فرح قاسم (1/ 2): التكرار يتيح مراكمة طبقات من المعنى

02 يناير 2026   |  آخر تحديث: 05 يناير 2026 - 09:59 (توقيت القدس)
فرح قاسم: نشأتُ وأنا أستمع إلى القصائد (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "نحن في الداخل" للمخرجة فرح قاسم يستكشف علاقتها بوالدها الشاعر مصطفى قاسم، ويعكس تداخل الحياة اليومية مع الأحداث السياسية في لبنان خلال فترة انتخابية مضطربة.
- يستخدم الفيلم أسلوب التكرار السردي، مستوحى من طريقة والدها في كتابة الشعر، مما يتيح تراكم طبقات من المعاني وفهمًا أعمق للمدينة والمنزل والعائلة.
- العلاقة بين فرح ووالدها تتسم بالتمثيل والتفاعل، حيث يعكس الفيلم مواضيع مثل الشعر والسياسة والموت، مع التركيز على النافذة كرمز للأمل والانفتاح.

يقع "نحن في الداخل"، للبنانية فرح قاسم، في تمفصل غني وحمّال لطبقات من معانٍ عدّة، بين الخاص والعام، والجمال والالتزام، والذاتية والإرث الثقافي. رغم طابعه الداخلي، المشار إليه في العنوان، تفتح قاسم، عبر تمثّل علاقتها بوالدها الشاعر الراحل مصطفى قاسم، نوافذ مُشرّعة على الأحوال السياسية للبنان، انطلاقاً من أخبار التلفزيون، أو شبّاك غرفتها، حيث تحلّ حمامة تبني عشّاً هشّاً لبيضها، بينما تتحرّك في الخلفية مُدرّعات وشاحنات في ثكنة عسكرية مجاورة. هذا مؤشّر على اضطراب أحوال بلدٍ في فترة انتخابية، قبل أنْ تلوح بوادر ثورة، كسرت من أجلها عدسة المخرجة قيود الانحباس اللامرئية بين الجدران (المنزل العائلي، نادي الشعر، فضاء السيارة، مستشفى وعيادات طبية)، لتعانق الجماهير المبتهجة بشوارع طرابلس (شمالي لبنان).

لمحةٌ دالّة عن أمل، ظلّت قاسم تبحث عنه في قصائد والدها ورفاقه من أعضاء "حلقة الشعراء المُحبطين"، وبين أشياء بالغة الصغر، كاختلاجات فراخ الحمامة على طرف النافذة، وأخرى بالغة العظمة، كمصير مجرّة "درب التبّانة" بعد أربعة مليارات ونصف مليار، بمناسبة نقاش عابر على هامش قصيدة. تنتهج قاسم أسلوب اللازمة السردية (Anaphore)، مُعطية الانطباع بتكرار الوضعيات. لكنّها تتقدّم بتأنّ، بتناولها من زاوية مختلفة قليلاً في كلّ مرة، نسجاً على أسلوب والدها في تجريب الكلمات وتقليب الأبيات، بحثاً عن القافية والإيقاع المناسبين.

"نحن في الداخل" مرثية أوديسية، استحقت عن جدارة الجائزة الكبرى للدورة الـ16 (13 ـ 18 يونيو/حزيران 2025) لـ"المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بأكادير (فيدادوك)"، حيث جرى هذا الحوار معها، عن سيرورة صنع الفيلم، واستجلاء أبرز الأفكار الكامنة وراء مقاربتيه الموضوعية والجمالية.

سينما ودراما
التحديثات الحية

نقطة انطلاق "نحن في الداخل" تتمثّل عند محاولتك كتابة قصائد، ومن ثم الارتباط بشعر والدك. هل حضر هذا الرابط منذ الطفولة في علاقتك بوالدك وباللغة العربية؟

عندما كنت طفلةً، شارك أخي في مسابقة لإلقاء الشعر، وكنت أنظر إليه ساعات وساعات وهو يتدرّب، أو يستعد لإلقاء قصيدة نزار قباني

"غرناطة". لم يكن الأمر يتعلق بالشعر فقط، بل أيضاً بالثقافة والتاريخ العربيين، بـ"نجاحاتنا"، وما تبقى لنا من هذا الماضي، وكيف يتعامل جيلنا مع شعور معين بالهزيمة في عصرنا الحالي.

هذه نظرة إلى ماضٍ بعيد، وفي الوقت نفسه، لا نستطيع المضي قدماً لأننا، بطريقة ما، عالقون بين زمنين. هكذا نشأتُ وأنا أستمع إلى القصائد، وأحتفظ بها في قاموسي، وأتابع والديّ يتعاملان مع واقع الحياة اليومية، ويبنون هويتهما الخاصة. كانت أمي من أشدّ المعجبين بالمتنبي، لذا كنت أمضي وقتاً في حفظ قصائده وإنشادها. كنا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على هذه الخطوط المتوازية، حتى لا يبتعد بعضنا عن الآخر، ويقبل بعضنا فن بعض. كان الشعر شيئاً موجوداً دائماً، لكني لم أفكر أبداً أني سأكتب يوماً ما قصيدة. لم أكن أرغب في ذلك. ما أردته حقاً صُنع نقطة التقاء وتفاوض بين الوسيطين، الشعر والسينما، وأن أرى ما يمكن أن ينتج عن هذا اللقاء أو الصدام بين أب شاعر وابنة تصنع أفلاماً.

في بداية الفيلم، كي نلج إلى عالم والدك، اخترتِ إظهار لحظات اشتغاله على قصائده. يكتب ويُعدّل، ويشركك أحياناً في اختيار الكلمات لتحسين المعاني. في ذلك إحالة إلى نمط لاحظته قليلاً في بنية الفيلم: تكرار المواقف، أي إنك تعيدين المواقف نفسها لتعملي عليها من زاوية مختلفة، وتتقدّمي في الحكي. أكنتِ تدركين هذا النسق منذ البداية؟

شكراً على هذه الملاحظة. سعيدة لأن هذا عنصرٌ عملت عليه قبل أن أدركه لاحقاً. هذا صحيح. والدي يكرّر، يأخذ بيتاً من الشعر، يكتبه ثم يعيد صوغه، ثم يكرّر ذلك في اليوم التالي، فيغيّر كلمة، ثم يضيف أخرى، ويرى كيف يختلف الإيقاع. أمّا عندي، فالطريقة التي اتّبعها والدي في بناء القصيدة تشبه، إلى حدّ كبير، الطريقة التي اتبعتها في بناء الفيلم. جربت ذلك من دون أن أدركه. لكن، هناك دائماً شيء واعٍ في المعادلة. حاولت العمل على هذه التكرارات في رؤية ما يحدث في القاعدة العسكرية من النافذة، إذا انقطعت الكهرباء عن المنزل. ثم ماذا سيحصل إذا انقطعت الكهرباء، وهناك نقطة تفتيش عسكرية قبالة البيت في الآن نفسه. ثم إذا انقطعت الكهرباء وهناك نقطة تفتيش عسكرية، ووالدي بحالة صحية متدهورة، ماذا سيحدث؟

يتيح تكرار الوضعيات رؤية زوايا مختلفة، ما يسمح بمراكمة طبقات معنى، والحصول على فهم أكثر تعقيداً لمدينة ومنزل وعائلة. ما كنت أبحث عنه في التكرار، وأعتقد أنه ما كان يبحث عنه والدي أيضاً، رؤية كيف يتردّد صدى شعره في مختلف حالاتنا الذهنية، لأننا ذوات غير جامدة.

هذا صحيح. في ما يخص علاقتك بوالدك أمام الكاميرا، هناك نوع من التمثيل، الذي يبدأ من اللحظة التي تضعين فيها الكاميرا، ولا سيما أن الشعراء يعرفون كيف يلعبون أدواراً، بكل معاني اللّعب، خاصة حين يقرؤون قصائدهم. هل استغرق الأمر منك وقتاً طويلاً حتى استقرّت هذه العلاقة؟ أعلم أنك سخَّرتِ لها فيلماً قصيراً وآخر متوسّط الطول. كيف تطوّرت العلاقة بوالدك أمام الكاميرا؟

عندما كنت أكتب ملف الفيلم، وصفت والدي باعتباره مؤدّياً، أو لاعب دور فعّالاً في الفيلم، لأنه قادر على أن يكون له جوانب مختلفة، مثلنا جميعاً، لكنه قادر على التحكّم فيها. من ثم، عندما يرغب في قراءة قصيدة أمام جمهور من 100 شخص، يعرف جيداً متى يجب أن يصمت، ومتى ينبغي أن يسترسل في القراءة، ومتى يتوقف وينظر إلى الناس. إنه ينحدر من عائلةِ رواة قصص. جدي وجد والدي حاضران دائماً في مناسبات، تلتئم فيها العائلة كلها لتناول القهوة، فيقرؤون قصيدة، أو يحكون قصة. نشأتُ مع والدي، وكنت أشاركه تلك اللحظات كل الوقت. في الثانية صباحاً، قبل أن أنام، يستيقظ ليستعد لأداء صلاته. في تلك اللحظات، يروي لي شيئاً ما يسمح لي بالسفر بخيالي إلى مكان ما. لكنه، في الوقت نفسه، يسمح لنفسه بأن يكون ضعيفاً وعارياً تماماً، كما أنه ينسحب إلى ركنه عندما يحتاج إلى ذلك، لأنه يحترم نفسه كثيراً. هذا ساعدني على إيجاد المسافة المناسبة معه، لأني أحب أن تكون المسافة بيني وبين بطل الفيلم متغيّرة، ما يسمح لي بالابتعاد في بعض الأوقات، والتقرب في أخرى، حتى لو لم يكن والدي.

بالفعل، لم يكن هذا مشروعي الأول. أول مرة رغبت في تصويره كانت بعد بضع سنوات من وفاة أمي. ونظراً إلى أننا كنا نجد صعوبة في التحدث عن وفاتها وفقدانها، ولم نفتح خزانتها ونزيل أغراضها حتى بعد 10 سنوات من وفاتها، وجدت أن الطريقة الوحيدة للقيام بذلك من خلال فيلم. من ثم، أصبح الفيلم حقاً ذاك الفضاء الزماني، الذي يسمح بلقاء يمكننا فيه التحدث عن شيء ما، ثم الانتقال إلى شيء آخر.

في ذلك جانب "ميتا"، أو بعدٌ آخر يسمح بقبول الأشياء، لأنها تأتي بشكل فني أو إبداعي. وضعت مع والدي فكرة التعاون هاته، ثم تطور الأمر، وصنعت فيلماً آخر معه، لكني لم أرسله إلى أي مكان، لأنه شخصي. ثم أصبح والدي يعرف جيداً كيف أعمل وكيف أصوّر. فهم آلية هذا الوسيط وتدابيره. كان يعلم أننا، بطريقة ما، نلتقي في فضاء وزمان سينمائيين، لنبدع شيئاً عن لبنان والشِّعر والحشود والطبيب والموت والفقدان. أشياء لا يمكننا التحدّث عنها عادة.

يوحي الإيقاع بتناغم المشاهد، وفي الوقت نفسه بأن أغلبها يمكن أخذه على حدة، أفلاماً قصيرة. يذكّر ذلك بأسلوب الفرنسي آلان كافالييه، فلكل مشهد بداية وعرض، وحتى خاتمة. هل اشتغلت على هذا الجانب في المونتاج، أم أنه نتاج "الكتابة"؟ كيف رسّخت هذه الرؤية في التصوير مع والدك بالذات؟

ما أفعله دائماً، وأحب فعله كثيراً، أن أفتح مسارات في بداية الفيلم، ثم السماح لها بالاختفاء، لكن بذرتها تظل موجودة. في لحظة معينة، أو بتأثير مسار آخر، تنمو هذه البذرة وتزدهر النبتة. من ثم، مؤكد أن هناك آثاراً لهذه المسارات المختلفة، الموجودة في الكتابة. كنت أعرف أني أريد التحدث عن هذا الموضوع وذاك. كنت غارقة في كيفية القيام بكل ذلك. الأمر أشبه بالجاز، لديك كل آلاتك الموسيقية، وأحياناً يكون هناك تناغمٌ بينها، وفي أوقات أخرى نبحث عن تنافر، لنعود بعدها إلى نوع من التناغم.

أعتقد أن ما ساعدني أني، عندما كنت أصوّر، وأولِّف مقاطع صغيرة على هامش ذلك، تعيّن عليّ صنع مشاهد قائمة بذاتها لأعرضها على مموّلين وشركاء، لإعطاء نبذة عن الفضاء، والسماح لي أحياناً بالتقدّم، أو أن أعلق بالزمن أحياناً أخرى، لكن يكون فيها دائماً شيء من الاكتمال. انتهيت بصنع مشاهد متشظّية ومكتفية بحد ذاتها، لكنها لم تكن منطقية عند وضعها جنباً إلى جنب. تمثّلت مهمة المونتاج في التفكير في كيفية السماح لهذه الفقاعات الصغيرة من الزمن بالوجود في إطار زمني أوسع.

في القصيدة التي كتبتِها، هناك فكرتا النافذة والأمل، الذي سنتحدث عنهما لاحقاً. النافذة مهمة في الفيلم، إذْ يُستَهَلّ بوالدك مستغرقاً بمشاهدة الأخبار على التلفزيون، الذي يُعتبر نافذة على العالم. هناك أيضاً الفكرة الرائعة للنافذة المُطلّة على الثكنة، مع الحمامة في جنباتها. كيف خطرت لك فكرة النافذة؟

أحب العمل مع قيود، لأنها تسمح لي بالتعمّق. ثم أسمح لنفسي بالتخلّص منها، والذهاب إلى مكان آخر. أردت حقاً الاشتغال على الأماكن الداخلية، لأني نشأت فيها كل حياتي. في طرابلس، عندما كنت أصغر سناً، كنت أخرج مع أصدقائي ووالديّ. لكن، كانت هناك دائماً قيود تنص على أنه يجب العودة إلى المنزل في وقت معيّن، وأنه يجب عدم التحدّث في السياسة أمام الناس، وأن هذا نفعله في المنزل فقط، وأنه يجب عدم التحدث عنه في الهاتف، لأننا مراقَبون.

المساهمون