الدور على مادورو؟

27 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 21:18 (توقيت القدس)
لما يقرب من نصف قرن اعتمدت واشنطن اغتيال القادة الأجانب أداة سياسية (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا مع دعم واشنطن لزعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو ووصم نظام مادورو كأحد أكبر تجار المخدرات، بالإضافة إلى تظاهرة عسكرية أمريكية في البحر الكاريبي.
- تاريخ الاغتيالات السياسية الأمريكية في أمريكا الجنوبية يعكس محاولات الولايات المتحدة لاحتواء النفوذ الشيوعي، حيث استهدفت قادة مثل فيدل كاسترو والجنرال رينيه شنايدر.
- إدارة ترامب تسعى لتعزيز وجودها في نقاط استراتيجية وطرد الصين وروسيا من أمريكا الجنوبية، مع التركيز على السيطرة على الممرات البحرية مثل قناة بنما.

عسى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قد أدرك مقاصد مقاربة الفيلسوف الإسباني/الأميركي جورج سنتيانا الواردة في كتابه "حياة العقل"، ومفادها أن "هؤلاء الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليه بتكراره"، لا سيما أن الإدارة الأميركية تجاهر باستهداف رأسه، وإلا ما تصاعدت تحركاتها وخطواتها المنسقة، ابتداء من تجهيز بديل له على مقاس واشنطن المحتضنة زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، توازيا مع نزع الشرعية عن النظام ووصفه بـ"أحد أكبر تجار المخدرات في العالم"، ومضاعفة المكافأة المرصودة في مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال زعيمه، حتى بلغت قيمتها 50 مليون دولار، وفي الإبان أطلقت تظاهرة عسكرية في البحر الكاريبي قوامها أكبر حاملة طائرات في العالم "يو إس إس جيرالد فورد" وثماني سفن حربية وغواصة نووية وطائرات مقاتلة، في مشهد يذكر بأحداث سابقة جرت نهاية عام 1989 وأسفرت عن غزو بنما الموصوف بـ"عملية القضية العادلة"، وكل قضايا القطب الأوحد لا بد أن تكون "عادلة"!، طالما استندت إلى القوة العارية وكان الخصم بلا حول ولا قوة، حتى بلغ الأمر حدا جعل الرئيس دونالد ترامب يؤكد علانية ودون مواربة أنه "سمح لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بتنفيذ عمليات سرية داخل فنزويلا بشكل منفرد أو جزءا من أي نشاط عسكري أميركي أوسع"، على الرغم من صدور أمر تنفيذي قبل خمسين عاما يحظر عليها الانخراط في مثل تلك الأنشطة، بما لها من "أثر مروع ومدمر على المجتمع الدولي"، والوصف ليس من عنديات الكاتب إنما لجاك مارش أحد كبار مساعدي البيت الأبيض في إدارة الرئيس جيرالد فورد (بقي في المنصب من 1974 وإلى 1977)، فما الذي جرى وقتها؟ ولماذا قد يتكرر؟

لما يقرب من نصف قرن اعتمدت واشنطن رسميا اغتيال القادة الأجانب أداة سياسية، وهو ما يفسر غضب قادة دول أميركا الجنوبية اليوم من أمر ترامب التنفيذي الجديد/القديم، إذ تنوء ذاكرتهم الجمعية بأحمال هيمنة كولونيالية استهدفت أسلافهم بالنصيب الأكبر من مؤامرات سياسية سرية قوضت أنظمة الحكم في بلدانهم بذريعة احتواء الشيوعية وطردها من نصف الكرة الغربي، وهي عبارة استعيد مفهومها مجددا وإن كان بشكل يلائم الأوضاع الجيوسياسية المستجدة عالميا وفي سياق هوس بالحملة المتصاعدة على فنزويلا من أجل "طرد روسيا والصين وإيران من نصف الكرة الغربي"، وهكذا أطلق العنان مرة ثانية لـ"وحوش لانغلي" بعدما قيد فورد عملهم في 18 فبراير/شباط 1976 مُصدرا الأمر التنفيذي رقم 11905، الذي نصّ على أنه: "لا يجوز لأي موظف في حكومة الولايات المتحدة الانخراط في اغتيال سياسي، أو التآمر عليه"، وتلته أوامر تنفيذية مماثلة تحظر هذه الممارسة أصدرها الرؤساء المتعاقبون، في أعقاب ما كشفته في عام 1975 لجنة خاصة مشكلة من أعضاء مجلس الشيوخ، برئاسة السيناتور فرانك تشرش عن ولاية أيداهو، الذي توصل وزملاؤه إلى أدلة على استهداف المخابرات الأميركية قادة أجانب محددين صنفوا أهدافا للاغتيال وفق ما جاء في وثائق أرشيف الأمن القومي الأميركي.

في طليعة هؤلاء، كان الزعيم الكوبي فيدل كاسترو بذريعة وجود قاعدة سوفيتية في بلاده على مقربة من حدود أميركا، ويبدو أنه كان يتمتع بحظ لا ينفد لتفشل كل محاولات اغتياله بالتعاون مع المافيا وأخرى جرت باستخدام سيجار سام، وأصداف بحرية متفجرة، وإبر حقن تحت الجلد مُموّهة على شكل أقلام حبر جاف وبدلات غوص ملوثة، بالمقابل نجحت مساع أخرى استهدفت هذه المرة الجنرال التشيلي رينيه شنايدر، بعد ما تجرأ وعارض انقلابا عسكريا لمنع تنصيب الرئيس الماركسي سلفادور أليندي، الذي رأت واشنطن في وصوله إلى الحكم استنساخ لأحداث كاسترو وكوبا، ما دعاها إلى دعم مؤامرة أدت إلى قتل قائد الجيش المعروف بإيمانه الراسخ بالدور غير السياسي للقوات المسلحة والدفاع عن الدستور، فتعرض لمحاولة اختطاف فاشلة في عام 1970 وأصيب بطلق ناري تسبب في وفاته بعد ثلاثة أيام، وضمن السياسة نفسها، نجح اغتيال رافائيل تروخيو، زعيم جمهورية الدومينيكان، في عام 1961، بعدما قدم المزيد من الفرص للروس وحلفائهم مستعينا بهم على ترسيخ سلطته في سياق عالم الحرب الباردة، ومن أجل هذا الهدف، جرى أيضا تحييد باتريس لومومبا، رئيس وزراء الكونغو، في العام نفسه، بعد تقديرات بأن موقع بلاده يمنحها أهمية استراتيجية في مركز القارة الأفريقية، وارتفاع احتمالية التغلغل الشيوعي فيها، وهو ما نظرت إليه أميركا باعتباره تهديدا لمصالحها في أفريقيا الناشئة، لكن وإن كان كل هؤلاء يصنفون خصوما، إلا أن حليفا لواشنطن دفع هو الآخر ثمن تلك السياسة، فقد وافقت الإدارة الأميركية على انقلاب أزاح رئيس فيتنام الجنوبية نغو دينه ديم وجرت تصفيته في عام 1963، وكان الوسيط السري بين الجنرالات وواشنطن لوسيان كوني، ضابط الـCIA في سايغون الذي بارك تحركاتهم حتى لا تخرج البلاد عن الهيمنة الأميركية بعد تصاعد الاستياء من نظام ديم.

الصورة
اغتيل رئيس فيتنام الجنوبية، نغو دينه ديم، في 2 نوفمبر 1963
اغتيل رئيس فيتنام الجنوبية، نغو دينه ديم، في نوفمبر 1963 (Getty)

وإن منكم إلا واردها، هكذا تقول أحداث الماضي القريب، ولطالما صدقه الحاضر الآني، ما دامت موازين القوى على حالها، ذاك أن "إدارة ترامب مستعدة للعودة إلى أيام مؤامرات الاغتيال والإعدامات خارج نطاق القضاء التي مارستها وكالة المخابرات المركزية"، يقول بيتر كورنبلوه، كبير المحللين في أرشيف الأمن القومي، ليس هذا فقط بله الغزو العسكري المباشر ضمن عملية جارية لإعادة تشكيل المسرح الجيوسياسي العالمي بتعزيز وجود واشنطن في نقاط استراتيجية رئيسية، ويأتي طرد الصين وروسيا من فنائها الخلفي بأميركا الجنوبية في صميم الرؤية هذه، وتعزز ما سبق إعادة هندسة التحالفات وبناء شبكة أمنية نشطة تمنح أدوارا فعالة للحلفاء ضمن مساحات نفوذ محسوبة أميركيا، وعلى هذا الأساس، دفعتهم إلى تطوير قدرات دفاعية وأمنية، على ألا تمنحهم استقلالا تاما عن هيمنتها وإنما تهيئهم لأدوار ترسمها لهم ضمن منظومة شاملة، أبرز أولوياتها إعادة صياغة موازين القوى والسيطرة على المضايق والممرات البحرية والتجارية الحيوية، كقناة بنما التي أعلنت إدارتها أن مجموعات صينية أبدت اهتماماً باستدراج عروض لبناء مرفأين جديدين، دونما اكتراث للتهديدات الأميركية باستعادة السيطرة عليها.

بهذا المعنى، فإن الإمبراطورية تدشن مرحلة من الدفاع عن نفوذها، وما مادورو وبلده وكل من يصبه الدور في أعقابهما، إلا بيادق على رقعة شطرنج تتصارع عليها واشنطن وبكين انتظارا لحركة قاتلة تتيح لأحدهما الهيمنة الكاملة على الآخر.