أوجه تجويع غزة... بدائل غذائية خطرة تستقر في الأمعاء الخاوية
استمع إلى الملخص
- يُباع "السكرالوز" في الأسواق كبديل للسكر الطبيعي، مما يشكل خطراً على الصحة العامة، حيث يُحذر الخبراء من الإفراط في استخدامه بسبب تأثيراته السلبية على الجهاز العصبي والحسي.
- حذرت وزارة الصحة في غزة من استهلاك "السكرالوز" والمنتجات مجهولة المصدر، داعيةً إلى توخي الحذر في ظل ضعف الرقابة والظروف الاقتصادية الصعبة.
يستهلك الغزيون مواد غذائية خطرة ومجهولة المصدر، جراء التجويع الذي يكرسه جيش الاحتلال، ومن بينها مُحلٍّ صناعي رخيص الثمن حذرت وزارة الصحة من تناوله، لكنه يجد طريقه إلى أمعائهم بعدما بلغ سعر كيلوغرام السكر 147 دولاراً.
- على مدار أيام راقب الخمسيني الغزي يوسف سلطان، تبدّل أحوال أسرته وقد بدأت متاعب صحية تنهش أجسادهم سريعاً، واحدا تلو الآخر، مغص شديد أصاب ابنه الأكبر، وصداع متكرر مع غثيان عانى منه ابنه الآخر، وتعرق غير مبرَّر أرهق طفلته الصغيرة، والعجيب أن السبب لم يرتبط بمرض مزمن أو تسمم، إذ تبين بعد استشارتهم الطبيب أنه يعود إلى مادة بيضاء اشترتها العائلة من إحدى بسطات مواصي خانيونس، لتحلية طعامهم على أمل أن تعوض غياب السكر.
كتب على الكيس الشفاف الصغير اسم "سكر لوز" وهو مُحلٍّ صناعي غير غذائي مشتق من السكروز يسمى علمياً "سكرالوز" لا يمتصه الجسم ولا يكسّره لإنتاج الطاقة، وهو أكثر حلاوة من السكر العادي بمئات المرات، وما إن توقفت الأسرة عن استخدامه حتى تلاشت الأعراض التي عانوا منها بعد يومين فقط.
ليست تلك حادثة عابرة، إذ تمتلئ الأسواق في القطاع ببضائع مجهولة المصدر يجري تداولها بلا رقابة وبعضها ليس مخصصاً للاستعمال الآدمي ما يهدد بتحويل المجاعة الشديدة التي يعاني منها 22% من السكان وفق بيانات الأمم المتحدة، إلى أزمة صحية أشد فتكاً على المديين القريب والبعيد كما تقول مصادر التحقيق.
من الاستهلاك الصناعي إلى خيام النازحين
يصنع "السكرالوز" Sucralose في المختبرات من مركب السكروز عبر استبدال ثلاث مجموعات هيدروكسيل -OH بثلاث ذرات كلور CL، وهذه العملية تُسمّى الكلورة الانتقائية، وتؤدي إلى تغيير في التركيب بحيث يصبح "السكرالوز" أكثر حلاوة بـ 600 مرة ضعف السكروز، لكنه غير قابل للاستقلاب بنفس الطريقة، أي أن الجسم لا يهضمه بالكامل مثل السكروز (سكر المائدة)، كما لا يتحلل بسهولة داخل الجسم، بحسب إفادة اختصاصي التغذية إيهاب نصر، عميد كلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الأزهر في غزة، والباحث الزائر في جامعة "ألبرتا" في كندا.
يباع غرام "السكرالوز" بما بين بين 20 و30 شيكلا
وعادة ما يُستخدم هذا المركب في نطاق صناعي ضيق داخل منتجات منخفضة السعرات مثل المشروبات الغازية المخصصة للحمية، وبعض أنواع الحلويات، إضافة إلى أدوية ومكملات غذائية، لكنه غير مخصص تماماً للاستعمال المنزلي المباشر، بحسب إفادة المهندس نزار الوحيدي، المدير العام السابق لدائرة الإرشاد الزراعي في وزارة الزراعة. ومن وجهة نظر المصدريْن، لم يكن "السكرالوز" مطروحاً في أسواق غزة سابقاً، بل كان يُستورد أساساً من مصر ودولة الاحتلال لأغراض صناعية، لكن اليوم في ظل الفوضى الناجمة عن حرب الاحتلال على القطاع صار يباع في البسطات باعتباره مُحلياً، مع أنه خطر على من يستخدمونه، لكونه يشكل عبئاً على الجهاز الهضمي وقد يترك بقايا تُخزّن في الكبد مع الاستخدام طويل الأمد، الأمر الذي يجعله، رغم الحصار وشح البدائل، خياراً يهدد الصحة العامة.
يتفق مع الرأي السابق رئيس قسم الطب الوقائي في وزارة الصحة، الدكتور رائد زعرب محذراً من أن الاستهلاك اليومي للمُحليات الصناعية دون وعي أو إشراف صحي وبكميات تفوق الحدود المسموح بها، يؤثر على الجهاز العصبي والحسي في جسم الإنسان، وبعض الأعراض الناتجة من الاستخدام المفرط لا تظهر فوراً، وإنما تتطور تدريجياً لتتحول إلى أمراض مزمنة مثل اضطرابات الجهاز الهضمي، وأمراض الكلى، قائلاً: "المحلّي هذا خطير، وممنوع بتاتاً لمرضى الكلى والسكري".
مخاطر الإفراط في الاستهلاك
لم يعد استخدام "السكرالوز" مقتصراً على تحلية الشاي وغيره من الاحتياجات اليومية، بل دخل إلى معامل صغيرة وخيام وأكشاك تنتج الحلوى والشراب الصناعي للأطفال بكميات كبيرة ودون أي رقابة، ما يوسع من نطاق مخاطره، يقول الوحيدي محذراً، في ضوء ما تتسبب فيه هذه المادة من أضرار، على رأسها رفع مستويات السكر والإنسولين في الدم كما تؤدي إلى إحداث اضطرابات هضمية تسبب الانتفاخ والإسهال وآلام البطن والغثيان، خاصة أن الجسم لا يمتص سوى 15% من "السكرالوز" ويطرح 85% من المادة المحلية عبر البول دون أن يُستفاد منه مصدرا للطاقة، لذلك فإنّ الإفراط المزمن يقود أيضاً إلى اختلال توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء بما يؤثر سلباً على الهضم والمناعة. وهو ما عانى منه أفراد أسرة سلطان، وخمسة غزيين قابلهم معد التحقيق، عانوا من مشاكل معوية بعد استخدامه لفترات قصيرة.
ويشدد الوحيدي على ضرورة استخدام "سكرالوز" ضمن الحدود المسموح بها ليظل آمناً ويكون ذلك باستخدامه في عملية تصنيع المخبوزات والمشروبات بنسب محددة من وزن المنتج وعادة تحتاج الشركات كميات ضئيلة جداً منه لحلاوته، ومسموح به ضمن اشتراطات محددة على العكس من محلٍّ صناعي آخر يسمى السيكلامات (سيكلامات الصوديوم) المحظور استعماله في الولايات المتحدة الأميركية واليابان، إذ منعته إدارة الغذاء والدواء (FDA) عام 1969 بعد دراسات على الفئران أظهرت أن خليط السيكلامات مع السُكّرين بنسبة 1 إلى 10 قد يزيد من خطر الإصابة بسرطان المثانة لدى الفئران.
147 دولاراً ثمن كيلو غرام السكر
أظهر استطلاع رأي ميداني غير قياسي أجراه معد التحقيق وشمل 20 غزياً، أنّ 17 استخدموا المحلّي الصناعي "السكرالوز" 15 منهم ما زالوا يتناولونه بشكل مستمر، وأقرّ 16 من المشمولين في الاستطلاع أنهم مقتنعون بخطورته على الصحة، وبرر غالبيتهم لجوءهم إليه بغياب السكر الطبيعي الذي ارتفع سعره من 3 شواكل للكيلوغرام قبل الحرب (حوالى دولار أميركي) ليصل إلى 500 شيكل (147 دولاراً) في الوقت الحالي. بينما يباع كيس "السكرالوز" بوزن غرام واحد بمبلغ يراوح بين 20 و30 شيكلا (6 دولارات).
يُهرب "السكرالوز" عبر شاحنات المساعدات الواصلة إلى القطاع
ويباع المحلي في شكل حبات كريستالية بيضاء صغيرة في أكياس نايلون شفافة، بلا أي بيانات أو تعليمات واضحة، مع تضارب في المعلومات حول كمية التحلية لكلّ غرام، فبعضهم يدعي أنّ الغرام الواحد يمكنه تحلية 7 لترات من الماء، وآخرون يقولون إنه يستعمل مع 4 لترات، ما قد يُشير إلى تعرض المنتج للغش بمواد مشابهة من حيث الشكل. لذا يترقب الأربعيني محمود رضوان عودة السكر الطبيعي بأسعار معقولة ليترك المحليات الصناعية فوراً، إذ بات الشاي والخبز وجبة رئيسية للعائلات النازحة الجائعة، وفرض "السكرالوز" نفسه خياراً اضطرارياً وسط تجويع إسرائيلي للقطاع وفوضى لا ترحم. بينما يرى محمد الطويل أن الضرر منه قد يكون هامشيًا مقارنة بالكارثة التي يعيشها القطاع من تلوث الهواء والماء، وركام القنابل التي تحاصر حياتهم اليومية.
ويطالب 14 من المستطلعة آراؤهم وزارتي الصحة والاقتصاد بمتابعة الأسواق، إذ تنتشر مواد منتهية الصلاحية وبدائل خطيرة، في ظل فراغ رقابي، يدعمه انتشار جيش الاحتلال، الذي قتل 150 عنصراً أمنياً، 25 منهم استهدفتهم غارات في غزة ودير البلح خلال محاولتهم ضبط الأسواق، بحسب بيانات وزارة الداخلية في غزة.
وكشف تقصٍ ميداني أن وصول المحلي الصناعي "السكرالوز" إلى الأسواق يتم من خلال مصانع المشروبات الغازية والصناعات الغذائية التي كانت تستخدمه بكميات محددة، وبعد توقفها واشتداد الحصار، جرى بيعه في السوق بديلا عن السكر، أو تهريبه عبر شاحنات المساعدات، لما يحققه من أرباح ضخمة بسبب وزنه الخفيف وسعره المرتفع "مع وجود جهود مستمرة لجلب المزيد منه كونه يحقق ثروة هائلة"، كما يقول البائع مصطفى عمر ومصدران تجاريان آخران رفضا الكشف عن اسميهما لأسباب خاصة.
أما البائع أحمد جمعة، فيقول إنه يشتريه من التجار، ويصل إليه في أكياس صغيرة، ولا يعرف سوى أن كل غرام قادر على تحلية ما بين 5 إلى 6 لترات ماء، حسب نوعية الماء ودرجة عذوبته، وهي معلومات أخبره بها الموزع الذي اشتراه منه، ولم يسبق أن شاهد المنتج مغلفا في علبة، أو كيس مدونة عليه بيانات الشركة المصنعة، أو حتى حصل على معلومات كافية عن تاريخ إنتاجه وانتهاء صلاحيته، ولا يعرف عنه شيئا سوى أنه يُحلي والمأكولات.
تحذير من وزارة الصحة
في يوليو/تموز الماضي، حذرت وزارة الصحة في غزة من شراء واستهلاك "السكرالوز"، مؤكدة أن أي سلعة تعرض في الأسواق دون بيان منتج واضح، ودون أخذ إذن بيع من الجهات الحكومية أمر محظور، ويشكل بيعها دون بطاقة بيانات واضحة، مخالفة صحية خطيرة، كما يقول رئيس قسم الطب الوقائي في وزارة الصحة، الدكتور رائد زعرب، مشيراً إلى أن المادة تُعرف محليًا باسم "سكر اللوز" ولا تمت بأي صلة إلى مكسرات اللوز، ولا تحتوي على أيّ قيمة غذائية.
وفي ظل ما تشهده الأسواق من ممارسات تجارية خاطئة وضعف في الرقابة، تدعو الوزارة إلى الامتناع عن شراء أصباغ أو محليات مجهولة المصدر، والحذر من شراء العصائر الصناعية أو مشروبات الأطفال ما لم تتوفر معلومات دقيقة حول مكوناتها وطريقة تحضيرها.
وبالرغم من صعوبة العمل حالياً على ضبط الأسواق، تجري مراقبتها، كما تؤكد مصادر أمنية رفضت الإفصاح عن هويتها حتى لا يستهدفها جيش الاحتلال، مؤكدة على استمرار الجهات المختصة في منع كل التجاوزات، بما في ذلك بيع سلع غير مُصرح بها من قبل جهات الاختصاص، وحال سماح الظروف الميدانية يتم التحرك فوراً وفقاً للخطط الموضوعة، لمصادرة السلع المحظورة مثل ما يسمى بـ "سكر اللوز" والأدوية المباعة على الأرصفة والمنتجات الغذائية مجهولة المصدر، غير أن الكثير منها يصل إلى بطون الغزيين إذ لا يجدون غيرها جراء المجاعة التي يكرسها الاحتلال ويفاقمها في القطاع يوماً بعد يوم.