فيلم "الأوديسة" لنولان... موسيقى وزر الرجل الأبيض

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 21:12 (توقيت القدس)
الموسيقي لودفيغ غورانسون في لندن، 6 يوليو 2026 (غاريث كاترمول/ Getty)

قلّما أثار فيلمٌ نقاشاً ضمن الثقافة الجماهيرية حول العالم كالذي استبق وواكب وأعقب صدور فيلم "الأوديسة" للمخرج البريطاني كريستوفر نولان، المقتبس من ملحمة الشاعر الإغريقي هوميروس، ما يذكّر بالضجة الإعلامية التي صاحبت الجزء الأول من «جوراسيك بارك» (1993، إخراج ستيفن سبيلبرغ).

وإذا ما اقترنت مشاهدة فيلم "الأوديسة" بالاستماع إلى موسيقاه التصويرية التي ألّفها السويدي لودفيغ غورانسون (41 عاماً)، فسيتجلّى للأذن، كما للعين، كيف أن المادة السمعية لم تقف عند حدود التزويق التشكيلي أو التوجيه الدرامي، وإنما تجاوزتها لتكوّن عناصرَ دالّةً على جملة الرموز التي تضمّنتها ملحمة نولان السينمائية، فضلاً عن تجسيدها صوتيّاً للمخيال ذي المركزيّة الغربية الذي استُوحيت منه، أكان ذلك بفعل تموضعٍ ثقافي أم مواءمةً لذائقة الجمهور المستهدف، أو الاثنين معاً.

عند المقارنة بالملحمة الأصلية، التي يُعتقد أن هوميروس جمعها بدوره من قصصٍ شعبية توارثها الإغريق القدماء وتناقلوها شفهياً على شكل أشعارٍ، يبدو نولان، من خلال الشكل، كمن يستميل اليسار ويسار الوسط الأميركي خصوصاً، والغربي عموماً، بمراعاته التمثيل الهويّاتي وإسناده أدواراً عدّة إلى أصحاب البشرة السوداء. أما المضمون، فيخاطب الوسط الليبرالي واليمين المحافظ، عبر إسقاط مسلكيّة يهو-مسيحيّة على بطل الأوديسة، غريبة عن معتقدات اليونانيين القدماء.

من زاويةٍ موسيقيّة، تُسمع مقطوعة "السيرينات" (The Sirens) بمثابة لحنٍ قائد (Leitmotif) يؤطّر المرجعية الأخلاقية والمعاناة النفسية للشخصية الرئيسية "أوديسيوس" (يؤدّيها الممثّل مات ديمون). واللحن القائد هو فكرة موسيقيّة يقترن سماعها بشخصيةٍ ما أو حبكةٍ معيّنة، ووضعه غورانسون ليُعزف على آلةٍ نفخيّة يونانية قديمة تُدعى الأولوس، مكوّنة من قصبتين مثقّبتين تُفتح ثغورهما وتُغلق بواسطة رؤوس الأصابع، بما يتيح إصدار خطّين لحنيين متزامنين، أو تثبيت نغمةٍ ممتدّة على إحداهما مقابل تنويع النغمات على الأخرى؛ ما يجعلها شديدة الشبه بآلة اليرغول الفلسطينية.

بحسب هوميروس، تُحذّر الإلهة سيرسي، ابنة إله الشمس هيليوس، أوديسيوس، وهو يهمّ بمتابعة الإبحار بحثاً عن طريق العودة إلى الوطن، من أنه سيمرّ بجزيرة تسكنها حوريّات يُدعين "السيرينات"، يمتلكن صوتاً ساحراً يسلب القلوب، إلا أن في ثنايا غنائهن معارفَ وأسراراً يطمح إلى حيازتها. ولكي يسلم طاقمه من إغوائهن، ينبغي له سدّ آذانهم بشمع العسل. أما هو فعازمٌ على الإنصات إليهن، لذا، فقد أمر بربطه إلى السارية وترك أذنيه مُصغيتين. وما إن بدأ المركب بالاقتراب حتى تناهى إليه الغناء شديد العذوبة، فأخذ يتلوّى ويتوسّل إلى رجاله كي يفكّوا الحبال وينهوا العذاب، غير أن الوثاق كان محكماً، فيما بقيت الرغبة آسرة جارفة. في فيلم "الأوديسة" ستتحوّل عذوبة غناء الحوريّات إلى موسيقى آليّة تؤدّى على قصبتَي الأولوس، فيما تُستبدل المعارف والأسرار بنذيرٍ يأتي بمثابة تحذير من عذاب الضمير؛ وكأنما ثمة ربطٌ دلاليٌّ بين السيرينات والمعنى الآخر للكلمة نفسها في الإنكليزية: صفّارة الإنذار. وحين يُسأل أوديسيوس، في المشهد التالي، عمّا سمع من الحوريّات، يتحدّث عن ألمه جرّاء أفعاله وإخفاقه في الوفاء بعهوده. وبذلك، لا يظهر البطل بوصفه مغواراً واسع الحيلة شديد البأس فحسب، كما صوّره هوميروس، وإنما أيضاً بوصفه شخصيّةً تحمل سمات اضطراب ما بعد الصدمة الذي شاع بوصفه تشخيصاً نفسيّاً في الربع الأخير من القرن العشرين، ولا سيما لدى الجنود الأميركيين العائدين من حرب فيتنام، قبل أن يتكرّر تشخيصه لدى من حاربوا في أفغانستان والعراق.

يُسمع لحن "السيرينات" مرّة أخرى قرب نهاية فيلم "الأوديسة" مصاحباً لمشهد عودة أوديسيوس إلى مملكته ولقائه زوجته بينيلوبي التي كابدت مرارة انتظاره سنينَ طويلة، وهو متخفٍّ ومنتحلٌ صفة متسوّل، يحدّثها من خلف حاجز خشبي، في وضعية أشبه بالاعتراف لقسٍّ في كنيسة، بحضور شبح فتاة من ضحايا حرب طروادة، كان البطل شاهداً على جزّ عنقها من دون أن يتدخّل لإنقاذها، فبقيت روحها منذ ذاك الحين ترافقه وتحاوره بوصفها تجلّياً نفسيّاً متخيّلاً للذنب الذي يحمله، ونموذجاً لما يُعرف في السينما بـ"الميت الذي لا يهدأ". وبذلك، يجعل نولان من العودة واللقاء بالزوجة والبوح لها لحظةَ تطهّرٍ، يزول على إثرها شبح الفتاة، في إشارة إلى تحقّق الغفران، ثم الخلاص. وهو بذلك يزاوج بين معتقدات مسيحية وموروثات وثنيّة لها أصداءٌ إغريقو - رومانية، استمرّت في أوروبا القروسطية، ثم في الأدب القوطي وصولاً إلى هوليوود.

إلا أن البيئة الأوروبية الغربية في فيلم "الأوديسة" بجماليّاتها القروسطية النورسيّة لا تُخيّم بظلالها على الحبكة ذات الأصول الإغريقية فحسب، بل على كلٍّ من الوسيطين السينمائيين السمعي والبصريّ. فلحن "السيرينات" القائد، المينيمالي الحزين والداكن، وإن احتوى على بُعيدات، أي مسافات ميكروتونية تُعدّ من سمات الموسيقى القديمة للمنطقة، يتناهى غربيّ الطابع، وأقرب إلى أن يكون من وحي العصور الأوروبية الوسطى منه إلى المجال الجيوثقافي لشرق المتوسط الذي خرجت منه الملحمة. وإذا ما أُخذت موسيقى تلك المنطقة بعين الاعتبار، فضلاً عن الترتيل الكنسي البيزنطي عميق الأثر فيها والمتصل بمشرق العالم القديم، فلربما كان اللحن المتخيّل للإغريق القدماء أقرب إلى اليرغول الفلسطيني منه إلى "أولوس" لودفيغ غورانسون، ولعلّ التسجيلات المصوّرة التي أعدّها الباحث الموسيقي السويسري كونراد شتاينمان تقدّم تصوّراً أكثر أصالةً إزاء إعادة البناء التاريخي.

لا يقف الأمر عند الموسيقى، وإنما يشمل الصورة السينمائية؛ فالعباب الذي يجوبه أوديسيوس، بأمواجه الرمادية وسمائه المتلبّدة، يبدو أقرب إلى بحر الشمال منه إلى بحر إيجه. وأما التصوير الداخلي، فداكنٌ ومعتم بدوره، يوحي بأجواء "هاملت" لشكسبير، ولا يعكس حيوية العمران المتوسّطي الزاخر بالزخارف والفسيفساء، خصوصاً بعدما بات ثابتاً اليوم، خلافاً لما كان سائداً بالأمس ومنذ الكلاسيكية الأوروبية في القرن السابع عشر، أن جدران البيوت والمعابد وأسطح التماثيل في أثينا وروما لم تكن، في عزّ الحضارتين اليونانية والرومانية، بيضاء عارية على النحو الذي آلت إليه بفعل الزمن، وإنما مكسوّةً تزهو بالألوان.

من هنا، فإن فيلم "الأوديسة" ليس ملحمة هوميروس الإغريقية بقدر ما هو معضلة الغرب الأخلاقية في لبوسٍ ميثولوجي، أشبه بمرآة فانتازيّة تعكس حال دوله الوطنية ومجتمعاته وهي تواجه اليوم أزمةً وجوديّةً متفاقمةً؛ ولعلّ ذلك ما يجعله مثار اهتمام جماهيريٍّ غربيٍّ منقطع النظير. فمن خلال مخيالٍ استشراقيٍ تقليديٍ يرى اليونان القديمة مشرقاً لأوروبا لا مغرباً لآسيا، وحدّاً فاصلاً لا جسراً واصلاً بين المجال الجيوثقافي "اليهو - مسيحي" والآخرين، وعبر خطابٍ ليبراليٍّ إنسانويٍّ يخطو على حبل التوازنات الهويّاتية الراهنة، يجعل كريستوفر نولان من صرخة أوديسيوس عند سماعه نذير "السيرينات" صوتَ الوزر الذي بات يُثقل كاهل الرجل الأبيض، جرّاء إرث الكولونيالية وهاجس السيطرة المستمر على موارد الأرض وخوض المزيد من الحملات العسكرية، ونداءَ العودة إلى وطنٍ ما أو حضنٍ، تُخفّف عن الشخصيّة الفرديّة المتعولمة، شيئاً من أعراض اغترابها المزمن.