حرب الأرقام... تستر روسي وأوكراني على خسائر الجيشين

12 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 13:12 (توقيت القدس)
تقديرات لخسائر القوات الروسية بمقدار ضعف نظيرتها الأوكرانية (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- المدون الروسي يوري بودولياكا قدم تقديرات غير مسبوقة لأعداد القتلى في صفوف الجيش الروسي، حيث قدر الخسائر بين 315 و415 ألف قتيل، متجاوزًا تقديرات وسائل الإعلام المعارضة.

- الرئيس الأوكراني زيلينسكي أعلن عن مقتل 55 ألف جندي أوكراني، بينما يشير الباحثون الأوكرانيون إلى أن الخسائر الفعلية تتراوح بين 110 و150 ألفًا، مما يعكس التباين الإعلامي بين الطرفين.

- "اقتصاد الموت" في روسيا يظهر تأثير الحرب على الاقتصاد، حيث تحولت أجور العسكريين إلى محفز اقتصادي، وزادت الأجور في القطاع المدني نتيجة للطلب المتزايد على العمالة.

توازياً مع ميدان معركة الجيشين الروسي والأوكراني، يدور صراع حول سردية أعداد القتلى وحقيقة الخسائر التي مُني بها الطرفان، خاصة بعد تطور النزاع إلى حرب المسيرات وتداعياتها على أرقام الجرحى في مقابل الصرعى.

- في كسر للتابوهات، أجرى المدون الحربي الروسي الأكثر شهرة على تطبيق "تليغرام" يوري بودولياكا (2.8 مليون متابع)، تقديرا لعدد القتلى في صفوف جيش بلاده منذ بدء الحرب على أوكرانيا في عام 2022، مستندا في منهجيته إلى المعطيات الرسمية واحتساب الفروق بين أعداد الأفراد وقت بدء الحرب وأعداد المتعاقدين مع الجيش في السنوات الأخيرة مقارنة مع بيانات الموجودين على الجبهة حاليا، ما شكل سابقة بعد أن كان تداول مثل هذه التقديرات يقتصر على وسائل الإعلام الأجنبية وأخرى روسية معارضة تبث من الخارج.

تفصيليا قدر بودولياكا عدد المشاركين في العملية العسكرية الروسية معتمدا على الأرقام المعلنة رسميا بما بين 2.027 و2.047 مليون فرد، بمن فيهم الأفراد المتعاقدون ومن تمت تعبئتهم في خريف عام 2022، والمتطوعون والسجناء والمقاتلون الأجانب وأفراد شركة فاغنر العسكرية الخاصة سابقا. كما حصر الخسائر في صفوف القوات الروسية بـ820 ألف فرد قتلى وجرحى ومفقودين، وافترض في مقطع مصور نشره بتاريخ التاسع من يناير/ كانون الثاني 2026، أن ما بين 30% و42% منهم قتلى، مرجعا ذلك إلى أن نسبة الخسائر في عامي 2022 و2023 كانت تبلغ ما بين خمسة وستة جرحى في موازاة كل قتيل، ولكن نسبة القتلى ازدادت بعد تحول النزاع إلى حرب المسيرات إلى حد أن عدد الجرحى بات يقابله العدد نفسه من القتلى في بعض الأحيان، وفق تقديره. وخلص إلى أن عدد القتلى في صفوف القوات الروسية شاملة وحدات "جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين" اللتين ضمتهما موسكو في عام 2022، قد يراوح بين 315 و415 ألف قتيل، مشيرا إلى أن التفاوت الكبير في الحدين الأدنى والأقصى للضحايا يعود إلى صعوبة إجراء تقييم دقيق لحصتي القتلى والجرحى من بين إجمالي الخسائر.

على غير المتوقع، فاقت تقديرات بودولياكا حتى أرقام وسائل الإعلام المعارضة التي تستند في منهجيتها إلى إحصاء منشورات نعي العسكريين الروس عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتعتمد على تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)، ومن بينها رصد يقوم بتحديثه موقع ميديازونا الحقوقي المعارض بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، ويقدر عدد القتلى بنحو 203 قتلى تم التحقق من أسمائهم بحلول مارس/ آذار 2026. بينما تعتمد دراسات أخرى رصدها معد التحقيق على مؤشرات إحصائية ذات دلالة مثل تزايد الوفيات المبكرة بين الذكور والزيادة في عدد قضايا تقاسم التركة أمام المحاكم. ومن بينها واحدة لموقع ميديازونا وصحيفة ميدوزا المعارضة المسجلة في الخارج.

وقدّرت الدراسة عدد القتلى في صفوف القوات الروسية في أوكرانيا بنحو 220 ألفا حتى أغسطس/ آب 2025، عبر مؤشرات تستند إلى بيانات الزيادة في قضايا الإرث والتركة للموتى بين الذكور بين الـ18 والـ55 عاما من العمر.

 

تحت طائلة المسؤولية

لم تلاق تقديرات بودولياكا تأكيدا أو نفيا روسيا رسميا، ولكن تداول الموضوع من قبل مدون داعم للحرب في أوكرانيا دفع إلى الواجهة واحدة من القضايا الأكثر حساسية أثناء الحرب، إذ لم تكشف وزارة الدفاع الروسية منذ سبتمبر/ أيلول 2022 بشكل رسمي عن عدد الضحايا في صفوف القوات الروسية في أوكرانيا، حين تم الإعلان عن مقتل حوالي ستة آلاف فرد من دون صدور أي بيانات رسمية أخرى منذ ذلك الحين.

على المقلب الآخر، لا يتردد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الكشف في كل ذكرى سنوية لبدء الحرب عن تقديراته لأعداد القتلى في صفوف الجيش الأوكراني، وكان آخرها في فبراير/ شباط الماضي، حين أقر بمقتل 55 ألفا من أفراد الجيش الأوكراني، وهو رقم شكك في مصداقيته خبراء روس تواصل معهم معد التحقيق، وكان لافتا أنهم أحجموا عن التعليق على أعداد القتلى في صفوف الجيش الروسي بحجة الالتزام بالقوانين التي تحظر تداول "أخبار كاذبة" حول الجيش تحت طائلة المسؤولية الجنائية.

تعتمد وسائل الإعلام المعارضة على إحصاء منشورات نعي العسكريين الروس 

وفي موقف متقدم، يشكك الباحث الأوكراني في التاريخ المعاصر، أستاذ التاريخ في جامعة "ماريا كوري سكلودوفسكا" في مدينة لوبلين البولندية غيورغي كاسيانوف، في دقة الأرقام المعلنة لأعداد الضحايا في الجيشين الروسي والأوكراني على حد سواء، معتبرا في الوقت نفسه أن خسائر القوات الروسية تفوق الخسائر الأوكرانية بمقدار الضعف، مرجعا ذلك إلى أن الطرف المهاجم يتكبد خسائر أكبر من الطرف المدافع، وفقا لما استقرت عليه العلوم والنظريات العسكرية. 

ويقول كاسيانوف لـ"العربي الجديد": "حسب التقديرات التي أراها أكثر واقعية، يبلغ إجمالي الخسائر الروسية، ما بين قتلى وجرحى ومفقودين، نحو 1.2 مليون شخص مقابل ما بين 500 و600 ألف خسائر الطرف الأوكراني، ما يشكل إخلالا بالمعدلات الاعتيادية التي تفوق فيها خسائر الطرف المهاجم خسائر الطرف المدافع بمقدار ثلاثة أضعاف. ويرجع ذلك إلى زيادة الاعتماد الروسي على التكنولوجيا الحديثة التي تزيد عدد الضحايا في صفوف قوات الدفاع الأوكراني".

ويقلل من دقة أعداد القتلى التي يعلنها زيلينسكي، مضيفا: "أثناء أي حرب، يسعى كل طرف لتقليل خسائره وتضخيم خسائر الطرف الآخر، وهذا ليس بظاهرة جديدة. إلا أن الرقم 55 ألف قتيل في ظرف أربع سنوات يعني ألف قتيل ونيف شهريا، وهذا لا يبدو واقعيا نظرا لاتساع رقعة أعمال القتال والخسائر الكبيرة أثناء الدفاع عن باخموت والتقدم المضاد المتعثر في عام 2023".

 

استثمار أعداد الضحايا

في كييف، يقر مدير المركز الأوكراني للتحليل وإدارة السياسات رسلان بورتنيك بأن الأرقام المعلنة لا تعكس العدد الحقيقي للقتلى في صفوف الجيش الأوكراني نظرا لعدم احتوائها على أعداد المفقودين، قائلا لـ"العربي الجديد": "يشكل عدد الخسائر مؤشرا يكشف عمّن ينتصر في الحرب، ولذلك يحجم الطرفان الروسي والأوكراني عن الكشف عن أرقام دقيقة في ظروف الحرب الإعلامية وصراع السردية، كما أن المجتمعات المعاصرة تبدي حساسية عالية إزاء الخسائر البشرية، بينما سيكشف نشر الأرقام حجم المأساة وسيقلل من عزيمة المجتمع على تقبل مواصلة الحرب، بل سيعزز مواقع حزب السلام. عندما يبدأ الطرفان بتداول الأرقام، فهذا سيعني أن الحرب تقترب من نهايتها ويتم تهيئة الرأي العام لذلك".

تفاوت كبير في الحدين الأدنى والأقصى للضحايا من الطرفين

وحول رؤيته لعدد القتلى في صفوف الجيشين الروسي والأوكراني، يضيف: "بحسب أرقام ميديازونا، تم التأكد من أكثر من 200 ألف قتيل من الجنود الروس، ولكن العدد الفعلي قد يكون ضعف هذه الأرقام التي لا تشمل القتلى في صفوف المرتزقة الأجانب. أما الخسائر الأوكرانية، فالـ55 ألفا الذين تحدث عنهم زيلينسكي يمكن أن نضيف إليهم 60 ألف مفقود، ما يعني أن الخسائر الفعلية قد تراوح بين 110 آلاف و150 ألفا".

يتفق معه المحلل في مركز الاتصال الاستراتيجي والأمن المعلوماتي التابع لوزارة الثقافة والسياسات الإعلامية الأوكرانية في كييف مكسيم يالي، مشيرا إلى أن التستر على أعداد القتلى يشكل ظاهرة طبيعية أثناء الحروب، قائلا لـ"العربي الجديد": "يسعى كلا الجانبين لتفادي الإعلان عن عدد الضحايا، وهذه حيلة تقليدية أثناء الحروب تساعد في تجنب الاضطرابات الاجتماعية والانتقادات للنظام الحاكم لا سيما في حالة الدول الديمقراطية كما هو حال أوكرانيا، حيث قد تستثمر المعارضة قضية عدد القتلى لزعزعة الأوضاع الداخلية في ظروف الحديث المتواصل حول إمكانية إجراء الانتخابات".

وفي معرض تعليقه على أرقام عدد القتلى في صفوف الجيشين الروسي والأوكراني، يضيف: "هناك منظمات روسية تتخذ من الخارج مقارَّ لها تحصي أعداد القتلى، ولكنها تقديرية وذات سماحية عالية. في الحالة الأوكرانية، يمكن الاسترشاد جزئيا بأعداد المفقودين في ظروف تعذر نقل جثامين القتلى من منطقة النزاع". ويخلص يالي إلى أن عدد القتلى في صفوف الجيش الأوكراني لن يعرف على وجه الدقة إلا بعد انتهاء الحرب.

من جانب آخر، يشكك الخبير في "مكتب التحليل العسكري - السياسي" (مجموعة مستقلة تضم خبراء عسكريين وسياسيين روس)، فاديم ماسليكوف في دقة المزاعم القائلة إن خسائر القوات الروسية تفوق مثيلتها الأوكرانية، قائلا لـ"العربي الجديد": "على مر العصور، لم يكشف أي قائد عسكري أو سياسي عن عدد الضحايا على وجه الدقة انطلاقا من دوافع دعم الروح المعنوية لقواته. إلا أن ما يتحدث عنه زيلينسكي مثير للسخرية، إذ إن أرقاما سربها هاكرز حصلوا على بيانات وزارة الدفاع الأوكرانية بحلول أغسطس/ آب 2025، تشير إلى أن أوكرانيا خسرت نحو 1.7 مليون فرد بين قتيل ومفقود، وهو رقم قريب من تقديرات المحللين العسكريين الروس".

كذلك يشكك الباحث المتخصص في الشؤون الأوكرانية والمتعاون مع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي قسطنطين سكوركين في دقة الأرقام الروسية والأوكرانية التي أوردها المتحدثون أعلاه، قائلا في تعليق لـ"العربي الجديد": "لا يمكن أن نثق في الأرقام الروسية أو الأوكرانية، إذ يسعى كل طرف لتقليل عدد الخسائر في صفوف قواته مقابل تضخيم خسائر الطرف الآخر لدوافع دعائية".

 

"اقتصاد الموت" في روسيا

في تقرير بعنوان "اقتصاد الموت: الأعباء الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للحرب بالنسبة إلى روسيا"، أصدره المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في فبراير 2026، لفت معده، الخبير الاقتصادي المعارض المقيم في الخارج مدير مركز بحوث مجتمع ما بعد الصناعية فلاديسلاف إنوزيمتسيف إلى أن العدد الهائل من الوفيات نتيجة للخيارات الشخصية، أي التعاقد مع الجيش بإرادة المجندين، لم يثر احتجاجات في المجتمع أو قلقاً متزايداً بين الروس، بينما شكلت أجور المقاتلين والتعويضات عن مقتلهم عاملاً محفزاً للاقتصاد الروسي.

وفي تعليقه على فحوى التقرير، يعزو إنوزيمتسيف، الذي يواجه ملاحقة جنائية في روسيا، التقبل الروسي للخسائر الفادحة في صفوف القوات إلى أن ما يجري يختلف عن حرب حقيقية من جهة عدم إعلان تعبئة عامة والاعتماد على من التحقوا بصفوف المقاتلين طوعاً مقابل أجور مغرية حصراً، مع تحميلهم وذويهم المسؤولية عن مثل الخيار من دون إعلان تعبئة إلزامية جديدة.

الصورة
الحرب الروسية الأوكرانية (Getty)
يقلل كل طرف عدد الخسائر في صفوف قواته ويضخمها لدى الطرف الآخر لدوافع دعائية (Getty)

ويوضح لـ"العربي الجديد" أن أجور العسكريين والتعويضات التي تصرف لذوي القتلى تحولت إلى قاطرة للاقتصاد الروسي، مضيفاً: "ينتمي أغلب من يتم تجنيدهم إلى فئات المدانين جنائياً والمهمشين والعاطلين عن العمل والمتعثرين عن سداد أقساط القروض وأصحاب الدخول المنخفضة والعمالة غير المؤهلة، وبالتالي، لا يشكلون عنصراً مهماً للاقتصاد. إلا أن اقتصاد الموت حول هؤلاء إلى أصول مالية ملموسة، حيث يتيح إعادة توجيه موارد مالية كبيرة إلى المناطق الأكثر فقراً والفئات الاجتماعية الأقل دخلاً. أما حوادث مقتلهم، فلا تلحق ضرراً برأس المال البشري للبلاد ككل والذي يتدهور بالدرجة الأولى نتيجة لهجرة العقول وليس بسبب الخسائر العسكرية".

كما يشير إلى أن "اقتصاد الموت" ساهم أيضاً في زيادة الأجور في القطاع المدني من الاقتصاد الروسي قائلاً: "خلقت الحرب طلباً هائلاً على فئات السكان الأقل أجراً وذات المشاركة الأدنى في الحياة الاقتصادية، ما دفع بأرباب العمل إلى المثابرة على منافسة الجيش وقطاع التصنيع الحربي، وترجم إلى ارتفاع مهم في الأجور في قطاعات لا تمت إلى الحرب بصلة.