استمع إلى الملخص
- فيلمه الوثائقي "إرنست كول: ضائعاً ومكتشفاً" يستعيد حياة المصور الأفريقي إرنست كول، الذي وثّق نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وحصل الفيلم على جائزة العين الذهبية في مهرجان "كانّ" 2024.
- يؤمن بِكْ بدور السينما في إثارة الوعي التاريخي وتقديم الأمل، ويستخدم الصور الفوتوغرافية للسرد، مستلهماً من أساتذته، ويطرح أسئلة نقدية حول الفساد والنسيان في جنوب أفريقيا.
راؤول بِكْ، المعروف بأفلامٍ كـ"كارل ماركس الشابّ" (2017)، و"أنا لستُ زنجيك" (2016)، سينمائي ذو سيرة حياتية استثنائية. مولود في هايتي عام 1953، نشأ في ما يُعرف آنذاك بكونغو البلجيكية، في سبعينيات القرن 20. درَسَ في الأكاديمية الألمانية للفيلم والتلفزيون ببرلين الغربية، وأماكن أخرى، لذا فهو يتحدّث الألمانية بطلاقة. انصبّ اهتمامه باعتباره سينمائياً، ولا يزال، على حركات التحرير والثورة. في وثائقيّه "إرنست كول: ضائعاً ومكتشفاً" (2024)، يستذكر مُصوّراً أفريقياً طواه النسيان.
بصُورٍ خام، التقط كول الصورة الحقيقية لنظام الفصل العنصري في بلده. ثم انتهى به المطاف في النسيان، بنيويورك. يحاول بِكْ تصحيح هذا الوضع عبر فيلمه: "الفنانون يغرقون في النسيان. أرى أنّ واجبي مواجهة ذلك".
بين عامي 1996 و1997 كان وزيراً للثقافة في موطنه هايتي، لكنه يقول إن أهم مساهماته للعالم سينماه الملتزمة. فرّ من ديكتاتورية دوفالييه، فوصل مع عائلته إلى كينشاسا، عاصمة الكونغو. أخذته دراسته وعمله إلى نيويورك وفرنسا وبرلين.
ينعكس هذا المنظور العالمي في أعماله كلّها. مع "لومومبا، موت نبيّ" (1990)، و"لومومبا" (2000)، صنع فيلماً وثائقياً لافتاً للانتباه، وآخر روائياً أقوى تناول فيه السياسيّ الكونغولي المقتول باتريس لومومبا. لكنّ أشهر أفلامه "أنا لستُ زنجيك"، المرشّح لـ"أوسكار": وثائقي مهمّ عن جيمس بالدوين، الكاتب والناقد والمفكّر الاجتماعي. بنى بِكْ فيلمه على غرار أسلوب بالدوين: مقالٌ حادّ، يتّخذ موقفاً صارماً ضد الهيمنة السياسية، سائراً على خطى مفكّرين وناشطين كرّسوا حياتهم لمحاربة الظلم. يرى بِكْ في سينماه عدسةً نقدية مُكبّرة، يفحص عبرها هياكل السلطة العالمية.
وُلِد إرنست كول في جنوب إفريقيا، والتقط الواقع المتقلّب لنظام الفصل العنصري بكاميرته. قدّمت هذه الصُور، المجموعة في كتابٍ مُصوّر بعنوان "بيت العبودية" (1967)، رؤية غير مُفلترة للقمع المنهجي، ذات قيمة هائلة في النضال ضد هذا النظام. مع ذلك، سقط كول في النسيان، واعتُبرت أصول أعماله الفوتوغرافية مفقودة. نفاه نظام الفصل العنصري من بلده، فأمضى سنواته الأخيرة جوّالاً في شوارع نيويورك، ومات فقيراً.
عام 2017، عُثر على جزء كبير من نيغاتيف أعماله المُصوّرة، وهذا كافٍ للمخرج لاستعادة الحياة المجهولة للفنان والناشط. مستمداً من أرشيف صورٍ غني، يتسلّل الفيلم إلى ذهن المصوّر المتجوّل (يمنحه الممثل لاكيث ستانفيلد صوته). في الدورة 77 (14 ـ 25 مايو/ أيار 2024) لمهرجان "كانّ"، مُنح "إرنست كول..." جائزة العين الذهبية لأفضل وثائقي، مناصفةً مع "رفعت عيني للسما" للمصريين ندى رياض وأيمن الأمير.
(*) متى رأيتَ صور إرنست كول لأول مرة؟
منذ زمن بعيد، عندما كنت طالباً في برلين الغربية، في سبعينيات القرن الـ20. حينها، معظم حركات التحرير كانت حاضرة بقوة في تلك المدينة، منها المؤتمر الوطني الأفريقي. عملت مع نشطاء المؤتمر. استخدمنا الصُور في المنشورات والمواد الإعلامية. أردنا إطلاع الجمهور على ما كان يحدث في جنوب أفريقيا. حينها، اطّلعت على الصُور للمرة الأولى، لكني لم أفهم مَن هو إرنست كول إلا بعد ذلك بكثير. يومها، لم نهتمّ باسم المصوّر أو الفنان. لم أقرأ كتابه المُصوَّر "بيت العبودية" إلا بعد سنوات. أعجبتُ ليس فقط بالصُور الرائعة، بل بالنصوص أيضاً. عبر النصوص فقط فهمت مَن هو.
(*) هل حملت مشروع الفيلم عنه معك لسنوات، منذ ذلك الحين؟
لا. سيكون هذا محبطاً. قبل سبع سنوات، اتصلتْ بي عائلته، وسألني أحد أفرادها إنْ كنت مهتماً بصنع فيلم عنه. الآن أتلقّى استفسارات عن مواضيع وأشخاص مختلفين تماماً. لكنّ المميّز فيه العثور على 60 ألفاً من شرائط النيغاتيف الخاصة به في صندوق ودائع آمن، في مصرف بالسويد. أثار هذا فضولي طبعاً. كانت العائلة بصدد تنظيم شرائط النيغاتيف وترقيمها ورقمنتها. جمعت مالاً ليتمكّنوا من مواصلة هذا العمل. توجد المجموعة اليوم في جامعة ويتس بجنوب أفريقيا.
في البداية، لم أكن متأكداً مما إذا كنت أرغب في صنع فيلم. لم أدرك إلّا بعد عامين أن الفيلم ليس ممكناً فحسب، بل ضروري. بهذه الطريقة، تمكّنت من سرد أكثر من مجرّد قصة مُصوّر واحد، بل قصة جيل كامل. قصة جميع الفنانين الجنوب أفريقيين، الذين كانوا في المنفى، وقادوا النضال ضد الفصل العنصري.
تشمل هذه الفترة أيضاً حياتي ناشطاً سياسياً، من سبعينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا. لذا، الفيلم أيضاً ذو أهمية شخصية لي.
(*) تفتتح فيلمك الوثائقي وتختتمه بشعار "جنوب أفريقيا ستتحرّر"، الذي يُبرز تصميم كول وأمله. هاتان الصفتان تُميّزان أفلامك ذات الطابع السياسي. هل ترى أن هذا الشعور المتفائل نسبياً قاسمٌ مشترك بين أعمالك؟
يعلّمنا التاريخ أن مَن يقف على الجانب الخطأ منه، كالمستعمرين والإمبرياليين، يخسرون دائماً. يستغرق الأمر عشر سنوات، أو 20، أو ربما أكثر من 100 عام، لكنهم سيخسرون لا محالة: حروب الولايات المتحدة في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق. القصة نفسها تتكرّر مرة تلو أخرى. كلّ المستعمرات انتهت. أنا من جيل شهد بزوغ حركات الاستقلال.
ببلوغي 17 عاماً، كنتُ في برلين، وتعرّفت إلى أشخاص من سوابو (المنظمة الشعبية لجنوب غرب أفريقيا، ناميبيا)، والمؤتمر الوطني الأفريقي (جنوب أفريقيا)، والجبهة الساندينية للتحرير الوطني (نيكاراغوا). كانوا أصدقائي. كنّا نعرف فعلياً كيف ستنتهي القصة. ثم الأهمّ: إنهاء تلك القصة بأسرع وقت ممكن، كي لا يموت إلّا أقل عدد ممكن من الناس.
في فلسطين أيضاً، سينتهي الأمر. لا يمكنك قتل الجميع. حتى لو ظننت أنك قتلت الجميع، سيبقى هناك مَن يروي القصة. قُتل ستة ملايين يهودي في الهولوكوست، ومع ذلك لا يزال هناك يهود. لا يمكنك تدمير التاريخ. هذه قصة الإنسانية.
(*) هل هذا أيضاً دور صانع الأفلام، أن يواصل سرد القصة؟
نعيش في عالمٍ مليء بالغباء الحقيقي، بينما تتزايد الوسائل لمكافحته. هذا هو التناقض. صانع أفلام أو كاتباً، لا يمكنك فعل شيء سوى المساهمة بإثارة وعي تاريخي بطريقة ما، أو التوصّل إلى تحليلٍ، أو تقديم إجابات عن الأسئلة المُلحّة الراهنة. عليك أن تكون قادراً على تقديم المعرفة والأمل. أنا أتقدّم في السن، وأدرك أيضاً أن فيلمي لن يغيّر مسار العالم. لكن، إذا استطاع الفيلم مساعدة شابّ واحد على النظر إلى العالم بشكلٍ مختلف، سينجح فعلياً. في الواقع، يحرس صانعو الأفلام شعلة أولمبية، ستظلّ مشتعلة إلى الأبد.
(*) إرنست كول نفسه مثالٌ على ذلك. فإضافة إلى الإلحاح السياسي لعمله، تزداد براعته الفنية وضوحاً بمرور الوقت.
لطالما أُعجبتُ بصُوره. إنها مؤثرة وملتزمة سياسياً. نتيجة ذلك، استُخدمت بشكل رئيسي في النضال السياسي، ولم يكن هناك الكثير من براعته الفنية. لهذا السبب، كنت مسروراً جداً لإعادة اكتشاف صُوره. لا يزال لها تأثيرٌ قوي. الآن، أدركُ بشكلٍ أفضل سبب اختفائه. يعود ذلك جزئياً إلى نفيه. أعرف كلّ شيء عن ذلك: كانت هناك ديكتاتورية في هايتي إلى عام 1986. اختفى أناسٌ، وماتوا فجأة. هذا العجز يؤثّر بك. أعرفه، لأني عشته. لذا تخيّل: إرنست كول بنيويورك، ويموت ستيف بيكو، والشرطة تقتل 60 طالباً. هذه لكمةٌ في المعدة. حينها، لم يعد الأمر مسألة فكرية، بل شعوراً ينتابك.
ثم هناك جانب آخر: رغبته في أن يُنظر إليه باعتباره مُصوّراً وفناناً، لا مُصوّراً أسود. لم يرد أن يُحصر في هذا الإطار. يقول جملة مؤلمة: "لا أريد أن أكون مؤرّخاً للبؤس". كانت هذه حقيقته. كان يبلغ 26 أو 27 عاماً عندما قال تلك الجملة. هذا ألمه. هل كان توثيق البؤس الشيء الوحيد الذي يستطيع فعله في هذا العالم؟
(*) في "أنا لستُ زنجيك"، استعنتَ بأرشيف سمعي بصري ضخم. أما في فيلم إرنست كول، اعتمدتَ أساساً على صُوره الفوتوغرافية. كيف تسير هذه العملية بالنسبة إليك، أي إنتاج سينما عبر الصُور الثابتة؟
أي مُطّلع على أعمالي يعرف أني عملت بهذه الطريقة في فترتي بالأكاديمية الألمانية للأفلام والتلفزيون ببرلين. صنعتُ أفلامي الأولى أيضاً باستخدام صُور فوتوغرافية. لذا، لأكثر من 40 عاماً، جرّبتُ استخدام الصُور الفوتوغرافية في السينما. كان أستاذاي آنذاك كريس ماركر وألكسندر كلوغه. كانا مصدران عظيمان للإلهام. بفضلهما، تعلّمتُ أنه يمكنك إنتاج فيلم كامل بـ17 صورة. بل يمكنك فعل ذلك بعدد أقلّ بكثير من الصُور. لهذا السبب مثلاً تظهر لحظة "راشومونية" في الفيلم. بعض الصُور يحتوي طبقات عدّة، ويحمل أسئلة وقصصاً كثيرة. لذا، لم أفكّر قطّ بأني لا أستطيع إنتاج هذا الفيلم. بل على العكس، فتّشت عن طرقٍ لإنتاجه.
باعتباري شخصاً قادماً من هايتي، تعلّق الأمر دائماً بصناعة السينما بكلّ الوسائل المتاحة. شعاري الدائم مقولة مالكولم إكس: "بأي وسيلة ضرورية". لذا، عرفتُ أنه يجب العمل مع الصُور بطرق متنوّعة، بالتوليف والموسيقى والديناميكية العامة. حتى أن مشاهد كانت تُقطع مباشرةً على أنغام الموسيقى. أردتُ التعمّق في الصُور، ففي الحاضر، يُمكن تحويلها إلى صُور ثلاثية الأبعاد، إن صحّ التعبير. هذا يجعل الصُور آسرة للغاية، لأنها تروي قصصاً عندما تتعمّق فيها.
(*) أكدتَ أن قصة إرنست كول ليست مجرد شيء من الماضي. هل هذا سبب نظرتك النقدية لجنوب أفريقيا اليوم؟
في حقبة الفصل العنصري، جابَ لاجئو جنوب أفريقيا العالم، والآن يجرؤ البلد على معاملة لاجئي اليوم بهذه الإهانة؟ أودّ أيضاً طرح هذه الأسئلة: ماذا تعلّمتم من الانتصار على دولة الفصل العنصري؟ لماذا يوجد هذا الكمّ من الأحياء الفقيرة وأكوام القمامة؟ لماذا يوجد هذا الفساد المستشري في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي؟ هذه أسئلة يجب طرحها. وأيضاً: لماذا نسيتمْ إرنست كول؟ استخدمتم صُوره في الصراع السياسي بوصفها دعاية، ثم نُبِذ من بلده ونُسِي. بعد الفصل العنصري، كان ينبغي عليهم إقامة تماثيل له.
(*) ألا وجود لها؟
لا. هكذا الأمر: الفنّانون منسيون. أرى أن واجبي منع ذلك. نُسِي بالدوين أيضاً في الولايات المتحدة. لا يزال المثقفون يقتبسون منه، لكن من دون ذكر اسمه. سرقوا كلماته وأفكاره. مهمّ أن يُعاد الشيء إلى صاحبه.