فوتوغرافيا بروس غيلدن... وجوه الغرباء من المسافة صفر
استمع إلى الملخص
- نشأ غيلدن في بيئة قاسية ببروكلين، مما أثر على اختياره لموضوعاته التي تركز على الوجوه، ويعكس معرضه تطور لغته البصرية من خلال تداخل صور الأبيض والأسود مع الملونة.
- رغم الانتقادات التي تتهمه بتشييء البشر، يُحتفى بجرأة غيلدن في كشف الطبقات غير المرئية من الواقع الحضري، ويعتبر الوجه البشري خريطة للحياة.
منذ أكثر من خمسة عقود، يجوب المصور الأميركي بروس غيلدن (Bruce Gilden) شوارع المدن الكبرى، متسلحاً بكاميرا وعدسة واسعة، ومسافة يكاد من خلالها أن يلامس وجوه الناس. معرضه الجديد في فوتوغرافيسكا نيويورك (Fotografiska NYC) بعنوان "لماذا هؤلاء؟" (?Why These)، يقدّم مختارات شخصية من أرشيفه الممتد بين عامي 1979 وحتى 2023. مختارات وصفها غيلدن نفسه بأنها الأفضل في حياته.
المعرض المتواصل حتى الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وقد نُسّق بالتعاون مع فريق "فوتوغرافيسكا" ومشاركة غيلدن، يكشف للزائرين جانباً من روح المصور المتمرّد الذي لم يكف يوماً عن البحث في الوجوه باعتبارها خرائط للحياة، مليئة بالحزن والفرح، والرغبة والخسارة، والانتشاء والانكسار. يقول غيلدن إن الصورة الجيدة في الشارع يجب أن تكون لها رائحة الشارع. هذه الرائحة الحادة، والقريبة، والمتوترة، هي ما يميز صوره ويجعلها أقرب إلى مواجهة مباشرة مع الذات والعالم.
فلاش بروس غيلدن المباغت
يعتمد بروس غيلدن على تقنية استخدام الفلاش المباغت من مسافة قريبة، ما يمنح صوره قوة صادمة، ويكشف تفاصيل قد يهرب منها الآخرون؛ تفاصيل تشكلها تجاعيد محفورة، ونظرات مرتابة، أو ابتسامات متكسرة. هذا الأسلوب الذي جعله أشبه بطفل مشاغب في عالم التصوير الفوتوغرافي، فتح له أبواباً للدخول إلى مجتمعات هامشية، من عوالم المافيا في بروكلين التي نشأ بينها، إلى مدن بعيدة حيث صوّر المهمّشين والمنسيين.
غيلدن، المولود في بروكلين عام 1946، نشأ في بيئة قاسية محاطة بالرجال الأقوياء وملامح العالم السفلي للمدينة. ربما كان هذا المناخ المبكر هو ما دفعه إلى اختيار موضوعاته لاحقاً: هذه الوجوه التي تخفي بقدر ما تكشف، والقصص التي تتوارى خلف العيون الشاردة أو النظرات المتحدية. لم يكن مجرد مصور عابر، بل طرفاً فاعلاً في المشهد، يقتحم المسافة ويُدخل المتفرج في قلب الموقف. العنوان نفسه يحمل إجابة ضمنية: "ولم لا؟". بالنسبة إلى غيلدن، اختيار الأشخاص الذين يصوّرهم ليس سوى امتداد لطريقته في الحياة. هو لا يبحث عن الوجوه الجميلة أو المثالية، بل عن تلك التي تكشف شيئاً دفيناً، وجوهاً لا تستطيع أن تخفي تاريخها. لهذا يبدو المعرض وكأنه دعوة إلى النظر في ما نميل عادةً إلى صرف البصر عنه. هذه الأشياء التي يمكن أن يراها الناس في الشوارع الخلفية، وفي الانكسارات اليومية، أو في الإنسان وهو يواجه هشاشته.
في معرضه "لماذا هؤلاء؟"، تتجاور صور الأبيض والأسود التي شكلت هوية غيلدن المبكرة، مع أعمال ملونة حديثة تعكس تحولات الزمن وتحوّلاته الشخصية أيضاً. الأبيض والأسود يضفي على وجوهه طابعاً قاسياً، أشبه بما يخلّفه الزمن على الحجر. أما الصور الملونة، فتمثل مرحلة لاحقة، تعكس قدرة غيلدن على إدخال الحيوية إلى قسوته المعتادة، من دون أن يفقد صدق المواجهة أو قوة الصدمة. هذا المزج بين المرحلتين يكشف كيف طوّر غيلدن لغته البصرية ليظل معاصراً ومؤثراً، من دون أن يتخلى عن روح المواجهة المباشرة التي طبعت مسيرته.
جانب آخر من تجربة بروس غيلدن يتجلى في عمله الشهير Only God Can Judge Me (الله وحده يستطيع أن يحاكمني)، الذي وثّق فيه وجوه النساء المدمنات اللاتي يعملن في الدعارة في أحد أحياء ميامي الفقيرة. تلك التجربة لم تكن مجرد مشروع تصوير، بل مواجهة شخصية مع ماضيه؛ إذ اعترف للمرة الأولى بأن ملامح تلك النساء ذكّرته بأمه، التي عانت الإدمان وانتهت حياتها بالانتحار. في حكايات هؤلاء النساء، وجد غيلدن صدى لقصته العائلية، ولصمت طويل فرضه قانون المافيا الذي تربى عليه في بروكلين. التصوير هنا لم يكن مجرد ممارسة فنية، بل شكلاً من أشكال العلاج ومصالحة الذات.
احتفاء بالهشاشة
طوال مسيرته، تعرّض بروس غيلدن لانتقادات قاسية، إذ اتهمه بعض النقاد بتشييء البشر أو تحويلهم إلى عرض غرائبي، لكن آخرين رأوا في عمله صدقاً لا يرحم، وجرأة على مواجهة واقع يخشى معظمنا النظر إليه. هذا الجدل وضعه في موقع فريد داخل تاريخ التصوير الفوتوغرافي المعاصر. فهو يقف على خط رفيع بين التوثيق والفن، بين النقد الاجتماعي والاستفزاز الجمالي. صور غيلدن ليست مريحة، لكنها تُجبر العين على النظر من جديد، وتدفعنا إلى مواجهة ما نتجاهله عمداً.
معرض بروس غيلدن يبدو احتفاءً بالهشاشة الإنسانية، فالصور التي يقدمها، سواء بالأبيض والأسود أو بالألوان، تشكّل ما يشبه اليوميات البصرية لعالم يعيش على الحافة. وهي في الوقت نفسه مرآة لرحلة مصور لم يتوقف عن ملاحقة السؤال الأصعب حول قدرة الفوتوغرافيا أن تُظهر الإنسان في أقصى حالات ضعفه، وتحوّل هذا الضعف إلى طاقة قادرة على التأثير في الآخرين.
في مجمل أعماله، يركّز الفوتوغرافي على كشف الطبقات غير المرئية من الواقع الحضري، وغالباً ما تتحدى لقطاته التصورات الجمالية السائدة؛ إذ لا يسعى غيلدن إلى الجمال التقليدي، بل إلى الحقيقة المجردة كما يراها في الشارع. تنبع قوّة أعماله من جرأتها؛ فلا يطلب الإذن في غالب الأحيان، ما يخلق لحظات تصويرية تنبض بالتوتر والصدق في آن. يرى أن الوجه البشري هو خريطة للحياة، وكل تجعيدة أو نظرة تحمل حكاية، لذلك يصبح تصويره وجهاً لوجه بمثابة مرآة تكشف عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي لشخصياته.
المفاهيم الأساسية التي يعمل عليها غيلدن تشمل الصراحة، والهوية، والاغتراب، وأحياناً العنف الكامن في الحياة اليومية. لقطاته تثير تساؤلات حول الحدود الأخلاقية للتصوير الفوتوغرافي، وحدود الخصوصية، وقيمة الصدق البصري. وفي عالم تميل فيه الصور نحو المثالية والتصنّع، تأتي أعمال غيلدن تذكيراً قوياً بأن الصورة يمكن أن تكون أداة صادمة، ولكن أيضاً ضرورية لفهم الواقع والإنسان بعمق. بالنسبة إلى غيلدن، الجواب يكمن في فعل المواجهة نفسه، إذ يقول: "إذا استطاع شخص النظر إلى هذه الصور وشعر بأنه ليس وحيداً في العالم، فقد أنجزتُ عملي".