استمع إلى الملخص
- شارع فولز يعكس ذاكرة جماعية كاثوليكية قومية تتجاوز الحدود المحلية، بينما شارع شانكيل يعكس ذاكرة بروتستانتية وحدوية تركز على الولاء للتاج البريطاني، مما يبرز التباين في السرديات التاريخية.
- رغم هدوء العنف، يظل الحذر مسيطراً في بلفاست، حيث تبقى الجدران كمساحة تفاوض بين الذاكرة والهوية، مما يعكس تعقيد التعايش مع إرث الماضي.
في صباح رمادي من صباحات بلفاست الأيرلندية، وقفت أمام جدار إسمنتي مرتفع يشقّ الشارع بهدوء. بلفاست التي خرجت من سنوات الاضطرابات القومية والطائفية قبل أكثر من عشرين عاماً، تبدو اليوم مدينة هادئة بملامح يومية عادية، بينما يقف الجدار أثراً لا يزال يحدّد حركة الأحياء وسردياتها المتجاورة. المسافة بين حيّ وآخر لا تتجاوز أمتاراً قليلة. ومع ذلك، يتجنّب كثيرون ممن عاشوا تلك المرحلة اجتياز البوابات الحديدية، كأن الخوف الذي وُلد هنا ما زال يراقب العبور.
وغالباً ما تُقارن هذه الجدران بخطوط تماس وحواجز عُرفت في مدن أخرى، إلا أن خصوصية بلفاست تكمن في أن جدرانها لم تُهدم بعد اتفاق السلام ولم تُفرض بقرار مركزي، بل بقيت بإرادة مجتمعات ترى في الفصل ضمانة للأمان أكثر مما تراه بقايا نزاع تاريخي. وأثناء السير بمحاذاة الجدار، تظهر بوابات معدنية تُفتح وتُغلق وفق مواعيد محددة؛ فعلى الخرائط يبدو الانتقال بين الأحياء أمراً عادياً، أما على الأرض فما زال محكوماً بإيقاع احتراز رسّخته سنوات طويلة.
شُيّد أول هذه الجدران عام 1969، وكان إجراء مؤقتاً للفصل بين أحياء كاثوليكية قومية وأخرى بروتستانتية وحدوية بعد تصاعد العنف المذهبي في الشوارع. بيد أنّ المؤقت أمسى دائماً. ارتفعت الجدران طبقة فوق الأخرى استجابةً لطلبات سكان أرادوا حواجز أعلى لوقف رشق الحجارة والقنابل الحارقة خلال سنوات "الاضطرابات". لم يكن الارتفاع قراراً معمارياً بقدر ما كان تسجيلاً لخوفٍ تراكمي.
ورغم توقيع اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 الذي وضع حدّاً للحرب، بقيت الجدران والأسوار والبوابات جزءاً من تنظيم الحياة اليومية في بلفاست: بعضها يُغلق ليلاً وبعضها يفتح بمواعيد محددة. استطلاعات محلية تشير إلى أن كثيرين يشعرون بالأمان مع بقائها، حتى لو اعترفوا بثقلها الرمزي. بذلك، بقي السلام هنا مُداراً أكثر مما هو مُنجز.
على امتداد شارع فولز، تلوح الجدران الإسمنتية والمعدنية عالية فوق خطوط البيوت. كنت أسير بمحاذاتها فيما تمر حافلات صغيرة بمحاذاة الرصيف، وسائحون يلتقطون صوراً للجداريات التي تحوّلت إلى دفتر مفتوح للكتابة: تواقيع وتواريخ وقلوب صغيرة وأعلام مرسومة من زوّار عابرين. في مواضع أخرى، صور بالأبيض والأسود من زمن الاضطرابات: مركبات مدرّعة في الشوارع وشباب يركضون وسط الدخان ووجوه تراقب من خلف النوافذ.
لا تقدّم الجدران سرداً مكتملاً، لكنها تكشف عن مدينة تتعامل مع ذاكرة لم تُغلق بعد وتسمح للزائر بتأمل تاريخ لا يزال قريباً من الوجدان.
في شارع فولز، ذي الغالبية الكاثوليكية - القومية، لا تقتصر الذاكرة على الرموز المحلية. وجوه نيلسون مانديلا وليلى خالد وعبد الله أوجلان ومارتن لوثر كينغ تتجاور مع أعلام فلسطين وجنوب أفريقيا وشعارات العدالة الاجتماعية. هنا، تتسع الذاكرة إلى خريطة أوسع، ترى في تجارب الآخرين ما يشبه جروحها: استعمار ومقاومة وسجون وإضرابات عن الطعام. لم تختفِ الرموز الأيرلندية، لكنها تراجعت قليلاً لصالح سرديات يجد فيها السكان صدىً لماضيهم. ولا تزال هناك خرائط تُظهر مواقع قواعد الجيش البريطاني في الشوارع، وجداريات لأعضاء "شين فين" سقطوا خلال المواجهات.
على أحد الجدران، تظهر جدارية لشون ماك ديارامادا، أحد قادة انتفاضة عيد الفصح عام 1916 الذي أعدمه البريطانيون. لا تبدو صورته هنا جزءاً من تاريخ بعيد، بل حلقة في سلسلة أطول من النضال القومي. أعلى الجدارية، عبارة تشير إلى أنّ "شون تكلّم في هذا المكان عام 1906"، في تذكير بأن المكان نفسه يحمل ذاكرته، وأن الجدار ليس مجرد سطح، بل نقطة التقاء بين الماضي والحاضر.
في زاوية أخرى من شارع فولز، تتصدّر عبارة "شارع بومباي – لن يحدث مرّة أخرى" جدار أحد المنازل، في إشارة إلى أغسطس/ آب 1969، حين أُحرق الشارع وهُجّرت عائلات وقتل طفل لم يتجاوز التاسعة. بالنسبة إلى كثيرين هنا، كانت تلك اللحظة بداية التحوّل الذي سبق سنوات "الاضطرابات"، ثم تحوّلت الذاكرة السكنية إلى ذاكرة سياسية، وصار الحي نفسه أرشيفاً يفسّر الحاضر بقدر ما يستعيد الماضي.
من نهاية شارع فولز، واصلت السير لبضع دقائق حتى ظهرت أمامي بوابة حديدية مرتفعة يعلوها شبك وأسلاك، تفصل بين فولز وشانكيل. لم تكن هناك جسور، فقط هذه البوابة التي تُفتح وتُغلق وفق مواعيد محددة. على الرصيف، كان عابرون ينتظرون للحظة قبل المرور، وبعض الأطفال يعبرون بدراجاتهم الصغيرة من دون اكتراث.
بدا المشهد مدنياً تماماً، لكنه محكوم بإيقاع حذر رسمته سنوات طويلة من العبور المشروط. قرب البوابة، وقف رجل ثمانيني يراقب الطريق. عرّف عن نفسه باسم ديفيد، وأوضح أنه خدم في الشرطة خلال "الاضطرابات". لم يرغب في الخوض في السياسة، وتجنّب أيضاً الحديث عن ماضيه الأمني.
وحين طُلب منه أن يروي حادثة بقيت عالقة في ذاكرته، اكتفى بالقول إن هذه الأمور "لا تُستعاد بهذه السهولة"، ثم مال إلى الحديث عن الحاضر، وحذرني من التنقل في المكان قائلاً: "على الزائر أن ينتبه عند الدخول إلى الجهة الأخرى؛ الناس هنا يعرفون بعضهم بعضاً، أما الغريب فلا يعرف دائماً أين يقف".
لم يقل ذلك بخوف، بل بحذر جيل تعلّم أن السلام يحتاج إلى مسافة. وعندما سُئِل عمّا إذا كان يعبر إلى الجهة الأخرى، قال إنه لا يفعل ذلك "ليس بدافع الكراهية ولكن بدافع الحذر"، ثم أشار إلى أنّ الأمور تتغيّر ببطء في الشمال، وأن التحوّلات "أصبحت اقتصادية وسياسية أكثر منها أمنية"، مستشهداً بتحوّلات ما بعد "بريكست" وبصعود اقتصاد جمهورية أيرلندا مقارنة بالشمال.
لم يكن ديفيد يقدم تحليلاً سياسياً بقدر ما كان يترك انطباعاً حياً عن مدينة تغيّرت من دون أن تتلاشى ذاكرتها تماماً.
عند الوصول إلى شارع شانكيل، يتبدّل المشهد على الفور. الجداريات هنا تذكارية أكثر منها تضامنية. تظهر الأعلام البريطانية وصور لجنود خدموا في الحربين العالميتين ولوحات صغيرة تحمل أسماء ضحايا "من أجل الملك والوطن". تنتشر أكاليل الخشخاش الأحمر رمزاً للتضحية والشهادة، وتظهر إشارات إلى لواء أولستر الذي قاتل في معركة السوم.
في هذه الجهة، تُقرأ الذاكرة من زاوية إمبراطورية - بريطانية، ليس من زاوية تحرّر قومي. لا حضور لفلسطين أو مانديلا أو قضايا خارجية، بل سرد داخلي متصل بتاريخ بريطانيا العسكري وبفكرة الولاء للتاج.
وعند التوقّف أمام لوحة التجنيد البريطانية الشهيرة التي يوجّه فيها اللورد كيتشنر إصبعه نحو المتطوّعين، يتّضح البُعد الإمبراطوري في سردية شانكيل: هنا، تُقرأ الحرب العالمية الأولى بصفتها زمناً من البطولة والوفاء للتاج، وتُعرض صور الرجال الذين انخرطوا في وحدات أولستر على جدران البيوت بوصفها جزءاً من هوية الحي، وليست حدثاً عسكرياً بعيداً.
وفي الساحات المجاورة، تتجاور صور المقاتلين المحليين من تنظيمات وحدوية مسلّحة مع أعلام المملكة المتحدة، في إشارة إلى أن الذاكرة العسكرية هنا ليست حكومية فقط، بل محلّية أيضاً.
بين سردية قومية تتسع نحو العالم في فولز، وسردية إمبراطورية تنغلق داخل تاريخ بريطانيا العسكري في شانكيل، يقف الجدار مساحةَ تفاوض غير مكتملة. هنا، لا يفصل المكان بقدر ما تفصل الذاكرة والهوية. هدأ السلاح منذ أكثر من عقدين، بيد أنّ الحذر بقي جزءاً من التفاصيل اليومية: في العبور وفي الاقتراب وفي الكلام. "الاضطرابات"، كما تُعرف في أيرلندا الشمالية، لم تعد خبراً يتصدّر عناوين الصحف، لكنها لا تزال همساً في الشارع. والجدران لا تعيد إنتاج الصراع وفي الوقت نفسه لا تسمح بنسيانه.