، من أبرزهم وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، الذي يصفها بأداة دعائية للحزب الشيوعي، بالرغم من إنشائها عبر بروتوكولات تعاون رسمية، بحسب لي شانغ، الذي يقول: "من يتهمون بكين بالانخراط في عملية دعاية وتأثير سياسي، حاولوا فرض أجنداتهم على مناهج التدريس والعمليات اليومية لمعاهد كونفوشيوس، ولا سيما فيما يتعلق بالشؤون الداخلية للصين".

"في الوقت الذي تُلفق فيه التهم لمعاهد كونفوشيوس لا أحد يأتي على ذكر مؤسسات مماثلة، مثل معهد غوته الألماني والمجلس الثقافي البريطاني ومؤسسة اليابان والمركز الثقافي الأميركي، المنتشرة في جميع أنحاء العالم"، كما يرى الأكاديمي في جامعة بكين، جانغ جاو، قائلا: "هذه ازدواجية في المعايير تصم كل ما هو صيني".