ستانلي كوبريك وقيادة الممثل

21 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 12:33 (توقيت القدس)
ستانلي كوبريك خلال تصوير فيلم باري ليندون، 1975 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يُعرف ستانلي كوبريك بشغفه بالكمال وصرامته في العمل، مما يؤدي إلى علاقات معقدة مع الممثلين، مثل مالكولم ماكدويل الذي تعرض لإصابة أثناء تصوير "البرتقالة الآلية".

- في "البريق" و"عيون مقفلة مفتوحة"، استخدم كوبريك أسلوبًا صارمًا ومقتضبًا في توجيه الممثلين، مما أثر على علاقاتهم الشخصية، ويعكس التزامه بالتحكم الكامل لتحقيق رؤيته الفنية.

- بدأ كوبريك مسيرته بأسلوب صارم منذ "أيام المجد"، وحقق نجاحًا في "سبارتكوس" بفضل دقته وانضباطه، مما أكد مكانته في عالم السينما.

المخرج الكبير ستانلي كوبريك لا يرضى بغير حدّ الكمال، وهو صنف من المخرجين المرهقين والمعذبين إلى درجة الانفجار تجاه الممثلين. فكوبريك لا يملك الرؤيا الجمالية للفيلم فقط، ولكنه يملك تصوراً لشخصيات أفلامه المحددة، ويطالب ممثليه بمزيد من الغوص في أعماق الشخصية، ولذلك كان يمكن أن يعيد تصوير لقطة واحدة للممثل 30 مرّة وأكثر.

شكّل هذا الجنون بالكمال علاقة كوبريك بممثليه، ولهذا نجد ممثلاً مثل مالكولم ماكدويل، بطل العمل الأيقوني "البرتقالة الآلية"، يتعرض لإصابة جسدية مباشرة، بعد أدائه مشهد خضوعه للمشاهدة القهرية مفتوح العينين بمجموعة أذرع معدنية كادت أن تسبّب ضرراً دائماً في قرنية عينه، وظلّ معذباً لأيام تلت تصوير هذا المشهد نتيجة الألم الشديد.

وقد كان كوبريك دوماً مقتصداً في إطرائه لممثليه. فعلى سبيل المثال، فوجئ ماكدويل بعد عرض فيلم "البرتقالة الآلية" بخطاب صغير من كوبريك، يقول فيه: لقد كنت رائعاً، وهذا الفيلم لم يكن ليبصر النور لولا وجودك به. أصاب ماكدويل الدهشة والشعور بالرضا والثقة أيضاً، فقد تجنب كوبريك التعبير عن رأيه لماكدويل طوال أيام التصوير، وهو ما أثار حيرته. والحق أن ذلك سيثير حيرة أي ممثل، فالممثل بشكل عام، كبر حجمه أو صغر، يريد أن يعرف مردود أدائه في عيون الآخرين، وبالذات عين المخرج، فماذا لو كان هذا المخرج ستانلي كوبريك!

ولعلّ ما يؤكّد هذا الكلام، فيلم تسجيلي ليوميات عمل فيلم "البريق"، إذ سجّل بطل الفيلم جاك نيكلسون لقطة نادرة تجمعه مع كوبريك، وهو يسأله سؤالاً بسيطاً مباغتاً: "هل أنت راضٍ عن أدائي في المشهد!؟". نظر إليه كوبريك وأجاب بنصف ابتسامة: "كنت جميلاً فقط، دونما زيادة أو نقصان". ولعل هذه المداعبة الشقية من جانب نيكلسون لكوبريك تكشف وتؤكد لنا إلى أي طراز من المخرجين ينتمي.

مثال آخر فيلم "عيون مقفلة مفتوحة"، الذي يقال إنه كان أحد أسباب انفصال بطليه نيكول كيدمان وتوم كروز، فلقد تعمد كوبريك في أثناء تصوير الفيلم الذي امتد لسنة كاملة أن يفصل نيكول كيدمان عن زوجها توم كروز حتى في غرف إقامتهما في الفندق، بل لم يسمح لكل منهما بالاطلاع على مشاهد الآخر الذي قدمها بمفرده. كان هذا جديداً وقاسياً أيضاً على نجمين كبيرين في هوليوود، ويُقال إن توم كروز غضب من كيدمان لقبولها تصوير بعض المشاهد التي لم يعلم عنها شيئاً إلا عند مشاهدة الفيلم.

ولعل كوبريك انتهج هذا الأسلوب الصارم المنضبط الذي يصل إلى حد القسوة منذ بداية دخوله عالم السينما، ولعل هذا ما لفت إليه النجم الكبير كيرك دوغلاس إليه، عندما جمعهم فيلم "أيام المجد"، وهو ما دفع الممثل والمنتج الذكي للاستعانة بكوبريك لإخراج تحفته الأيقونية "سبارتكوس"، بعد أن اختلف مع مخرج الفيلم الأصلي أنتوني مان، وتوقف تصوير الفيلم بعد ثلاثة أيام من انطلاقه.

ولم تكن مهمة كوبريك الشاب وقتذاك بالسهلة أو الممهدة، ففي أول يوم تصوير تعمد كيرك دوغلاس بحاسته الإنتاجية، أن يضع أصعب وأضخم مشهد في الفيلم لكوبريك، بل كان في هذا المشهد كل ممثلي الفيلم، ولا غرو، إذ كان هؤلاء الممثلون الفطاحل هم: لورانس أوليفييه وشارلز لوتين وبيتر إستينوف وتوني كيرتس.

وقد لمح دوغلاس نظرات التعجب في عيون هؤلاء الممثلين الكبار لذاك الشاب الصغير، المنوط به إخراج فيلم بهذه الضخامة والصعوبة، فهل سينجح؟ بالفعل، قدم ستانلي كوبريك الشاب الجواب الصحيح بانضباطه وصرامته، ودقته المتناهية التي اشتهر بها، بل وفي الانتهاء من التصوير في وقتٍ أبكر من الجدول المحدد له، مع كامل الجودة والتميز. هكذا صار "سبارتكوس" البوابة الملكية التي دخل بها اسم كوبريك إلى عالم المجد والخلود السينمائي.

المساهمون