محمد حمدي (1/ 2): "صُنع فيلم يستلزم احتراماً ووقتاً وتفرّغاً كثيراً"

08 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 09:39 (توقيت القدس)
محمد حمدي: اشتغالي بالسينما ممارسة سياسية بامتياز (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "مُعطّراً بالنعناع" (2024) للمخرج محمد حمدي يتميز بسرد سينمائي فريد يبتعد عن القوالب التقليدية، ويركز على شخصيات تعاني من الاغتراب في فضاء قاتم، مع مشاهد تعكس خيبة الأمل والهزيمة.
- محمد حمدي، بعد 14 عاماً كمدير تصوير، انتقل للإخراج ليعبر عن اهتمامه بالذاكرة السياسية والاجتماعية، متأثراً بالأدب العربي، ويقدم رؤية سينمائية مختلفة عن التصور الغربي.
- رغم عدم فوزه في مهرجان مراكش، حظي الفيلم بتقدير لجنة التحكيم، ويبرز فيه مشهد لقصيدة أمل دنقل، معبراً عن الألم السياسي وتاريخ مصر.

 

اشتغل محمد حمدي مديرَ تصويرٍ في عقد ونصف العقد، مُضيئاً أعمالاً عدّة، أشهرها "الميدان" (2013)، وثائقي جيهان نجيم، قبل أنْ يقرّر إنجاز فيلمه الطويل الأول بصفة مخرج، بحثاً عن أفق تعبير أرحب، وأكثر إخلاصاً لما يمور بداخله.

يكمن تفرّد "مُعطّراً بالنعناع" (2024)، في انزياحه عن قوالب السرد الجاهز، وتوخّيه جماليات مجازفة وغير مسكوكة، يعكس وازع البحث عن الذات، ويبلور طرحاً غير مُهادن ومفتوح على إمكانيات واسعة للتأويل والقراءة، يتمحور فحواها حول تجربة جيل ثورة "الربيع العربي"، ومناخ خيبة الأمل والهزيمة المنبثق من تعثّراتها.

ككل الأعمال السينمائية التي لا يُمكن أنْ تُحكى سوى بلغة الصوت والصورة، لا يحتوي "مُعطّراً بالنعناع" على قصة أو حبكة بالمعنى الكلاسيكي. شخصياته مسكونة بالاغتراب، وفضاء قاتم تحكمه أجواء كثيفة وآسرة، نُحتت من خامات ظلام ودخان. وسط قاهرة ديستوبية المعالم، نتابع في المَشاهد الأولى الطبيب بهاء (علاء الدين حمادة)، المسكون بإخفاق في علاقة حب، تعبّر عنها رسالةٌ من محبوبته لا تفارق جيبه، ولا تجفّ من بلل أصابها مهما جفّفها. يستمع بهاء مستلباً وسط عيادته لأم تشكو بثّها حول ابنها الذي "يرفض أنْ يموت". هناك مهدي (مهدي أبو بهات)، صديقه القديم بالعيادة، الذي يحكي له عن حالته الغريبة: أوراق نعناع أخذت تنمو وسط شعره المجعّد، والسبيل الوحيد لوقف نموّها تدخين الحشيش. إذا تُركت البراعم، فإنها تتقوّى وتتحوّل إلى نباتات كاملة، وتجذب رائحتها ظلالاً متحرّكة، تطارد الناس في شوارع المدينة.

هكذا يتجوّل الرفيقان معاً بين بنايات متداعية، ويقيمان في بيوت مهجورة، باحثَين عن معنى ما لما يجري في أحوال رفاقهما السابقين.

تتأمّل كاميرا حمدي في الأجواء بلقطات ثابتة، أو شديدة البطء في حركتها، بينما تُلقي الشخصيات، بين فينة وأخرى، جمل حوار نادرة، وفق اقتصاد حكي لا يشذّ عنه سوى مشهد بديع لإلقاء قصيدة "مقابلة خاصة مع ابن نوح" لأمل دنقل. يمثّل هذا المشهد، بغرابته وجماله العصيّ على الوصف، أحد أقوى لحظات السينما العربية في السنوات الأخيرة، وأشدّها رسوخاً في الذاكرة.

لم يرد "مُعطّراً بالنعناع" في لائحة الأفلام المتوجة في المسابقة الرسمية للدورة الـ21 (29 نوفمبر/ تشرين الثاني ـ 7 ديسمبر/ كانون الأول 2024) لـ"المهرجان الدولي للفيلم بمرّاكش"، لكنه حضر في اختيارات رئيس لجنة تحكيمها، الإيطالي لوكا غوادانيينو، لأفضل الأفلام التي شاهدها سنة إطلاقه، في إشارة إلى أنه ربما دافع عنه من دون أنْ يلقى مساندة من أعضاء اللجنة.

بمرّاكش، حاورت "العربي الجديد" محمد حمدي في حوار عن منبع فكرة الفيلم، والأبعاد السياسية لطرحه، وتأثّر المخرج ببُنى الأدب العربي، وبانعكاس تجربته الخاصة مع ثورة "الربيع العربي" على تصوّره للفيلم، ورؤيته بشأن المواضيع التي تطرّق إليها، كتدخين الحشيش، وممارسات التديّن.

 

(*) الفيلم بالغ التفرّد، ما يطرح بإلحاح سؤالاً عن منبع الفكرة من ورائه. أكانت صورة، أمْ شخصية معينة، أمْ مناخاً مُحدّداً؟ أو ربما مجموع هذه الأشياء؟

هذا سؤال يدعوني إلى تحديد شعرة وسط ضفيرة شعر. هناك دوافع عدّة وراء صنعه. لكنْ، ما أتذكّره أنّ فضولاً شديداً لازمني حيال فكرة الذاكرة وغرابتها. فلا يُمكن للإنسان اختيار ما يبقى في ذاكرته وما يطرح منها. وكيف أنّ ما يتبقى فيها وما يُلقى منها ليس مرتبطاً بإرادة الإنسان. الدافع الأول كان التفكير في مفهوم الذاكرة السياسية ببعدها الاجتماعي، ارتباطاً بتجربة جيل معين، أكثر من الاهتمام بصراع القوى في البلد.

هناك سبب آخر، شخصي: اشتغلت مدير تصوير 14 عاماً تقريباً، ووصلت إلى مرحلة لم أعدْ فيها سعيداً بما يُقدَّم لي من مشاريع، فكنت بحاجة إلى اتّخاذ قرار راديكالي: التوقّف عن الاشتغال في التصوير.

 

(*) ألم يكن لديك طموح الانتقال إلى الإخراج يوماً ما؟

كان ينتابني هاجس الاهتمام بالإخراج السينمائي، والكتابة للسينما أيضاً. لكنّ صنع فيلم يستلزم احتراماً ووقتاً وتفرّغاً كثيراً، ولم يكن بوسعي الاضطلاع بها على هامش انشغالي بالتصوير. كان قرار التفرّغ صعباً، لكنه شكّل دافعاً أساسياً لصنع الفيلم.

 

(*) تحدثت عن الجانب السياسي في الفيلم، بتقاطعه مع الهمّ الاجتماعي. كل المواضيع سياسية بطريقة ما كما يُقال، وربما كانت طريقتك الأفضل لتسجيل موقف سياسي اختيارك شكلاً مُتطرّفاً له.

صحيح. مجرّد أنْ تصنع فيلماً بهدف عرضه للجمهور يُعدّ فعلاً سياسياً. أنا غير مُقتنع بوجود مفهوم للجمال في ميدان محايد. الجمال صراع سياسي في العمق. من يُحدّد الجمال؟ ما الجميل؟ من لديه السلطة والنفوذ ليحدّد هذه الأشياء؟ كلّها أسئلة سياسية في العمق. لذا، اشتغالي بالسينما ممارسة سياسية بامتياز، لا يمكن الخجل أو الاختباء منها. بالعكس، هذا ينبغي إعلانه وخوضه بمنتهى الشجاعة.

 

سيّد رجب حارساً عقار "19 ب": نظرة إلى زمنٌ ولّى (الملف الصحافي)
سينما ودراما
التحديثات الحية

 

(*) لعل أهم موقف جمالي وسياسي فيه طول اللقطات. منذ اللقطة الأولى على حقل النعناع، تختار تحدّي السائد والشائع بلقطة طويلة، تعطي نغمة الفيلم، وتعلن أنّ ما سنشاهده مختلف وغير مُهادن.

لن أخفي عنك أنّي منشغل بشدة بمسألة الأسطورة العربية وبنائها. لستُ متخصّصاً بالأدب العربي، لكنّي متأثر جداً بكتابات عبد الفتاح كيليطو وأفكاره عن الشكل والبناء في إطار الأدب العربي. هذا الاهتمام دفعني إلى قراءة أدب ابن المقفع و"ألف ليلة وليلة" و"البخلاء" للجاحظ.

انطلاقاً من معرفة هذه المراجع، أطمح إلى أنْ... (يتردّد). لن أنجح في ذلك على الأرجح، لكنّي أحاول على الأقلّ تخيّل شكل آخر يخالف التصوّر الغربي في بناء الأفلام.

 

(*) بالحديث عن الجانب الأدبي، هناك قصيدة أمل دنقل "مقابلة خاصة مع ابن نوح" التي تحتلّ أهمية بالغة في الفيلم، إذْ تتكرّر ثلاث مرات من زوايا نظر ورؤى مختلفة، تحديداً في مشهد طويل، وربما مفتاحي، من أبدع ما شاهدتُ في السينما العربية في السنوات الأخيرة. ماذا تمثّل لك هذه القصيدة؟

لها ارتباط بحدث في حياتي. كنت أقيم في نيويورك، وشاهدت بداية "ثورة يناير" مصادفة على التلفاز، لأنّي لم أكن مشتركاً في أي وسيلة للتواصل الاجتماعي. قررت التوجّه إلى مصر في 24 ساعة. اتصلت بوالديّ هاتفياً، فأبديا انشغالهما بانعدام الأمن والاضطرابات. قلقتُ عليهما. بحكم أنّ خلفيتي التعليمية حتّمت عليّ أنْ أتطلّع إلى المعرفة الغربية في كلّ مناحي الحياة، أحدثت الثورة في مصر انقلاباً مهمّاً في وعيي، بغض النظر عن فشلها والإحباط السياسي الناتج منه.

لا أدين الثورة، ولا أدافع عنها. لكنّي أدركتُ بفضلها البعد العربي في ثقافتي، وهذا لم يُتح لي في ظلّ النظام التعليمي الذي تلقّيتُه. قصيدة دنقل من أولى القصائد العربية التي قرأتها عن وعي، فولّدت عندي فضولاً حول الثقافة والأدب العربيين. استخدامها ليس افتخاراً بها أو بجودتها، بل لارتباطها بحادث شخصي فارق في حياتي، ومشترك مع أصدقاء كثيرين لي. بفعل رومنسية الثورة، رحنا نحفظ القصائد ونتجاذب أطرافها معاً. كان لذلك تأثير كبير عليّ، لأنّي بدأت بفضله أمارس الشعر كفعل اجتماعي، لا غنائي فقط. كان لالتمامنا حول قصيدة شعرية بعدٌ اجتماعي مهم.

 

(*) لا أعرف لماذا ذكّرتني القصيدة وكلماتها بأجواء "المومياء" لشادي عبد السلام.

ربما لأنهما يعبّران عن الألم نفسه، لإنجازهما بعد هزيمة "يونيو 1967" وإحساس النكسة. هناك وجعٌ معيّن في مصر مرتبط بهذا الحدث التاريخي، كان حبيساً، وباعتقادي لا يزال حبيساً.

 

(*) أكان مهماً استعمالك هذه المراجع لربط الحاضر بالماضي، واستحضار ذاكرة التاريخ؟

الموضوع أنّ هناك وجعاً سياسياً متّصلاً. لا أقرأ التاريخ على أساس أنّ الأحداث تشكّل نقطة بداية أو نهاية. هناك علاقة تفاعلية مستمرة بين الأحداث، واتصال بينها، نجم عنه إحباطٌ عام في المجال السياسي يخيّم على الأجواء في مصر، وأظنّ أنّ منبعه لا يزال "يونيو 1967".