استمع إلى الملخص
- تتغير السعادة مع العمر؛ حيث يكون الشباب أقل رضا مقارنة بكبار السن الذين يجدون السعادة في العلاقات العميقة والأنشطة المستقلة، بينما يواجه الأفراد في الأربعينيات والخمسينيات ضغوطاً تؤثر على رضاهم.
- الأزمات مثل جائحة كوفيد-19 أثرت على السعادة، خاصة لدى الشباب وذوي الدخل غير المستقر، مما يبرز أهمية العيش في الحاضر والاعتناء بالعلاقات لتحقيق الرضا.
لآلاف السنين، حاول الفلاسفة وعلماء النفس فهم معنى السعادة. هل هي فرح عابر؟ أم رضا عميق عن الحياة؟ في السويد الحديثة، يحاول الباحث بار بيارلكيبرينغ (Pär Bjälkebring)، أستاذ مساعد وعالم نفس في جامعة غوتنبرغ، الإجابة عن هذا السؤال من خلال دراسة حديثة وطويلة الأمد شملت أشخاصاً من مختلف الأعمار، من شباب يملؤهم الأمل إلى متقاعدين يبحثون عن السلام الداخلي.
في الدنمارك، يصف الناس شعورهم بالرضا البسيط بمصطلح هوكا (Hygge)، ويقابله بالسويدية ميس (Mys). والكلمة لا يمكن ترجمتها بدقة، لكنها تعكس أسلوب حياة قائماً على الراحة والدفء الاجتماعي والتمتع بالأشياء البسيطة. خذ على سبيل المثال لينا، امرأة دنماركية في الخمسين من عمرها، تحب الجلوس مساءً مع عائلتها حول طاولة صغيرة، مع شموع مضاءة وكوب شاي ساخن. بالنسبة إليها، هذه اللحظات هي تجسيد للسعادة.
لا تخلو، بطبيعة الحال، لغة الدنماركيين اليومية من ترداد مصطلح هوكا، سواء تعلق الأمر بلقاء حميمي أو عائلي، أو حتى الخروج لتناول مشروب في المقاهي، أو استقبال الأحفاد بصيغة "هيا لنستمتع".
كانت دراسة دنماركية نُشرت نتائجها في مارس/آذار الماضي قد أوضحت أن الدنماركيين في العشرينيات من عمرهم هم الأقل سعادةً عند سؤالهم عن جودة حياتهم. وابتداءً من الثلاثينيات، يرتفع منسوب السعادة قليلاً، وتستمر على هذا المنوال في العقود التالية ـ صعوداً. عندما تبلغ سن الستين فما فوق، تكون في المتوسط أكثر رضا عن الحياة بنسبة 13% من الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً. ومع ذلك، لا تبلغ السعادة ذروتها إلا في منتصف السبعينيات، وتحديداً في سن الرابعة والسبعين.
في السويد والدنمارك، يتناول نحو 10 إلى 11% من السكان (أكثر من عشرة ملايين في السويد وستة ملايين في الدنمارك) أدوية مضادة للاكتئاب، ما يُعرف في الدنمارك بين الناس بلطف باسم لوكا بيلا، أي حبوب السعادة. هذه النسبة تعكس حقيقة أن مرحلة الأربعينيات والخمسينيات تمثل تحدياً كبيراً للرضا عن الحياة.
أندرس، موظف سويدي في الأربعينيات من عمره: رجل مستقر مالياً، لكنه يعيش ضغوطاً مزدوجة، بين رعاية والديه المسنين وأطفاله الصغار، مع ضغط العمل المستمر. يجد نفسه أحياناً بعيداً عن اللحظات التي تمنحه الفرح، مثل لقاء الأصدقاء أو ممارسة الرياضة، فتبدو السعادة بعيدة المنال.
على النقيض، يبدو كبار السن أقدر على الوصول إلى الرضا، حتى مع تحديات الصحة المتقدمة. أولغا، متقاعدة في الثمانينيات من عمرها، تجد السعادة في لقاء الأحفاد والعودة لهواية الرسم القديمة، وإعادة التواصل مع أصدقاء فترة الشباب. هنا يظهر درس مهم: السعادة لا تعتمد بالضرورة على الشباب أو الصحة المثالية، بل على القدرة على ترتيب الأولويات والتكيف مع التغيرات.
أبحاث سابقة من جامعة لوند أظهرت أن كبار السن الذين يحتفظون بعلاقات عميقة مع الأشقاء يتمتعون برضا أكبر عن حياتهم. دراسة أخرى شملت البالغين بين 18 و64 عاماً بيّنت أن الصحة والتعليم والحالة الوظيفية تؤثر بقوة في الرضا عن الحياة، وأن أولئك الذين لم يهاجروا من الجيل الأول كانوا أكثر رضا في بعض المجالات.
أظهرت دراسة عن المتقاعدين أن من يواصلون العمل باستقلال أو يمارسون أنشطة مستقلة يشعرون بسعادة أكبر مقارنة بالذين يعملون في وظائف مأجورة أو لا يعملون، لأن الاستقلالية والكفاءة تظلان عنصرين مركزيين للرضا.
حتى الأزمات الكبرى، مثل جائحة كوفيد-19، أظهرت تأثيرات متفاوتة في السعادة. خلال الموجة الأولى في عام 2020، صرّح نحو 69% من السويديين برضاهم عن حياتهم، لكن الشباب، أو من يعانون أمراضاً مزمنة، أو ذوي الدخل غير المستقر، كانوا الأكثر تضرراً نفسياً. دراسة لاحقة صدرت في عام 2025 أكدت هذا الفارق بين الفئات العمرية، مشيرة إلى أن كبار السن أكثر قدرة على التكيف مع الضغوط، بينما الشباب كانوا أكثر عرضة للقلق والشعور بعدم الرضا.
أبحاث أخرى أيضاً تكشف عن قيمة العمل المستقل لدى المتقاعدين، إذ وجد أن من يواصلون أنشطة مستقلة يشعرون بسعادة أكبر مقارنة بالذين يعملون في وظائف مأجورة أو لا يعملون على الإطلاق، بما يعكس أهمية شعور الإنسان بالتحكم والكفاءة في حياته.
وأخيراً، بيّنت أطروحة حول النساء في منتصف العمر أن العلاقات الاجتماعية والجوانب الشخصية والطفولة تلعب دوراً مهماً في تقديرهن حياتهن، مع أن الحالة الزوجية كانت العامل الأكثر تأثيراً في رضاهن العام.
كل هذه النتائج تؤكد أن السعادة ليست شعوراً عابراً، بل مزيجاً من الصحة والتحكم في الحياة والكفاءة والعلاقات العميقة. بينما يسعى بعضهم وراء طول العمر وأنماط حياة صارمة، يحذّر الباحث السويدي بيارلكيبرينغ من أن هذا السعي المستمر قد يقلل قدرتنا على التكيف، وبالتالي يحد من سعادتنا. السعادة إذن ليست مجرد هدف مستقبلي، بل فن العيش والرضا بما نملك اليوم، ومواجهة تحولات الحياة بروح مرنة وقلب ممتلئ بالعلاقات التي تمنحنا معنى.
يمكن تصور ذلك من خلال قصص شخصية: ماتياس، شاب سويدي يبلغ 28 عاماً، وجد نفسه غارقاً في القلق بسبب التركيز على الصحة وطول العمر، ما جعله أقل قدرة على الاستمتاع باللحظات اليومية البسيطة. من ناحية أخرى، هيلينا، امرأة دنماركية في منتصف العمر، أدركت أن قضاء وقت قصير مع الأصدقاء أو ممارسة هواية الرسم في عطلة نهاية الأسبوع كان له أثر أكبر في شعورها بالسعادة من أي إنجاز مهني.
باختصار، السعادة ليست مجرد شعور عابر أو لحظات فرح، بل رحلة يومية تتشكل من ترتيب الأولويات، وفهم ما يمنحنا الرضا، والاعتناء بعلاقاتنا، وممارسة ما نشعر فيه بالكفاءة. إنها في اللحظات الصغيرة، كما يصفها الدنماركيون في مفهوم هوكا، في الدفء العائلي، وفي القدرة على التكيف مع تحديات العمر والحياة، بروح مرنة وقلب ممتلئ بالمعنى.