"مكتوب، حبي: المقطع الثاني"... الحياة والسينما في مرآة الطعام والرغبة

31 يناير 2026   |  آخر تحديث: 11:36 (توقيت القدس)
تدور القصة في بلدة سيت جنوبي فرنسا (IMDb)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "مكتوب، حبي: المقطع الثاني" للمخرج عبد اللطيف كشيش يعرض حالياً في المغرب، وهو الجزء الثالث من رباعية "مكتوب: حبي"، ويستند إلى رواية "الجرح الحقيقي" لفرنسوا بيغودو. تدور أحداثه في بلدة سيت بجنوب فرنسا في التسعينيات، ويركز على قصة أمين وصديقته أوفيلي.

- يتميز الفيلم بأسلوب كشيش الفريد الذي يركز على الحوارات الطويلة والمشاعر المختلطة، مع حبكة ثانوية تتحول إلى مركز السرد، ويعكس استعارات عن هوليوود وشخصياتها.

- يحمل الفيلم تأملات حول هشاشة الممارسة السينمائية، ويعبر عن هواجس المخرج كشيش، ويبدأ ببيت شعري لفرناندو بيسوا، مما يعكس فكرة الوجود دون ترك آثار.

يُعرض حالياً، في الصالات المغربية، "مكتوب، حبي: المقطع الثاني" (2025)، للمخرج الفرنسي ذي الأصل التونسي عبد اللطيف كشيش، ثالث رباعية "مكتوب: حبي" (2019)، وذلك بعد انتظار طويل، سببه الصدمة والخلافات التي أوجدها التلقّي السجالي، والسيئ وفق غالبية الآراء النقدية. "مكتوب، حبي: المقطع الفاصل" (الجزء الثاني) عُرض مرة واحدة في مهرجان كانّ عام 2019، ولم يُعرض تجارياً إلى الآن، بسبب خلاف كشيش مع شركة باتيه، ثم الجلطة الدماغية التي تعرّض لها عام 2025، فبقي الفيلم في برزخ فترة ما بعد التصوير نحو سبع سنوات.

تدور القصة في بلدة سيت، جنوبي فرنسا، منتصف التسعينيات. أمين (شاهين بومدين) شاب هاو للفوتوغرافيا، يطمح إلى فرصة تصوير سيناريوهاته، وصديقة طفولته أوفيلي (أوفيلي بو) مقبلة على الزواج، لكن عليها التخلّص من حملها من توني (سليم قشيوش). كعادته، يفرغ كشيش الحبكة من الانقلابات الدرامية، لفائدة مشاهد حوار طويلة، تقتفي القبض على الأجواء والمشاعر المختلطة، مُبئراً منذ البداية على حبكة ثانوية، تتحول تدريجياً إلى مركز السرد. تصل الممثلة الأميركية الشهيرة جيسيكا باترسون (جيسيكا بادنتون) إلى سيت، لتمضية العطلة الصيفية مع زوجها المنتج النافذ. منذ وصولها وزوجها إلى مطعم عائلة أمين، طلباً لوجبة أكل بتعنّت وصلافة، رغم إخبارهما بإغلاق المطبخ، يوطد كشيش جمالية عزيزة عليه، تعتمد على ثنائية الطعام ـ الرغبة، والنفوذ القائم على الطبقية، التي شكّلت عماد أفلام خالدة، أبرزها "كسكسي بالبوري" (2007) لكشيش نفسه.

ترقب الأكل، والفوضى المنظّمة لمونتاج يرتكز على تبادل النظرات بين الزوج الهوليوودي وفتيات وفتيان يشتغلون بالمطعم، ثم تراكب الجمل الحوارية، التي تعطي الانطباع بأنها مرتجلة، مع أنها مكتوبة بدقة وعناية، سمات تضعنا منذ البداية في أسلوب السهل الممتنع، الذي يميّز اشتغال كشيش. تأكل الممثلة بنهم شبقي يعكس شخصيتها المثيرة، وتعطش هوليوود لالتهام القصص والأحلام في آن، وفق استعارة بلاغية يفردها سيناريو مقتبس بتصرف من رواية "الجرح الحقيقي" (2011) لفرنسوا بيغودو.

عندما يحلّ أمين، المكبّل بخجله الشديد، في فيلا الزوج الهوليوودي، ليناقش إنتاج السيناريو الذي كتبه، يجد نفسه في قلب لعبة إغراء مزدوجة، تسعى بموجبها الممثلة إلى استمالته بجسدها، بينما يطمح المنتج إلى وضع اليد على تصوّر الفيلم، وتحويله من فيلم مؤلف إلى مُنتَج هوليوودي بالغ التنميط. ولعل حضور اللعوب توني، ابن عم أمين، ومراودته الممثلة، يخلقان مربع رغبة غير اعتيادي، تقع في قلبه ثنائية خيانة أمين روح فيلمه، وخيانة الممثلة زوجها. يبدو اختيار الخيال العلمي لسيناريو أمين، وقصة حب بين آدمي وأنثى روبوت، تتمكن من تطوير روح له، غمزةً لسطوة هذه المواضيع، وانحسار مساحة الأفلام الاجتماعية. هكذا، يغدو بحث باترسون عن الانعتاق من سطوة زوجها المنتج، وسطحية الأدوار التلفزيونية التي يرسمها لها، انعكاساً لمسار الأنثى الروبوت، خاصة في بحث الممثلة، الحثيث والمرَضي، عن متع تنفخ في حياتها معنى، كأكل الكسكسي الحار، وممارسة الحب على خلفية موسيقى الراي.

في مشهد ذي دلالة لافتة، يحدث انتقال من مشهدٍ بفيلم كلاسيكي، تصف بطلته الحب بـ"فخّ"، وتقول بعينين حالمتين: "لا حب هناك. وحدها الرغبة تهمّ"، إلى شاطئ تتلألأ فيه أجساد الشخصيات المدهونة بزيت الوقاية من أشعة الشمس. يشحذ مونتاج حيوي، ينتقل بين النظرات والأجساد، توتراً إيروتيكياً، على خلفية حوارات عارضة عن برامج الشخصيات، وما ستُقبل عليه، قبل أن ينشب حوار جانبي بين أوفيلي وتوني عن مصير الجنين في بطنها، من دون بريق ثقة يلمع في عينيها عن وعود عشيقها السابق.

تمثّل شخصية أمين، نوعاً ما، أنا أخرى لكشيش، يعبّر مسارها عن انعكاس بروستي لسيرورة تعلّم سينمائي، وتشكّل رؤيته ذهاباً وإياباً بين السينما ـ الفوتوغرافيا والحياة. يدفع القسم الثالث من الفيلم بهذا التوجه بعيداً، حين يقرن جمالية الفيلم داخل الفيلم، والاستعارة الهوليوودية إلى أقصاهما، مُحولاً دفة الحكي إلى محاكاة سيناريو هوليوودي عن جريمة حب، تقترب أجواؤها من "بالب فيكشن" (1994) لكوينتين تارانتينو، بكوميديا فريّة، وتقلبات غير منتظرة تشذّ عن مينيمالية ساغا "مكتوب: حبي".

تحمل المتوالية المشهدية الأخيرة ميلانخوليا المخرج وهواجسه إزاء هشاشة ممارسة سينمائية، دفعته إلى وضع السعفة الذهبية التي نالها عن "حياة أديل" (2013) في مزاد علني، لتمويل فيلمه. كما رهن مصير أفلامه بسبب اختياراته المتطرّفة فنياً. وعسى سلوك موظفي المستشفى العمومي ومرتاديه في هذا المشهد ينهل من التجربة المريرة لكشيش مع تناول إعلامي لقضية سجاله مع ممثلات، عن أسلوبه في إدارتهنّ، طغت عليه الإثارة السهلة، والأحكام الجزافية.

يبدأ "مكتوب، حبي: المقطع الثاني" ببيت شعري من قصيدة "تحليقة الطائر بالأحرى"، لفرناندو بيسوا، الشاعر البرتغالي الشهير بتعدّد وجوهه وأسمائه المستعارة: "اعبر يا طائر، اعبر، وعلّمني كيف أعبر". ربما يجسد هذا فكرة القدرة على الوجود، من دون ترك آثار على الأرض العزيزة على كشيش. في القصيدة نفسها، يقول بيسوا: "ما كان لا شيء، والتذكر ليس رؤية". كأن شاعر الكلمات وشاعر الصورة يلتقيان في بحث مستمر عن زاوية دقيقة، لإعادة كتابة انطباعاتهما الفورية، واختبار تجدد هالة الحياة بفضل إيقاع الطبيعة وسلاسة تحررها من جاذبية الوجودية.

دلالات