معركة تلو الأخرى: أميركا التي تحارب نفسها والعالم

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 07:42 (توقيت القدس)
ليوناردو ديكابريو في عرض الفيلم في المكسيك، سبتمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعكس فيلم "معركة تلو الأخرى" السياسة الأميركية والشعبوية من خلال تسليط الضوء على تأثير سياسات دونالد ترامب المعادية للمهاجرين ودور الجيش في السياسة، مما يعكس هيمنة الدولة العميقة.

- تدور أحداث الفيلم في السبعينيات حول مجموعة "الفرنسي 75" الثورية، التي تسعى لاختراق المجتمع الأميركي عبر العنف، وتتصادم مع الجيش، مما يعكس عبثية الثورة ونقدًا لدور الجيش والدولة العميقة.

- يستخدم المخرج الرمزية والفلسفة السينمائية لتصوير الصحراء كرمز لجفاف الروح القومية، ويعزز الإيقاع الدرامي بالموسيقى والصورة، محذرًا من استمرار المسار الحالي للمجتمع الأميركي.

جاء عرض فيلم "معركة تلو الأخرى" (إخراج بول توماس أندرسون، وبطولة: ليوناردو ديكابريو وتيانا تيلور) في توقيت بالغ الدقة في صناعة السينما العالمية، ليضع صورة أميركا دولةً عسكريةً في المقام الأول أمام مشاهدي السينما، ويمنحهم فرصة كاملة للحكم على تأثير السياسة الأميركية على ذواتهم ودولهم، وهي الآن في طور الشعبوية الباطشة المعادية للآخر، حتى على أراضيها، في صورة مهاجرين يلوذون بها بعد أن خربت سياستها الخارجية أوطانهم.
الفيلم، الذي بدأ التحضير له قبل سنتين، يعكس كثيراً مما عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه وسياسته المعادية للمهاجرين، والتي تصدى لها المهاجرون بالمظاهرات وأعمال الشغب، فأعقبها رد فعل غاشم من قوات الحرس الوطني والجيش الذي أصر ترامب على إشراكه في معركته السياسية لرفع شعبيته. وقد شهد عهده أول عرض عسكري أميركي، أراد من خلاله تأكيد هيمنته وفرض الأمر الواقع على غرار ديكتاتوريات العالم الثالث، من دون أن يكون للمواطنين أي حق في إبداء الرأي أو تغيير مسار السياسة.

تبدأ قصة الفيلم في سبعينيات القرن الماضي مع المجموعة الثورية "الفرنسي 75"، المتأثرة بالحراك الثوري في أوروبا ضد الشمولية، والتي تسعى لاختراق مثيلتها في المجتمع الأميركي عبر عمليات عنف وسرقة وتدمير لمؤسسات الدولة الرأسمالية.
يقود المجموعة ثنائي محب وثائر هما بيفرلي هيلز (تيانا تايلور) وبوب فيرغسون (ليوناردو دي كابريو). تتقاطع مسارات المجموعة في إحدى هجماتها على مجمع لاحتجاز اللاجئين مع الكولونيل في الجيش الأميركي لوكجو (شون بين)، الذي يتتبعهم لاحقاً ويبدأ بالتهديد والضغط للقبض على غالبية أفراد المجموعة النشطة.
لا يقدم المخرج أندرسون في فيلمه ملحمة حربية على غرار أفلام الدعاية الأميركية، بل الوجه المعاكس لها: مهزلة وطنية مسلية للداخل الأميركي، يغلب عليها العبث والعنف، في ترابط فكري وجسدي أكثر تماسكاً من معظم الإنتاجات الأميركية الأخيرة. النقاش الذي يفتحه المخرج حول دور الجيش والدولة العميقة في تشكيل الواقع الأميركي، يمنح العمل بعداً نقدياً حاداً يقرأ اللحظة الراهنة ويعيد تعريف وظيفة الفن أداةَ مساءلةٍ للسلطة.

تظهر حركةُ "الفرنسي 75" ثورةً بلا رؤية، مدفوعة بالعاطفة والانفعال، أقرب إلى آلة شعورية تتفجر بعد عقود من الانغلاق والسياسات السلبية في أميركا. أعضاؤها متضاربون في قراراتهم وانفعالاتهم، وتجسد هذا التناقض شخصية بيفرلي هيلز بوصفها امرأة مفرطة في رغبتها الجنسية، ترى في العنف وسيلة لتبرير وجودها الضيق.
وبعد سلسلة من الاندفاعات غير المحسوبة، تُعتقل بيفرلي وتدلّ على أسماء رفاقها، ثم تهرب إلى كوبا والجزائر، حيث تمارس الفعل الثوري بوصفه سياحةً أو حلماً بعيداً، بلا رؤية سياسية حقيقية على الأرض.
الأهمية الأدبية والفكرية تبلغ ذروتها مع شخصية الأستاذ الجامعي، أحد أعضاء الحركة السابقين، الذي اختار أن يواصل نقد المجتمع الأميركي من موقعه الأكاديمي، عبر محطة إذاعية بسيطة. هذا الوجود يرمز إلى بقاء صوت الفكر والمعرفة مقاومةً داخل النظام الرأسمالي، وإلى دور الجامعات بوصفها مؤسسات توازن القوى وتمنع استشراء الفاشية.
يظهر الأستاذ الجامعي (دون شاريتون) في حالة إنهاك وملابس متواضعة، تعبيراً عن واقع الأكاديميا الأميركية تحت سطوة رأس المال. يختطفه الجيش بمساعدة قاتل مأجور من السكان الأصليين، لتكميم صوته وسط علو صوت المؤسسة العسكرية وسطوتها على الحياة المدنية.

وجود الكولونيل لوكجو يجسد ما يمكن أن تخلقه الشعبوية السياسية في نسختها "الترامبية" حين تمتزج بالقوة العسكرية. إنه الصورة المادية لجسد أميركا العسكري الذي اعتاد السيطرة على الخارج منذ الحرب العالمية الثانية، وها هو الآن يعود ليحكم الداخل.
الملابس المدنية التي يرتديها الكولونيل، مع الأداء الجسدي لـ"شون بين" الذي حافظ على مشيته العسكرية طوال الفيلم، عكسا مزيجاً من القوة الفارغة والهزل، لرجل متوسط القدرات شديد البنية، أقصى مؤهلاته قدرته على استخدام العنف المركز وقتما يشاء. ومن خلال هذا العنف، يسعى للانتماء إلى الدولة العميقة والانخراط في منظومتها.

العبث والكوميديا في الفيلم يتمركزان حول شخصية بوب الغارقة في المخدرات واللهو، بعد ماضٍ ثوري في شبابه. حين يرتبط بجماعة سرية اسمُها "مغامرو عيد الميلاد"، يجد نفسه أمام كيان مخيف ومليء بالشر التافه.
تأتي هذه الجماعة صورةً مصغرةً للدولة العميقة الأميركية، بمعتقدات شبه دينية صارمة عن النقاء العرقي والطموح السياسي إلى درجة القتل. يسخر المخرج من تزمتها عبر تصويرها بطريقة كرتونية فاقعة: ألوان زاهية، وديكورات صاخبة، وملابس مبالغ فيها، حتى في مشهد استجوابها للكولونيل الذي يشترط للانضمام إليها ألا يكون قد خضع لأي فحوصات نفسية أو عقلية!
تصل حالة الاحتقان العسكري التي تمارسها قوات الأمن ضد المهاجرين إلى ذروتها، فالمعاملة مع المواطنين العاديين تتحول إلى حرب. عسكرت الدولة المجتمع بأكمله، والجيش يقود الأمن في مواجهة المدنيين. بعد عرض الفيلم، يعقد ترامب اجتماعاً مع قادة الجيش ويوصيهم بمواجهة "العدو الداخلي" — دائرة مغلقة من العربدة العسكرية، كما يصورها أندرسون.
يظهر القاتل المأجور من السكان الأصليين ليعكس الضمير الأميركي المطمور. بعد أن يوصل الطفلة ويلا إلى حديقة يقطنها مرتزقة سابقون في الجيش الأميركي، يمتنع عن قتل الأطفال كما يُطلب منه، بينما المرتزقة لا يترددون في ذلك.
تتبدل دوافعه فجأة، فيتحول من خضوعه السابق إلى آلة قتل بلا مبرر ضد المرتزقة أنفسهم، ربما ليفسح المجال للطفلة بالنجاة، وربما ذلك منه صرخة ضد استسهال القتل الذي مارسه هؤلاء حتى بحق شعبه من السكان الأصليين.
اعتمد أندرسون، بمشاركة مدير التصوير مايكل بومان، على إبراز مساحات شاسعة من الصحراء الأميركية في مشاهد معركة تلو الأخرى رمزاً لجفاف الروح القومية وقسوة البنية العسكرية.
المواقع التي دارت فيها الأحداث، خصوصاً في صحراء إلباسو، سبق أن احتضنت أفلاماً نقدت الشمولية الأميركية مثل Sicario وNo Country for Old Men.
الصورة الفيلمية والموسيقى تماهتا إلى أقصى حدّ؛ إذ بلغت الإيقاعات ذروة التشويق باستخدام مفتاحي بيانو فقط، لتجسيد ثنائية ضيقة تعبّر عن الفراغ الوجودي والخطر الكامن في اللحظة السياسية الراهنة.

في مشهد المطاردة قبل النهاية، يختصر المخرج فلسفة فيلمه عبر ثلاث سيارات ترمز إلى ثلاث عينات من المجتمع الأميركي: الأولى تحمل القاتل حليف الدولة العميقة، والثانية بوب فيرغسون، المواطن العادي، والثالثة الطفلة ويلا، رمز المستقبل والرغبة في النجاة.
تتداخل الكاميرا صعوداً وهبوطاً في مشهد طويل يمثل مجازاً للصراع بين الماضي والحاضر والمستقبل — من يهرب، ومن يحاكم، ومن يعبر إلى الغد.
بهذا المشهد، يقدّم أندرسون خلاصة فلسفته السينمائية راصداً لتحولات المجتمع الأميركي منذ نشأته، وقيمةً تحذيريةً مما قد يأتي إن استمرّ هذا المسار كما هو عليه اليوم.

المساهمون