يواكيم ترير بمناسبة أوسكاره: أسئلة عن الصراع

08 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 08:24 (توقيت القدس)
يواكيم ترير (يسار الصورة) استعداداً لتصوير لقطة من "أوسلو: 31 أغسطس" (Time Out)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تتميز أفلام يواكيم ترير بتركيزها على الصراع مع الهوية والذات، مستكشفةً موضوعات البحث عن الذات والمعنى في الحياة من خلال أعمال مثل "تكرار"، "أوسلو، 31 أغسطس"، و"أسوأ شخص في العالم".
- "تكرار" يروي قصة صديقين يطمحان للكتابة، بينما "أوسلو، 31 أغسطس" يتناول رحلة مدمن لإعادة بناء حياته، مقدماً رؤية جديدة عن البحث عن المعنى.
- "أسوأ شخص في العالم" يركز على جولي وتجاربها الحياتية، مستكشفاً العلاقات العاطفية بعمق، ويجمع بين الكوميديا والدراما في تجربة سينمائية غنية.

 

"أنا آخر". مقولة شهيرة لآرثر رامبو تلخّص، ببراعة، الخيوط الموضوعية في أعمال المخرج النرويجي يواكيم ترير، الفائز بأوسكار أفضل فيلم دولي بالنسخة الـ98 (15 مارس/آذار 2026) عن "قيمة عاطفية" (2025). في جوهرها، تتناول أفلامه الصراع مع الهوية، ومع الآخر داخل الذات، ومع إمكانات الحياة ومآزقها: متى نكون حقاً على طبيعتنا؟ مَن يحدّد هوية هذه الأنا وطبيعتها؟ سؤالان محوريان في أفلام مخرج، ينجح باستمرار في تغيير التركيز قليلاً.

في "تكرار" (Reprise ،2006)، فيلمه الأول الجريء والمثير، روى قصة صديقين يطمحان إلى أن يصبحا كاتبين، لكنهما يضيعان في دوامة الواقع والإمكانات الجمالية. حتى في فيلمه هذا، يتّضح جلياً مدى ثراء أسلوبه الأدبي في سرد القصص، وكيف ينجح في تحويل الكلمة المكتوبة إلى صورة سينمائية بأناقة وعفوية. يتردّدان، وتُبتكر بدائل، وتُطرح إمكانات جديدة، ثم تُهمل. ليس فقط الشخصيات، بل النص السينمائي نفسه يتعثّر وينفجر، ويتخبّط ويتشوّش.

في بداية هذه القصة، عن الصداقة والنجاح ومسارات الحياة، يقف فيليب (أندرس دانييلسن لي) وإريك (إسبن كلومان هوينر) أمام صندوق بريد. يتردّدان وهما يحملان مخطوطاتهما. من هنا تبدأ الحكاية. الحياة حكاية أبدية، وعندما تنشر نصاً أو رواية أو مقالاً في العالم تتغيّر، وتصبح شخصاً آخر. هذا أكيد. لهذا السبب تحديداً، يدخل الراوي إلى المشهد، ووظيفته في وضع السياق والتمييز تُذكّر بـ"جول وجيم" (1962) لفرنسوا تروفو: تُفتح آفاق جديدة، وتُسلّط الأضواء على محطات مهمة في السيرة الذاتية، وتُثار شكوك، لأنه إذا كان كلّ شيء قابلاً للتغيير، فما الجدوى؟ إنّه المعنى الضمني العميق لهذا الفيلم المؤثّر، والصراع من أجل المعنى في هذه اللعبة، التي نسمّيها الحياة، موضوعه الرئيسي.

إلى جانب مروره في بهجة العيش وموسيقى روك أند رول والشغف، احتوى "تكرار" على لحظات قاتمة للغاية، مُراوحاً بين الخفة والكآبة. أما "أوسلو، 31 أغسطس" (2011)، فيسلك مساراً معاكساً: مدمن في خروجه من أعراض الانسحاب، والدخول في حياة طبيعية محتملة، تتحطّم بفعل صور نمطية لا مفرّ منها، يحملها الآخرون عنا. يبحث أندرس (دانييلسن لي نفسه) عن معنى لحياته بعد خروجه من المصحّ، فيجد نفسه في كلّ مكان أمام وصمة الإدمان.

الفيلم مستوحى، بشكل فضفاض، من "النار بالداخل" (1963) للوي مال، الذي تناول البحث الوجودي نفسه عن المعنى، لكن في زمن وجيل مختلفين. لذا، فإنه ليس إعادة إنتاج، بل تنويع على موضوع عالمي خالد، ينسجه ترير بحزن شعري وحميمية رصدية. مجدّداً، تلوح في الأفق ذكريات احتمالات أخرى، وانطباعات أولى تطرح سؤالاً قاسياً: لماذا عليك السقوط إلى هذا الحدّ؟ يشعر أندرس بذنب المدمن، الذي يتعرّض للتوبيخ الأخلاقي. لكن شعور الفراغ يبقى ملازماً له.

 

 

مع "أسوأ شخص في العالم" (2021)، عاد ترير إلى عوالم فيلميه الأولين، ليكمل ثلاثية غير مقصودة عن أوسلو، صارت إحدى كلاسيكيات السينما المعاصرة وأكثرها انتشاراً بين جيل الألفية. أيضاً، تدور الأحداث في تلك المدينة. في الدقائق الأولى، ينتاب المشاهد شعور بأنه يعرف الفيلم مسبقاً، نظراً إلى ألفة الأجواء والمكان. ترير وإسكيل فوغت (شريكه المعتاد في الكتابة) يعيدان استكشاف مواضيع سبق تناولها، لكنهما يوسّعان نطاق التركيز ليشمل شخصية أنثوية، تغوص في حاضر متعرّج وزاخر بالإمكانات.

جولي (ريناته رينسف) تائهة في احتمالات الحياة اللامتناهية منذ البداية. أو ربما يكون أدقّ القول إنها شخصية تندفع في تجارب جديدة. تحصل على درجات جيّدة. تدرس الطب، ثم تكتشف شغفها بعلم النفس. ثم يأتي التصوير. تغيير، وحركة، وتقلبات. اختفت الحبكات السردية الكبرى، وحلّت محلّها حلقات/فصول. مثلاً: علاقة عاطفية شديدة التوتر مع أكسل (دانييلسن لي أيضاً)، مؤلف قصص مُصورة ناجح، يكبرها سناً. فجأة، يظهر إيفيند (هربرت نوردوم) الواقعي، فتستحوذ صورته على تفكيرها. معه، تستطيع أن تكون شخصاً مختلفاً. أترغبين في إنجاب أطفال؟ متى يبدأ المرء في أن يصير تقليدياً؟

رغم تركيزه على امرأة، فإنه ليس فيلماً نسوياً. لا يهتم ترير وفوغت بجنس أبطالهما، إلا بشكل غير مباشر. يمكن وصفهما بأنهما شاعران بنيويان يستكشفان العلاقات، وتأثير الآخرين علينا، وكلّ تلك التفاعلات العاطفية في الحياة. وكما في "تكرار" و"أوسلو، 31 أغسطس"، يُعدّ "أسوأ شخص في العالم" صورة للأجيال، إذ يجمع شخصيات رجال من أفلام قديمة بجيل الإنترنت الجديد، الواثق من نفسه. هنا أيضاً، يوجد راوٍ يتركنا باستمرار أمام احتمال مفتوح. يلمّح إليه، ويتلاعب به. عبر هيكله الفصلي (عنوانه الفرنسي: "جولي (في 12 فصلاً)")، يتيح الفيلم لمخرجه نهجاً منفتحاً جذرياً في أشكال السرد. تُروى القصة باستخدام أدوات السينما كلّها، من دون تطوير شخصية واحدة أو جوّ معين بشكل كامل. مشاهد الكوميكس، وتجميد الزمن، والكوميديا والدراما، كلها عناصر تندمج لخلق كُلّ عجيب ومألوف، لا يمكن أن يكون أكثر كمالاً.

هذا سحر سينما ترير: شخصياته، وأوسلو التي تخصّه. خيوطه السردية تبقى معنا، وتُشكّل حياتنا بمجرد خروجنا من الصالة. فيليب وأندرس وجولي، والآن نورا. فلننغمس في هذه الأفلام، تماماً كما تُلقي هذه الشابة بنفسها في الحياة، تتفتّت وتتحوّل. فلنُفتَن بإمكانيات حياتنا، من دون الحاجة إلى أكوان عدّة، أو سرديات كبرى. فالحياة لا تعطي، بالضرورة، نهايات مشهودة، كما لا تُعاش وفقاً لكتالوغ.