وورلد برس فوتو... 70 عاماً من الصورة الصحافية

28 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 07:09 (توقيت القدس)
المصورة الفلسطيني سمر أبو عوف ومديرة "وورلد برس فوتو" جمانة الزين خوري، 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تحتفل مؤسسة "وورلد برس فوتو" بمرور سبعين عاماً على تأسيسها من خلال معارض دولية تعرض مئة صورة من أرشيفها، بهدف مساءلة دور الصورة الصحافية في تشكيل الوعي العالمي ومراجعة الإرث البصري للصحافة.
- قامت الفنانة كريستينا دي ميديل بتنسيق المعرض وتقسيم الصور إلى ستة محاور، مثل الصورة النمطية للنساء وتمثيل الحروب، مما يكشف عن عدم حيادية الصورة الصحافية وتأثيرها في السرديات الإعلامية.
- يناقش المعرض تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على بنية الصورة الصحافية، ويدعو لإعادة النظر في أرشفة الألم وتأثير الصور على الذاكرة الجماعية برؤية إنسانية.

احتفالاً بمرور سبعين عاماً على تأسيسها، تنظم مؤسسة "وورلد برس فوتو" (World Press Photo) سلسلة من الفعاليات والمعارض الدولية التي تسلّط الضوء على مسيرة هذه المنظمة العالمية المعنية بالصورة الصحافية. عبر هذه المعارض التي تُقام تحت عنوان "ما الذي أنجزناه"، يجد الزائر نفسه في قلب أرشيف بصري ضخم لا يكتفي بعرض إنجازات التصوير الصحافي، بل يذهب إلى مساءلة هذا الإرث والتفكير في دور الصورة في تشكيل وعينا بالعالم، وتحديد من تُتاح له الحكاية ومن يُترك خارج الإطار.
افتُتح أول هذه المعارض في مدينة غرونينغن الهولندية مطلع سبتمبر، قبل أن ينتقل بداية من الشهر المقبل إلى محطات دولية أخرى، من بينها جنوب أفريقيا وبنغلاديش. يضم المعرض مئة صورة منتقاة من أرشيف المؤسسة الممتد منذ عام 1955. ليست هذه الصور بالضرورة الأشهر في تاريخ الجائزة، لكنها الأقوى في تجسيد الأنماط البصرية التي ظلت الصحافة العالمية تعيد إنتاجها عبر العقود. من هنا، يتجاوز المعرض مفهوم الاحتفال التقليدي ويتحوّل إلى مراجعة نقدية داخل البيت نفسه، تطرح أسئلة عن تمثيل الآخر في الصورة، وموضعه في الحرب والكارثة كمواد بصرية قابلة للاستهلاك.
جاءت عملية الاختيار والتنسيق على يد الفنّانة والقيّمة الإسبانية البرازيلية كريستينا دي ميديل، التي أعادت ترتيب المادة وفق ستة محاور تشكّل مفاتيح لقراءة هذا الأرشيف. المحور الأول يدور حول الصورة النمطية للنساء، إذ تُظهر العديد من الصور الصحافية نساءً يبكين مقابل رجال ينقذون. في هذه الصور يلاحظ المتلقي التكرار الهائل لصورة المرأة كضحية، في مقابل ظهور الرجل في موقع الفاعل أو المخلّص.
المحور الثاني يُبرز الحروب والحطام بوصفهما المسرح الأكثر تكراراً في الصورة الصحافية. غالباً ما تتبع التغطية الصحافية للحروب نمطاً مألوفاً يشكّل التصور بدلاً من كشف الحقيقة الكاملة. في هذه الصور يظهر الجنود البيض مثلاً في لحظات الإرهاق أو التأمل، وهي لقطات تُضفي عليهم طابعاً إنسانياً بينما تخفي أفعالهم في ساحة المعركة. في المقابل، كثيراً ما يظهر الجنود ذوو البشرة الداكنة في وضعية القتال، بما يعزز روايات العدوان وتجريد البشر من إنسانيتهم. تخلق هذه الخيارات خللاً في التوثيق وتؤثر على من يظهر كضحية ومن يُصوَّر كتهديد. لم يكن هذا كله مجرد توثيق، بحسب بيان المعرض، بل تصنيع لمخيلة الحرب كما تود وسائل الإعلام تقديمها، إذ تحوّلت المأساة إلى خلفية سينمائية ودعائية أكثر من كونها شهادة إنسانية.
المحور الثالث يحمل عنوان "أن تكون رجلاً وأن تكون امرأة"، لكنه يذهب أبعد من الثنائية البيولوجية، لأن النقاش هنا يتعلّق بما يُسمح بتمثيله وما يُقصى. يبرز العرض كيف تُظهر الصور الصحافية الرجال باستمرار كشخصيات فاعلة وذات سلطة: رياضيون منتصرون، قادة حازمون، وقوى حماية خلال الأزمات. في المقابل، تشغل النساء أدواراً بصرية محدودة، كمقدمات رعاية مثلاً أو ضحايا في أغلب الأحيان.
أما المحور الرابع فيتناول تمثيل القارة الأفريقية، وكيف ظلت تُعرَض في إطار واحد تقريباً لا يبتعد كثيراً عن موضوعات المجاعات والصراعات والأوبئة، من دون الالتفات إلى قصص الحياة والثقافة والتقدّم. ويركز المحور الخامس على جمالية اللحظة، تلك التي يسمّيها المعرض "لحظة الدهشة". إنها الصورة المبهرة التي تحصد الانتباه والجوائز، لكنها قد تشتت النظر عن خلفيات الحدث. أما المحور السادس والأخير فيتناول النار والدخان كرمزين دائمين في مشهدية الكوارث، حيث يصبح الدمار خلفية درامية تكرّس نظرة محددة إلى العالم المضطرب.

تكشف هذه المحاور أن الصورة الصحافية ليست بريئة أو محايدة، فكل اختيار لزاوية أو لحظة أو عنوان جزء من صناعة سردية ربما تتجاوز رغبة المصوّر نفسه. هذا ما تؤكده المديرة التنفيذية للمؤسسة، جومانا الزين خوري، التي تشير إلى أن الذكرى السبعين ليست مناسبة للاحتفال فقط، بل للتفكير في الطريق الذي سلكناه وما يجب إصلاحه في المستقبل.
يتطرّق المعرض إلى التغيّرات الهائلة في بنية الصورة الصحافية، فالعقود الأولى من عمر المؤسسة شهدت هيمنة الوكالات الغربية وعدسات المصورين الكبار الذين صنعوا جزءاً مهماً من تاريخ الصحافة المصوّرة. اليوم، المشهد مختلف، فكاميرات الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي والكاميرات الصغيرة المنتشرة في كل يد تشارك جميعها في نقل الصورة. هذا التحوّل أتاح أصواتاً جديدة، لكنه في الوقت نفسه فرض سؤالاً حول المعايير والمصداقية، والحدّ الفاصل بين التوثيق والسعي إلى الانتشار السريع.
لم يعد السؤال مقتصراً في الحقيقة على من يصوّر ومن يُصوَّر، بل على ما تفعله بنا هذه الصور حين تتحوّل إلى ذاكرة جماعية لا نراجعها بما يكفي. ومن هنا يمكن قراءة هذه الاحتفالية باعتبارها مراجعة عنيفة لمفهوم الصحافة المصوّرة. فهي تقترح أن نعيد النظر في أرشفة الألم التي ظلّ الإعلام يعيد تدويرها، وأن نسأل عن أثرها الفعلي. 
لأن الصورة، على أهميتها، قد تُنتج تعاطفاً سريعاً يتبخر، أو تُساهم من دون قصد في تطبيع الكارثة. في النهاية، يبقى سؤال معلّق: ماذا فعلت الصورة بنا؟ وماذا فعلنا نحن بالصورة؟ ربما تبدأ الإجابة حين نرى العالم بعين أكثر اتساعاً، عين تتجاوز الأنماط وتمنح من هم داخل الصورة حق التعبير لا حق التمثيل فقط. هنا بالذات يبدو أن "وورلد برس فوتو" تحاول أن تفتح صفحة جديدة، تعترف بالماضي وتنظر إلى المستقبل بعينٍ أكثر إنسانية.

المساهمون