"صوت هند رجب".. صرخة طفلة من غزة تهزّ مهرجان فينيسيا السينمائي

03 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:33 (توقيت القدس)
كوثر بن هنية مع جائزة أفضل وثائقي عن فيلمها "بنات ألفة" (مونيكا شيبر/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة كوثر بن هنية، مستوحى من قصة الطفلة هند رجب التي قُتلت في غزة، ويستخدم تسجيلها الصوتي الحقيقي لتسليط الضوء على معاناة المدنيين تحت القصف الإسرائيلي.
- يركز الفيلم على الأحداث داخل مركز عمليات جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، معتمدًا على قوة الصوت والتفاعل العاطفي للممثلين الفلسطينيين، دون إظهار مشاهد عنف مباشرة.
- يُتوقع أن يكون الفيلم من أبرز أفلام مهرجان فينيسيا وموسم الجوائز، ويمثل تونس في سباق الأوسكار، مسلطًا الضوء على الواقع المأساوي في غزة.

في يناير/ كانون الثاني 2024، ناشدت طفلة في السادسة من عمرها تُدعى هند رجب كانت عالقة داخل سيارة مثقوبة بالرصاص في مدينة غزة، من أجل إنقاذها. لكن الاتصال انقطع مع سيارة الإسعاف الأولى التي حاولت الوصول إليها. وبعد 12 يوماً، عُثر على هند، وخمسة من أفراد عائلتها، إضافة إلى مسعفين اثنين، جثثاً هامدة.

أحدثت هذه القصة، وصوت هند في التسجيل الصوتي المؤلم الذي انتشر حينها، صدىً واسعاً ألهم الأغاني وحركات الاحتجاج، والآن فيلماً جديداً للمخرجة التونسية كوثر بن هنية.

الفيلم بعنوان "صوت هند رجب" (The Voice of Hind Rajab) يُعرض للمرة الأولى الأربعاء ضمن مهرجان فينيسيا السينمائي. وهو وثيقة صادمة عن الحرب التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين في قطاع غزة. تدور أحداثه بالكامل داخل مركز عمليات جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. يستخدم الفيلم التسجيل الحقيقي لنداء هند، فيما يؤدي ممثلون أدوار المسعفين.

صرّحت بن هنية لوكالة أسوشييتد برس قائلة: "عندما تسمع صوتها تشعر بالعجز". وكانت ابنة عم هند، ليان، التي كانت في السيارة نفسها، قد أخبرت العائلة قبل مقتلها بأن القوات الإسرائيلية أطلقت النار عليهم. وقال الهلال الأحمر إن قوات الاحتلال أطلقت النار أيضاً على سيارته الإسعافية. وعندما طُلب تعليق من جيش الاحتلال الإسرائيلي، اكتفى بالقول إن "الحادثة لا تزال قيد المراجعة"، من دون تفاصيل إضافية.

وخلال الأيام الـ12 التي تلت فقدان الاتصال بهند والمسعفين، انتشر التسجيل الصوتي بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي. عند الاستماع إليه، شعرت بن هنية – بحسب تعبيرها – بأنها مدفوعة لفعل شيء من أجل الصوت البريء الذي سمعته: "شعرت وكأنها تطلب مني أن أنقذها. أعلم أن ما أقوله غير عقلاني، لأنني كنت أعلم أن المأساة قد وقعت بالفعل. سألت نفسي: ماذا يمكنني أن أفعل؟ وأنا لا أعرف سوى أمر واحد: أن أحكي القصص".

ازدادت قناعتها بعد أن استمعت إلى التسجيلات الكاملة للمكالمات في ذلك اليوم. كان الإلحاح لإنجاز الفيلم شديداً لدرجة دفعتها إلى تعليق مشروع آخر كانت تجهّز له، والعمل بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. "كنت أشعر بحالة طوارئ، وقد نقلت هذا الشعور إلى الجميع"، كما وصفت.

خطوتها الأولى كانت لقاء والدة هند، وسام حمادة، التي منحتها "بركتها" وروت لها تفاصيل عن ابنتها، من حبها للبحر إلى حلمها بأن تصبح طبيبة أسنان. ثم شرعت باختيار طاقم التمثيل، الذي ضم سجى كلّاني، معتز مليس، كلارا خوري، وأمير خليل، مؤكدة أنها أرادت أن يكون الممثلون فلسطينيين.

بالنسبة إليها، كانت النصوص الأصلية موجودة، وما عليها سوى إيجاد لغة سينمائية لتجسيدها. القصة بطبيعتها تحمل عناصر إنقاذ عاجل، مشاعر متفجرة، وتعقيدات بيروقراطية خانقة، لتتشكل درامياً كفيلم إثارة على طريقة هوليوود، لكن من دون نهاية سعيدة. توضح بن هنية: "ما يحدث في هذه القصة وفي غزة عموماً يتجاوز الخيال. لم أكن بحاجة إلى اختراع شيء، وهو أمر جنوني. التسجيل يبدأ بموت ابنة عمها. والآن هناك طفل آخر علينا إنقاذه".

واحدة من قراراتها الأساسية كانت تجنّب إظهار صورة طفلة محاصرة داخل سيارة مليئة بالجثث. فقد أبقت الكاميرا داخل مركز الهلال الأحمر فقط. تقول: "لم يكن يهمّني كثيراً عرض صور الرعب، لأننا نراها في كل مكان على الإنترنت. هذا لا يعني أنها بلا أثر، لكن العالم أصبح متبلداً. شعرت أن الطريقة الأمثل لسرد القصة هي من هذا المنظور. وكأن صوت هذه الطفلة وُضع بين يديّ كشيء مقدّس".

عملية صناعة الفيلم كانت مشحونة بالعاطفة. كثيراً ما انخرط أفراد الطاقم في البكاء، والممثلون بدورهم تأثروا بشدة، إذ تفاعلوا مع صوت هند الحقيقي، ورددوا كلمات تكاد تكون مطابقة لما قاله نظراؤهم في الواقع. تعلق بن هنية: "هم ممثلون عظماء، لكن رد فعلهم أمام هذا الصوت تجاوز التمثيل".

يُتوقّع أن يكون "صوت هند رجب" من أكثر أفلام المهرجان وموسم الجوائز تأثيراً. وبعد اكتماله واختياره لمهرجان فينيسيا، انضم كل من براد بيت، خواكين فينيكس، روني مارا، ألفونسو كوارون، وجوناثان غليزر كمنتجين تنفيذيين. كما اختارت تونس الفيلم ليمثلها في سباق أوسكار أفضل فيلم دولي. تجدر الإشارة إلى أن بن هنية حازت سابقاً على ترشيحين للأوسكار، عن أفضل وثائقي "بنات ألفة" (Four Daughters) وأفضل فيلم دولي عن "الرجل الذي باع جلده" (The Man Who Sold His Skin).

تلقي حرب الإبادة الجماعية في غزة بظلالها الثقيلة على المهرجان منذ بدايته، سواء من خلال الدعوات لاستبعاد ممثلين بسبب مواقفهم، أو أسئلة الصحافة بشأن صلات تمويل بعض الشركات بجيش الاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى احتجاج ضخم شارك فيه آلاف الأشخاص في عطلة نهاية الأسبوع.

وبحسب وزارة الصحة، فقد استشهد أكثر من 63 ألف فلسطيني خلال الحرب التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ 22 شهراً على القطاع المحاصر. وتؤكد بن هنية أن "مؤسسة هند رجب"، وهي منظمة قانونية مقرها بلجيكا، لم يكن لها أي دور في الفيلم. أما عن التوزيع التجاري في أميركا الشمالية، فلم يُحسم بعد، لكن بن هنية تأمل أن يُعرض "في كل أنحاء العالم". تختم قائلة: "لا أريد أن أفرض على الجمهور ما الذي عليه استخلاصه من الفيلم. فقط أريده أن يشاهده".

المساهمون