الهدر الحكومي... كيف فاقم الفساد عجز موازنات الكويت؟

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 14:15 (توقيت القدس)
يتطلب خفض العجز معالجة الهدر وسوء إدارة المال العام (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تقارير ديوان المحاسبة الكويتي تكشف عن هدر كبير للمال العام بسبب مخالفات مالية، مما يؤدي إلى عجز متكرر في الميزانية ويؤثر سلباً على كفاءة الإنفاق وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

- ضعف الرقابة والإجراءات العقابية يساهم في تزايد قضايا الاعتداء على المال العام، حيث يعادل الإنفاق العام في الكويت 50% من ناتجها المحلي الإجمالي، لكن يفتقر إلى الكفاءة، مما يعوق جهود تحسين الإنفاق.

- تسعى الكويت لاسترداد الأموال المنهوبة وتحقيق الاستدامة المالية من خلال تحسين الرقابة وتنويع مصادر الدخل، رغم التحديات المستمرة بسبب ضعف التشريعات والرقابة.

تكشف تقارير ديوان المحاسبة الكويتي عن هدر كبير للمال العام، أدى إلى عجز متكرر في موازنة البلاد، جراء مخالفات اختلاس ونهب أسفرت عن تردّي كفاءة الإنفاق ومن ثم عدم تحقيق نتائج أفضل على مؤشر أهداف التنمية المستدامة.

- لدى فهد الناصر، رئيس الجمعية الكويتية للدفاع عن المال العام (غير حكومية)، همٌّ أساسيّ يُسيطر على تفكيره، إنه استرداد كل ما نُهب نتيجة تجاوزات في مؤسسات الدولة، حتى وإن اقتضى الأمر، من وجهة نظره، التنسيق مع منظمات كالبنك الدولي ومبادرة استعادة الأصول المنهوبة STAR (دولية)، كونها تملك خبرات عالمية في منع الهدر واسترداد الأموال المنهوبة.

و"تزايدت قضايا الاعتداء على المال العام في الكويت، نتيجة سلسلة تجاوزات عابرة للمؤسسات، وضعف الإجراءات الرقابية، وإفلات أغلب المنتهكين من العقاب" يقول الناصر. وهذه التجاوزات مثبتة في التقارير الرقابية لديوان المحاسبة الكويتي التي توثّق اختلالات في أداء الجهات الحكومية تتمثل في الهدر الكبير في الإنفاق نتيجة مخالفات بالجملة تقع بسبب الاختلاس والتصرف غير القانوني في الموارد العامة، إذ رصد الديوان 59 مخالفة مالية في آخر تقرير نشره عن السنة المالية 2022/ 2023، بينما أُحيلت الجهات المتورطة إلى المحاكم التأديبية داخل الديوان (تصدر عقوبات مرتبطة بالمال العام).

 

نزيف يعمّق عجز الميزانية

توزعت المخالفات المحالة إلى محاكم ديوان المحاسبة التأديبية على 9 خروق قامت بها وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة، و15 مخالفة للجهات الملحقَة (كيانات حكومية مستقلة نسبياً ولها مخصصات ضمن الموازنة العامة) ومخالفة واحدة على شركة إدارة المرافق العمومية و16 مخالفة قامت بها الجهات المستقلة، من بينها ست مخالفات للهيئة العامة للصناعة. أما إجمالي عدد المخالفات المحالة لهيئة المحاكمات التأديبية في الوزارات والإدارات الحكومية (تتولى محاكمة الموظفين على المخالفات الوظيفية والإدارية، وعلى رأسها إساءة استخدام السلطة) فبلغ 14 مخالفة، وإجمالي عدد المخالفات المتعلقة بالجهات الملحقة والمستقلة بلغ ستاً.

تسجل الكويت 0.54 درجة على مؤشر كفاءة فاعلية الإنفاق 

المخالفات السابقة ليست مجرد تجاوزات إدارية، بل تعكس خللاً أوسع في منظومة إدارة الإنفاق العام، وكلا الأمرين يؤثر مباشرةً في ميزانية البلاد، وهو ما يؤكده تقرير صادر في يناير/ كانون الثاني 2025 عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) بعنوان: "كفاءة الإنفاق والاستدامة المالية: استراتيجيات لإعادة التوازن لميزانية الكويت"، موضحاً أن أبرز أوجه القصور في الاقتصاد الكويتي يتمثّل في أن الإنفاق العام للدولة يُعادل 50% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو معدّل أعلى بكثير من المتوسط العالمي البالغ 37% عن عام 2023، ومع ذلك، تفتقر إدارة هذا الإنفاق إلى الكفاءة، إذ ترتبط فاعليته بمدى تحقيق نتائج أفضل على مؤشر أهداف التنمية المستدامة، ما يفسّر تسجيل الكويت 0.54 في نتائج المؤشر، وهي نتيجة أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 0.74، وهو ما يرجع إلى الهدر الكبير في الموارد العامة، علماً أن تحسين الكفاءة لتصل إلى هذا المتوسط قد يُحقّق وفراً مالياً يُقدّر بـ 6.8 مليارات دينار (21 مليار دولار).

هذا الهدر، وفق ما تجمع عليه المصادر، يتفاقم في الوقت الذي تعاني فيه الكويت عجزا آخذا في الاتساع بميزانيتها، ومن المتوقع أن يرتفع في موازنة العام المالي المقبل 2026 /2027 إلى 11.9%، ويصل إلى 6.3 مليارات دينار (21 مليار دولار) مقارنة بـ 5.63 مليارات دينار (18.5 مليار دولار) في ميزانية العام المالي الحالي 2025 /2026. ومع استمرار محاولات الحكومة لتخفيض الإنفاق وتوجيه مؤسساتها إلى ترشيد مصروفاتها بحسب إفادة نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة أرزان المالية للتمويل والاستثمار جاسم زينال، إلا أن الهدر نتيجة النهب وسوء الإدارة يبقى عائقاً كبيراً.

ما سبق تؤكده بيانات هيئة مكافحة الفساد "نزاهة" التي يتمثل دورها في التحقق وجمع الاستدلالات المتعلقة بجرائم الفساد، بما يشمل المخالفات المالية الجسيمة وقضايا الكسب غير المشروع، وبحسب تقريرها السنوي 2023/2024، قُيِّد لديها 20 بلاغا خلال الفترة الممتدة من 1 إبريل/ نيسان 2023 إلى 31 مارس/آذار 2024، ثبت في 18 منها توافر شبهة فساد تتصل بجرائم منصوص عليها في قانون الهيئة، مقابل بلاغين انحصرا في مخالفات إدارية أو مالية، وتضمن البلاغ الواحد أكثر من شبهة أو نوع من جرائم الفساد، جاء على رأسها تسهيل الاستيلاء، وتلاها التزوير ثم الهدر في المال العام.

الصورة
تقرير نزاهة
حلّ هدر المال العام ثالثاً على سلّم تصنيفات جرائم الفساد في البلاغات الواردة إلى هيئة "نزاهة" (تقرير الهيئة 2023/2024)

 

كيف يمكن تحقيق الاستدامة المالية؟

على مكتبه داخل الهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة (حكومية)، يقلب مبارك البداح مدير إدارة الشؤون القانونية والمتحدث باسم الهيئة، ملفات تراكمت خلال أربع سنوات، ويرفع أحدها قائلا: "هنا بدأت القصة، عندما اكتشفنا أن مخصصات ذوي الإعاقة تُصرف لأسماء غير مستحقة، بينهم متوفون".

ويقرّ البداح بأن المؤسسة واجهت بين 2020 و2024 اختراقاً ممنهجاً لنظامها الإلكتروني، يقف خلفه موظفون تمكنوا من سرقة أسماء وأرقام سرية تعود لزملائهم ممن لهم صلاحيات الدخول إلى النظام ومن ثم كانت لديهم فرصة إجراء الكثير من العمليات أبرزها تزوير ملفات لأشخاص لا يعانون أي إعاقات بالاعتماد على تقارير طبية مزيفة تزعم أن لديهم نوعاً أو أكثر من الإعاقات الذهنية أو الجسدية، والهدف الأساسي وراء ذلك، صرف المساعدات المالية لأولئك الأشخاص ومنها معاش شهري للمعاقين، يختلف بحسب نوع ودرجة الإعاقة ويترواح بين 185 ديناراً للإعاقة البسيطة و275 ديناراً للإعاقة الشديدة كما يستحق من يستوفي الشروط الحصول على بدل سائق وبدل خادم لمساعدة المعاق في قيادة السيارة والاهتمام به. وبعد تحقيقات داخلية امتدت ثلاث سنوات، استردت الهيئة 511 ألف دينار كويتي (1.7 مليون دولار) صُرفت بلا وجه حق، فيما لا تزال 475 ألف دينار أخرى قيد الاسترداد بعد أحكام نهائية من محكمة التمييز في 60 قضية.

59 مخالفة مالية وثّقها ديوان المحاسبة في تقرير 2022/ 2023 

التجاوزات يؤكدها فعلياً تقرير ديوان المحاسبة الذي رصد مخالفات على أعمال الهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة للسنة المالية 2022 /2023 أبرزها استمرار صرف مخصصات شهرية دون وجه حق لمتوفين بمبالغ 225 ألف دينار (مليون دولار)، إضافة إلى صرف 185 ألف دينار (610 آلاف دولار) كمخصصات شهرية لذوي الاعاقات التعليمية، وتحميل السنة المالية 2022 /2023 مصروفات سنوات سابقة بقيمة 282 ألف دينار (930 ألف دولار). لم يقف الأمر هنا، إذ رصد الديوان جملة مخالفات خلال السنة المالية 2020 /2021، منها صرف مبالغ لحضانات ومدارس وجمعيات نفع عام من دون وجه حق وصرف 18.5 الف دينار (62 الف دولار) لأشخاص من ذوي الإعاقة بعد تاريخ الوفاة.

ورداً على ذلك، أوضح البداح أن الهيئة تبنت نهجاً قانونياً صارماً في التعامل مع هذه الملفات، عبر رفع 400 دعوى قضائية حتى الآن، بهدف استرداد الأموال التي استفاد منها غير المستحقين، في سياق جهود أوسع تسعى إلى تنقية سجل المستفيدين من خدمات الهيئة، وضمان وصول الإعانات والدعم إلى مستحقيه الفعليين، في بلد يصنف من الأعلى إنفاقاً على فئة ذوي الإعاقة على مستوى المنطقة.

من هنا، يعيد الوكيل المساعد لقطاع شؤون الميزانية العامة بوزارة المالية سعد العلاطي استمرار هدر المال العام إلى قصور الرقابة على تلك الجهات وعدم اتباع التعليمات الصادرة في هذا الشأن. ويضع البنك المركزي الكويتي معالجة الهدر وترشيد الإنفاق ضمن الأولويات لخفض العجز المالي، بحسب رده على "العربي الجديد"، وأوضح أن الكويت ستحقق استدامة مالية عند تثبيت الإنفاق الحكومي عند 24.5 مليار دينار (نحو 80 مليا دولار) في ميزانية السنة المالية الجديدة فضلا عن تنويع مصادر الدخل ومضاعفة الإيرادات غير النفطية لتصل إلى 4 مليارات دينار (13 مليار دولار) في العام المالي 2027/2028.

 

ضعف كفاءة الإنفاق

خصصت الكويت 12% من ميزانيتها للتعليم، متجاوزة المتوسط العالمي، إلا أن جودة التعليم فيها لا تزال دون المستوى الأمثل، وهذا يعزى إلى أن الإنفاق لا يسهم بشكل أساسي في تحسين المناهج والبحث، بل يذهب لتغطية الرواتب والمرافق، ونواح أخرى تنطوي على هدر كبير بحسب تقرير الإسكوا السابق. ولا يقتصر ضعف كفاءة الإنفاق التعليمي على المؤشرات العامة، بل يتجلى أيضاً في وقائع ميدانية رصدها ديوان المحاسبة، إذ وصلت قيمة الهدر في وزارة التربية إلى 4.2 ملايين دينار (13.5 مليون دولار) خلال السنة المالية 2023 /2024 تحت غطاء عقود صيانة وهمية لمدارس.

وهو مسلسل مستمر منذ السنة المالية 2021 /2022، وفقاً لتأكيد تقرير الديوان في ذلك العام، لافتاً إلى أنه وضع يده على مجموعة من المخالفات داخل الوزارة منها صرف مبالغ مالية لموظفين بغير وجه حق وضعف في الرقابة الداخلية ووجود تفاوت بين المقدر تحصيله من الإيرادات والمحصل الفعلي في العديد من البنود والأنواع إضافة إلى استمرار بعض القياديين بمباشرة أعمالهم بعد انتهاء مدة مراسيم تعيينهم وعدم التجديد لهم.

كما أفصح ديوان المحاسبة عن مخالفات ومآخذ شابت أعمال وزارة التربية خلال العام السنة المالية 2019 /2020، منها تجزئة الكثير من العقود ذات طبيعة متشابهة وعدم طرحها في مناقصات عامة بقصد النأي والهروب من موافقات الجهات الرقابية بقيمة إجمالية 2.3 مليون دينار(7.5 ملايين دولار)، وكذلك قيام وزارة التربية بتمديد التعاقد لبعض عقود الخدمات (النقليات والتغذية) بإجمالي 19.8 مليون دينار (65 مليون دولار) من دون طرحها في مناقصات عامة للحصول على أفضل الأسعار والمواصفات بالمخالفة للقوانين، الأمر الذي يُعد إهدارا للمال العام وعدم التزام الوزارة بترشيد الإنفاق المطلوب.

لهذا ضرب المتحدث الرسمي لوزارة التربية أحمد الوهيدة مثالا لـ"العربي الجديد" على عقد وهمي يتعلق بصيانة أنظمة التكييف في مجموعة من المدارس في منطقة حولي التعليمية، حيث كان من المقرر أن تقوم شركة بتبديل مجموعة من الأجهزة قبل انطلاق العام الدراسي وصيانة باقي الأجهزة، بموجب العقد 45/ب/731 لسنة 2024 الذي اطلع عليه "العربي الجديد"، بقيمة 3 ملايين دينار (9 ملايين دولار)،إلا أنها بدلت الأجزاء المتضررة في عدد من الأجهزة ومن ثم غطت بقية النفقات بفواتير غير صحيحة.

الصورة
الكويت (Getty)
ضعف إجراءات الرقابة أسهم في تنامي قضايا الاعتداء على المال العام (Getty)

هدر بلا محاسبة

يعتبر النائب الأسبق محمد الدلال أن أداء العديد من الجهات الحكومية في الكويت، ولا سيما الوزارات، بات لغزاً محيراً، مرجعاً ذلك إلى مثالب متجذرة في الأداء الوظيفي لتلك الجهات. ويؤكد، في هذا السياق، أن حجم الهدر المالي يفوق بكثير ما يُتداول عنه، مستدلاً بقرار وزير التربية سيد جلال الطبطبائي الصادر في فبراير/شباط 2025، بتشكيل لجنة تقصي حقائق لتتبع أسباب عدم تنفيذ نحو 100 ألف قرار إداري ذي أثر مالي، ظلت تتراكم لسنوات، وأسفرت أعمال اللجنة عن كشف مديونيات تُقدر بنحو 12 مليون دينار (37 مليون دولار) على موظفين حاليين وسابقين في وزارة التربية، لم تُحصّل لخزينة الدولة، في واحدة من حلقات الهدر المالي التي تتكشف تباعاً داخل الجهاز الحكومي.

ولا تبدو هذه الوقائع استثناء معزولاً، إذ تكشف تقارير ديوان المحاسبة عن أنماط مماثلة من سوء الإدارة وضعف الرقابة في وزارات أخرى، وأشار تقرير الديوان للسنة المالية 2022/2023 إلى صرف مساعدات اجتماعية تجاوزت قيمتها 4 ملايين دينار (13 مليون دولار)، استفاد منها 118 شخصاً غير مستحقين بالمخالفة للقانون. كما تكررت المخالفات في السنة المالية 2021/2022، حين أحالت الوزارة 200 بلاغ إلى النيابة العامة بحق مسؤولين، للتحقيق في وقائع تتعلق بمخالفات شملت 7169 ملفاً لتقديم مساعدات مالية لأشخاص دون وجه حق، بقيمة إجمالية تجاوزت 5 ملايين دينار (16.5 مليون دولار).

وفي تفسيره لتنامي قضايا الاعتداء على المال العام خلال السنوات الأخيرة، يعزو الناصر هذا التصاعد إلى ضعف إجراءات بعض الجهات الرقابية، وإفلات غالبية منتهكي المال العام من العقاب، في ظل تشريعات يصفها بالضعيفة، و"وجود جهات رقابية شكلية فقط"، وفق تعبيره.