عابد عباسي: الإعلام في باكستان يُخنق بالقانون والسلاح
استمع إلى الملخص
- المؤسسات الرسمية لا توفر الحماية الكافية للصحافيين، مما يجبرهم على تقديم تنازلات مهنية. الوضع الاقتصادي المتدهور يزيد من صعوبة العمل الصحافي، حيث يتجنب الصحافيون المواضيع الحساسة خوفًا من فقدان وظائفهم.
- تسعى نقابة الصحافيين لحماية الصحافيين من خلال الحوار مع الجهات الحكومية وتنظيم مظاهرات سلمية، لكنها تفتقر إلى الصلاحيات التنفيذية. تعمل على تعزيز أخلاقيات العمل الصحافي وتطوير أدوات للتحقق من الأخبار.
تعيش وسائل الإعلام في باكستان واحدة من أصعب مراحلها، وسط تصاعد القيود والمضايقات على الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، خصوصًا بعد إقرار قانون "بيكا" (PECA) الجديد، الذي يرى كثيرون أنه يشكّل أداة لتضييق مساحة حرية التعبير بدلًا من حماية العمل الصحافي. وفي ظل هذه الأجواء الملبّدة بالانتهاكات الأمنية وضغوط السلطات، أجرى "العربي الجديد" حوارًا مع الرئيس السابق لنقابة الصحافيين في باكستان عابد عباسي للحديث عن واقع الصحافة ومستقبل حرية الإعلام في البلاد.
كيف تصف بيئة العمل الصحافي في باكستان حاليًّا؟
لا شك أن التضييق على وسائل الإعلام ليس وليد اليوم، بل موجود منذ سنوات طويلة. السبب واضح: الديمقراطية في باكستان ضعيفة للغاية. حكم العسكر والانقلابات المتكررة شكّلت العامل الأبرز وراء المعاناة التي تواجهها المؤسسات الإعلامية والصحافيون. كذلك في الفترات الديمقراطية، تلعب المؤسسة العسكرية دورًا خلف الكواليس، وتفرض قيودًا على حرية القول والتعبير لأنها تراها مهدِّدة لمصالحها. في الوقت الحالي، الوضع سيئ جدًّا. ففي عام 2024، احتلّت باكستان المرتبة 152 عالميًّا في مؤشر حرية الإعلام، لكنها تراجعت هذا العام إلى المركز 158 من أصل 180 دولة، والأمور تسير نحو مزيد من التدهور.
ما أبرز التحديات التي تواجهها المؤسسات الإعلامية والصحافيون؟
التحديات متعددة، وأبرزها التدخلات المستمرة من قبل المؤسسات الرسمية والأمنية، التي لا تكتفي بعدم حماية الصحافيين، بل تضيق الخناق عليهم بشكل مباشر. إلى جانب ذلك، تواجه المؤسسات الإعلامية تهديدات أمنية متزايدة؛ فقد سُجّل العام الماضي 168 حادثة تتعلق بالقتل أو الخطف أو الضرب أو التعذيب، فضلًا عن المضايقات الإلكترونية. وأعتقد أن الوضع الحالي أسوأ من السابق.
ما دور المؤسسات المعنية بحماية الإعلاميين؟
المؤسسات الرسمية المعنية بالصحافة لا توفّر الحماية سوى للصحافيين الذين يعملون وفق توجيهاتها ورؤيتها. أما أولئك الذين يحافظون على استقلالهم المهني، فيُتركون بلا أي حماية قانونية. أما المنظمات المحلية والدولية غير الرسمية، فهي تبذل جهدًا لرفع الصوت والتنديد بالانتهاكات، لكن تأثيرها على أرض الواقع محدود للغاية.
كيف ينعكس هذا التضييق على حرية الرأي والتعبير في باكستان؟
تُجبر بعض المؤسسات الإعلامية على حجب الأخبار أو تعديلها لتتماشى مع الرواية الرسمية، وفي حالات كثيرة يُقال صحافيون تحت ضغط حكومي مباشر. كذلك، تُربط الإعلانات الحكومية بمدى خضوع المؤسسات الإعلامية لسياسات السلطات، لتتحول إلى أداة ضغط اقتصادية فعالة. الأخطر أن هناك عصابات مدعومة من جهات نافذة تعمل على ترهيب الصحافيين جسديًّا ونفسيًّا، ما يدفع كثيرين منهم إلى تقديم تنازلات مهنية خوفًا من فقدان وظائفهم أو تعريض أسرهم للخطر.
ما حقيقة قانون "بيكا" الجديد وتأثيره على الصحافة؟
قانون "بيكا" سيف مسلط على رقاب الصحافيين. ومع أنه صيغ ظاهريًّا لمكافحة الأخبار الكاذبة والإساءة عبر الإنترنت، لكن آلية تطبيقه حوّلته إلى أداة لإسكات أي صوت لا يروق الحكومة أو المؤسسات النافذة. العديد من الصحافيين ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي تعرضوا لملاحقات أو تهديدات قانونية بموجبه، فيما فشلت محاولات النقابات والمؤسسات الحقوقية لوقفه أو تعديله، بسبب إصرار صناع القرار على تمريره واستخدامه سلاحًا قانونيًّا ضد المعارضين.
كيف تتعامل نقابة الصحافيين مع هذا الواقع؟
النقابة تعمل ليلًا ونهارًا لحماية الصحافيين، من خلال الحوار مع الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب تقديم الدعم في القضايا الفردية مثل الاعتقال أو الخطف. كما نحرص على تنظيم مظاهرات واحتجاجات سلمية للمطالبة بحماية حرية الصحافة، لكن يجب الاعتراف بأننا نفتقر إلى الصلاحيات التنفيذية، وهو ما يجعل قدرتنا على التأثير في بعض القضايا محدودة جدًّا.
هل هناك ضمانات لحماية الصحافيين عند تناولهم مواضيع حساسة؟
أبدًا، لا توجد أي ضمانات حقيقية. المسؤولية تقع على الصحافي وحده، فيما يقتصر دعم النقابة أو بعض منظمات المجتمع المدني على المساندة القانونية أو الإعلامية، وهي غير كافية. كانت هناك محاولة في عام 2021، خلال حكومة عمران خان، لوضع قانون يحمي الصحافيين بالتعاون مع النقابات والمؤسسات الإعلامية، لكن مع سقوط الحكومة وسجن عمران خان، أصبح ذلك مجرد حلم بعيد المنال.
كيف أثّر الوضع الاقتصادي المتدهور على الصحافة؟
تأثرت الصحافة بشكل كبير بالأزمة الاقتصادية. وفق الإحصاءات الأخيرة، فقد أكثر من 10 آلاف عامل في قطاع الإعلام وظائفهم خلال السنوات القليلة الماضية. بعض المؤسسات أغلقت بالكامل، فيما قلَّصت مؤسسات أخرى شهيرة مثل إكسبريس و92 وجنك أعدادَ موظفيها بشكل حاد. هذا الواقع المعيشي الصعب دفع العديد من الصحافيين إلى تجنب تغطية المواضيع الحساسة خوفًا من فقدان مصدر رزقهم في بيئة مهنية مضطربة وغير آمنة.
كيف تتعامل النقابة مع مسألة الأخبار الكاذبة والمضللة؟
نظّمنا ورش عمل ودورات تدريبية لتعزيز أخلاقيات العمل الصحافي ونشرنا مدونات سلوك واضحة للعاملين في القطاع. كما طوّرنا أدوات للتحقق من الأخبار بالتنسيق مع المؤسسات الإعلامية والجهات ذات الصلة، لتقليل مخاطر تداول المعلومات المضللة وحماية مصداقية المهنة.
ما أولويات النقابة في المرحلة المقبلة؟
أولوياتنا واضحة: العمل على إقرار قوانين لحماية الصحافيين وضمان استقلاليتهم المهنية، وتنظيم برامج تدريبية مستمرة لتعزيز المعايير الأخلاقية والمهنية، ومواجهة الرقابة والمضايقات بطريقة تحمي الصحافيين ولا تعرض المؤسسات للمساءلة، وتأمين الحوار الدائم مع الجهات الرسمية وغير الرسمية لتطوير العمل الصحافي ورفع جودة المحتوى الإعلامي.