التنكيل بالعائدين... كيف تعمل منظومة الترغيب والترهيب الإسرائيلية؟
- الضغوط والمساومات: يواجه العائدون ضغوطًا للتخابر لصالح الاحتلال، مع مساومات على الحماية وتقديم مساعدات، وفي حال الرفض، يتعرضون للاحتجاز في ظروف قاسية واستغلالهم لنشر الشائعات.
- دور الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي: رغم وجود بعثة الاتحاد الأوروبي على معبر رفح، إلا أنها تتجاهل الانتهاكات، مع قلق الفيدرالية الدولية للحقوق والتنمية من استجواب العائدين.
لدى الاحتلال منظومة ترهيب وترغيب تستهدف العائدين إلى القطاع تنكيلاً بهم، إذ تبدأ من الإغراء بالعمالة والمساومة على الحماية من القصف وبمجرد الرفض تنقلب إلى تعذيب يقع من دون اعتبار لبعثة الاتحاد الأوروبي.
- في طريقها إلى معبر رفح، انتابت الخمسينية الغزية صباح الرقب مشاعر عديدة، خوف ورجاء واشتياق، قبل أن يسيطر عليها إحساس بالبهجة انتظاراً للقاء العائلة. كل هذا لم يلبث أن انتهى ما إن توقفت المركبة التي أقلّتها فجأة على بعد 500 متر من بوابة المعبر، تحديداً أمام حاجز يقف عنده مسلحون ملثمون، من مليشيات الجواسيس العاملين في جيش الاحتلال.
"عرّفوا أنفسهم بأنهم من وحدة "مكافحة الإرهاب"، التابعة لغسان الدهيني خلف ياسر أبو شباب" تقول الرقب. ويعد التنظيم هذا واحداً من بين خمسة مليشيات أنشأها الاحتلال، تتمركز شرق قطاع غزة، كما يقول مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه حتى لا يستهدفه الجيش الإسرائيلي المتمركز في القطاع، معتمداً على عناصر مليشيا الدهيني في تفتيش المسافرين عبر معبر رفح تمهيداً لتسليمهم لقواته، بعد وضع شارة على جوازات سفرهم تحمل عبارة "جهاز مكافحة الإرهاب"، ليخضعوا بعدها لتحقيق أو بمعنى أدق تعذيب يتخلله أسئلة من نوع خاص. وكما تروي الرقب فقد اقتادها المسلحون رفقة ثلاث سيدات إلى موقع عسكري إسرائيلي، حيث تحولت عودتها إلى سلسلة من وقائع التنكيل، بدأت بتقييدها وتعصيب عينيها، واستنطاقها لساعات عن أقارب ومقاومين، مع تهديد بالاعتقال إن لم تتجاوب، ومن ثم مساومتها على التجسس لصالح الاحتلال وجمع معلومات عن محيطها، وفي النهاية بعد رفض التهديدات وعدم التجاوب مع المغريات، تلقت عرضاً بنيل مبالغ مالية في مقابل العودة بشكل نهائي إلى مصر وعدم المغامرة بحياتها في القطاع.
فئتان مستهدفتان
وصل إجمالي عدد المسافرين والعائدين إلى 1628 شخصاً، منذ فتح المعبر في الثاني من فبراير/شباط الجاري وإلى 24 من الشهر ذاته، بنسبة التزام تقارب 33%، مما اتفق عليه في بين الطرفين، بحسب إفادة إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة.
وينص اتفاق إعادة فتح المعبر الذي رعاه الوسطاء على أن عدد المسافرين في المرحلة الأولى يبلغ 200 شخص، 150 مغادراً و50 عائداً، وهو ما لم يلتزم به الاحتلال، كاشفاً أن ثلث العائدين البالغ عددهم 703 أشخاص حتى 24 فبراير 2026، تعرضوا للابتزاز ومحاولات لتجنيدهم، من خلال الضغط عليهم نفسياً ومادياً، ضمن عمليات ابتزاز واستغلال كثيراً ما تكررت قبل الحرب بحق المغادرين من القطاع المحاصر.
مليشيا الدهيني تحتجز العائدين عبر معبر رفح وتحقق معهم
بصفة خاصة يزداد تنكيل جيش الاحتلال بفئتين الأولى النساء، والثانية أقارب مقاومين، لجمع المعلومات عن تحركاتهم، ومن يرفض يتم إخباره بأنه يمكنه نقل ما يجري في المخيمات فقط، ضمن آلية تجنيد تبدأ بذلك لكنها لا تتوقف عند الحد هذا، بحسب إفادات 50 مسافراً جرى توثيقها بحسب المصدر الأمني.
واحدة من هذه الحالات طلبت تعريفها بأم محمود عبد الله تروي ما حدث قائلة "إن ضابط المخابرات الإسرائيلي شتمها بألفاظ نابية"، بعد سؤالها إنتِ ليش جيتي على غزة؟ جاية على الدمار والموت والخيام"، وحين أبلغته أنها عادت من أجل عائلتها، حاول إغراءها بالرجوع إلى مصر وتلقي أموال أو تسهيل هجرتها عبر معابر إسرائيلية، وبمجرد رفضها انهال عليها بالسبّ مجدداً، قبل أن يضربها بعقب البندقية.
يؤكد الثوابتة أن ما جرى مع السيدة ليس حالة فردية، بل يأتي في سياق سياسة ضغط ممنهجة، يحاول فيها الاحتلال ابتزاز المسافرين ومعاقبة كل من يقرر العودة، ودفعهم إلى الرجوع من حيث أتوا، ضمن مساع مستمرة لفرض الهجرة القسرية على سكان القطاع، ويضيف أن عودة الغزيين رغم التهديدات تعكس رفضاً واسعاً لفكرة التهجير، في وقت يسعى فيه الاحتلال إما لإبعادهم خارج القطاع وإما لاستدراج بعضهم للتجسس على شعبهم.
المساومة على الحماية من القصف
يساوم الاحتلال من يحقق معهم من العائدين على حمايتهم من القصف، والحصول على مساعدات، في مقابل جلب معلومات عن المقاومين بحسب الرقب وثلاثة حالات أخرى قابلها معد التحقيق، وبحسب الإفادت المتقاطعة فإن ضابط المخابرات يستخدم ثلاثة أساليب التهديد والترغيب والتعذيب، ويتخللها وعيد بإفناء الأقارب في غزة.
وإن لم يفلح كل ما سبق، تؤكد إفادة الرقب والسيدات الأخريات تطابق وقائع الإمعان في إيذائهن عبر احتجازهن نحو 12 ساعة متواصلة، وإجبارهن على التخلي عن معظم متعلقاتهن، مثل الأموال، وهدايا كنّ جلبنها من مصر، وهواتف نقالة جرى سرقتها، ثم نُقلن بحافلة رافقتها آليات عسكرية إلى نقطة تفتيش أخرى تابعة للاحتلال، وقد تعرضن هناك لتكرار التفتيش المهين والاعتداء بالسب والضرب، قبل أن يسمح لهن بالتحرك باتجاه مواصي مدينة خانيونس.
الإجبار على التعري والاحتجاز في أقفاص
منذ فتح المعبر، رفض جميع العائدين عروض الاحتلال بالمغادرة إلى مصر مرة ثانية، وأصروا على لم الشمل مع عائلاتهم. يؤكد ما سبق أن 80 ألف شخص مسجلون على قوائم الانتظار، بينهم آية حسن المقيمة في مصر، والتي سمعت بما حدث، لكنها مع ذلك مستعدة للرحلة.
وينظر المحلل والكاتب السياسي إياد القرا إلى وصول العائدين للقطاع بأنه إفشال لمشروع التهجير الذي سعت إليه إسرائيل وما زالت، مؤكدا أن ثمة بُعدين أساسيين يفسران مشهد عودة العالقين، أحدهما إنساني، والآخر وطني وسياسي، فالبعد الإنساني يتمثل في الحاجة إلى جمع شمل العائلات التي فرقتها الحرب، فضلاً عن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها من خرجوا، أما البعد الوطني، فيعتبره حاسماً في قرار العودة، فالفلسطيني يشعر أنه جزء من مشروع وطني في مواجهة مخططات التهجير الإسرائيلية.
وحتى مع تراجع الثقة في القانون الدولي، يخالف بشكل لا لبس فيه، ما يجري على المعبر من إذلال المواطنين ومحاولة كسر إرادتهم، ومساوماتهم للتجنيد، مبادئَه ولا إشكال في التذكير بها، إذ حوّل الاحتلال السفر من حق إنساني إلى أداة ضغط وعقاب جماعي، بحسب الثوابتة.
ضغوط هائلة يرزح تحتها العائدون للتخابر لصالح الاحتلال
هذه ليست مجرد "إجراءات أمنية"، بل نظام تنكيل ممنهج يشمل انتهاكات خطيرة ومحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني، بحسب تفسير الناشط محمد جمال الخيري، منسق أعمال مركز غزة لحقوق الإنسان (مؤسسة حقوقية أهلية)، وقد وثقت مؤسسته مجموعة من الانتهاكات بحق العائدين منها المعاملة المهينة، والنهب والسلب، وانتهاك الحق في العودة الآمنة، والابتزاز والمساومة، كما يقول.
ومن أسوأ وقائع الانتهاكات إجبار العائدين على التعري، أو الاحتجاز لساعات في أقفاص سلكية تحت أشعة الشمس، أو الصعق بالكهرباء والضرب المبرح في أثناء التحقيق، في محاولة لانتزاع معلومات عن أشخاص محددين منخرطين في صفوف المقاومة، ما يشكل انتهاكاً جسيماً للمادة (3) المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، والتي تحظر "الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة".
شيء من هذا نال الغزية تغريد معروف، التي ضربت بأعقاب البنادق، وهددت باعتقالها.. "وبعد ساعات من الضرب والتنكيل، دخلت في حالة إغماء ولم تستفق إلا في سيارة الإسعاف أثناء طريقها لمستشفى ناصر"، في محاولة لإجبارها على تزويد الاحتلال بمعلومات عن ابنها وأقارب لها يزعم الاحتلال انخراطهم في صفوف المقاومة.
مآرب أخرى
قال ثلاثة عائدين إلى القطاع، إن مخابرات الاحتلال لم يطلبوا منهم معلومات، بل أرادوا منهم العمل على إثارة الرعب ونشر الشائعات في مخيمات النازحين، عبر ترديد أقاويل كاذبة تتعلق بعودة الحرب، وتجدد النزوح، وترويج كل ما من شأنه أن يساعد على تشجيع الناس على الهجرة، لكنهم رفضوا عروض الاحتلال.
جرى رصد ذلك يقول المصدر الأمني، فنشر الشائعات والفوضى من أساليب الاحتلال لضرب الجبهة الداخلية، وخلال الحرب جرى اعتقال العديد من العملاء من بينهم سائقو سيارات عمومية، كلفهم الاحتلال بنشر الشائعات وبث الذعر في نفوس المواطنين. وهو ما أكده الناشط الخيري مضيفاً: "في المؤسسة التقينا مع عينة من المسافرين وأخذنا منهم إفادات حية توثق تفاصيل ما جرى بحقهم، ووثقنا طبيعة الشائعات المطلوبة لنشر الذعر في مخيمات النازحين وتمرير رسالة الاحتلال بأنه لا سبيل أمام أهالي القطاع سوى الهجرة وعدم انتظار أي تغيير على أوضاعهم حالياً أو في المستقبل".
يتوافق ما سبق مع نتائج استطلاع ميداني غير قياسي أجراه معد التحقيق، وشمل 12 من العادين إلى قطاع غزة، أكد جميعهم أنهم تعرضوا للتنكيل والعنف في أثناء الاستجواب، وخضعوا لتفتيش مهين، فيما أكد 7 منهم مساومتهم إما على العمالة للاحتلال، أو الحصول على المال مقابل العودة إلى مصر، أو تسهيلات للسفر من خلال مطارات الاحتلال، شريطة أن يوقعوا على تعهد بعدم العودة إلى القطاع، وأكدوا جميعهم رفض الابتزازات الإسرائيلية، بينما أكد 5 منهم، أنهم تعرضوا للعنف الجسدي واللفظي من قبل ضباط الاحتلال عند رفضهم المساومات والعروض الإسرائيلية.
لفت جميع المستطلعين إلى دور دور مليشيات الجواسيس التي تخدم في جيش الاحتلال، إذ يفتشون العائدين بشكل شخصي ثم يفحصون أمتعتهم وأغراضهم ويفرغونها بشكل كامل قبل أن يجري نقلهم إلى مركز التحقيق، في ظل تحويل المنطقة إلى بقعة عسكرية مغلقة، فتحيط الدبابات والآليات بالحافلات التي تقل المسافرين من كل جانب، "ويقع ذلك في سياق فشل المساعي الإسرائيلية لفتح معبر رفح في اتجاه واحد أي للخروج من القطاع فقط"، بحسب إفادة الدكتور طلال أبو ركبة، المحلل في "شبكة السياسات الفلسطينية"، (مؤسسة فكرية مستقلة).
ويتطابق ما يوثقه تحقيق "العربي الجديد" من ممارسات تنكيل بحق العائدين مع ما جاء في تقرير للأمم المتحدة نشر في الخامس من فبراير الجاري بعنوان "أنماط سوء المعاملة والإكراه المبلغ عنها بين الفلسطينيين العائدين إلى غزة"، إذ رصد أنماطا متكررة من سوء المعاملة والإساءة والإذلال على أيدي قوات الاحتلال، وجرت مساومتهم على ما إذا كانوا يقبلون الحصول على أموال مقابل العودة إلى مصر مع عائلاتهم وعدم الرجوع أبدا إلى غزة، وهو نهج يعتبره مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بهدف ثني الفلسطينيين عن ممارسة حقهم في العودة إلى المناطق التي أُجبروا على مغادرتها، بما يسهم في تعزيز التطهير العرقي في غزة.
شاهد زور
اللافت أن كل هذا يقع في ظل وجود بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية على معبر رفح (EUBAM)، ما يجعلها بمثابة "شاهد زور"، فالاتحاد الأوروبي يكتفي بالدور "التقني" (التأكد من الأوراق وجوازات السفر)، بينما يتجاهل "الغرف السوداء" التي يتم فيها التنكيل بالعائدين على بعد أمتار قليلة من أعين المراقبين، وفق الخيري.
ليس هذا فقط، بل أبدت الفيدرالية الدولية للحقوق والتنمية (IFRD - منظمة أوروبية حقوقية مستقلة) في تقرير أصدرته في 25 فبراير الماضي، قلقاً متزايداً إزاء ما وصفته بمزاعم خطيرة تفيد بأن أفراداً مرتبطين ببعثة الاتحاد الأوروبي في رفح استجوبوا فلسطينيين بطريقة تهدف إلى انتزاع معلومات عن أقاربهم وشبكاتهم الاجتماعية والمجتمعية، بما في ذلك طرح أسئلة تبدو غير مرتبطة بوظائف المساعدة الحدودية المشروعة، ومع ذلك تقول حسن، "أشتاق إلى أهلي كثيرا ومهما طال السفر لا مفر من العودة إلى البلاد".