هل يستعيد القطن السوري موقعه الاستراتيجي؟

12 يناير 2026   |  آخر تحديث: 05:33 (توقيت القدس)
حصاد القطن في تل أبيض، سورية، 9 أكتوبر 2022 (بكر قاسم/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد محصول القطن في سوريا تراجعاً في المساحات المزروعة بسبب غياب الدعم وتأخير مستحقات الفلاحين، مما أثار تساؤلات حول فعالية السياسات الزراعية.
- وضعت وزارة الزراعة خطة جديدة تشمل تحديد المساحات وفق حاجة الصناعة، واعتماد الري الحديث، وتحديد سعر تأشيري، واعتماد الزراعة التعاقدية، وتنظيم المحالج، والسماح بتصدير القطن.
- تعمل الهيئة العامة للبحوث على تطوير أصناف قطن جديدة، وتوفير البذار، رغم تحديات مثل موجات الحر والألغام، مما يتطلب دعماً فعلياً للمزارعين.

رغم مكانته محصولاً استراتيجياً في سورية، شهد القطن خلال الموسم الماضي تراجعاً لافتاً في المساحات المزروعة، بالتزامن مع غياب الدعم المباشر وتأخير مستحقات الفلاحين لأشهر. هذا التراجع أعاد طرح أسئلة جوهرية حول واقع السياسات الزراعية وقدرتها على حماية محصول شكّل لعقود ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، علماً أن سورية قبل عام 2011 كانت تزرع نحو 175 ألف هكتار، وحققت مراتب عالمية متقدمة من حيث إنتاجية الهكتار الواحد.

وفي هذا الصدد، يقول مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة محمد معرّي لـ"العربي الجديد" إن القطن هو "محصول استراتيجي في الجمهورية العربية السورية"، لكن وضعه الراهن "غير جيد"، موضحاً أن الخطة الزراعية الموضوعة لعام 2025 كانت تستهدف زراعة نحو 40 ألف هكتار، في حين لم تتجاوز المساحات المزروعة فعلياً 25 ألف هكتار على مستوى البلاد.

ويشير معرّي إلى أن محافظة حلب، التي تعد من المناطق التقليدية لزراعة القطن، لم يزرع فيها سوى 268 هكتاراً فقط، نتيجة أعمال عسكرية شهدها ريفها الشرقي حينها، إضافة إلى مشاكل فنية أدت إلى تأخر فتح قنوات الري الحكومية، إذ لم تفتح القنوات إلا في نهاية مايو/أيار، ما تسبب بفوات موعد الزراعة الأمثل وتأخر تنفيذ الخطة الزراعية.

وإلى جانب هذه العوامل الميدانية، يلفت معرّي إلى أن السبب الأهم لتراجع المساحات كان مادياً، ويتمثل في التأخر بتسليم أثمان محصول موسم 2024، فضلاً عن عدم صدور تسعيرة رسمية لموسم 2025، الأمر الذي دفع عدداً من المزارعين إلى العزوف عن زراعة القطن أو التردد في تسليم محصولهم للمؤسسات الحكومية.

وحول الخطوات المطروحة لمعالجة هذه التحديات، يوضح معرّي أن الوزارة وضعت خطة زراعية جديدة تقوم على تحديد المساحات المزروعة وفق حاجة القطاع الصناعي، وبما يراعي التغيرات المناخية واعتماد شبكات الري الحديثة. كما جرى الاعتماد على وضع سعر تأشيري في بداية الموسم، يُحدَّد بعد احتساب تكاليف الإنتاج، مع إضافة هامش ربح يضمن جدوى الزراعة للمزارع والذي سيطبق بدءاً من الموسم القادم.

ويوضح معري أنه جرى اعتماد نظام الزراعة التعاقدية لضمان نجاح العملية الزراعية، سواء بين المزارع والقطاع العام أو بين المزارع والتاجر. كما فُتح باب تراخيص المحالج الخاصة وتنظيم عملها، إلى جانب السماح بتصدير مادة القطن، حيث مُنحت حتى الآن نحو 150 رخصة للتجار بالتنسيق مع الجهات المعنية.

من جهتها، تؤكد مدير إدارة بحوث القطن في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية جميلة درباس لـ"العربي الجديد" أن هناك "خطةً استراتيجية لتطوير محصول القطن"، تعتمد على استنباط أصناف جديدة عالية الإنتاجية وذات مواصفات تكنولوجية جيدة، ومحتوى عالٍ من الزيت في البذور. وتضيف أن الإدارة تعمل أيضاً على تربية أصناف مبكرة بالنضج، ومتحملة للإجهادات الحيوية واللاحيوية، فضلاً عن برامج تربية القطن الملوّن. وتوضح أن الإدارة توصّلت إلى مجموعة أصناف جرى تخصيص كل منها لمنطقة زراعية محددة، تمتد من حماة مروراً بإدلب وحلب، وصولاً إلى الرقة ودير الزور والحسكة.

كما جرى خلال عام 2017 اعتماد صنفين جديدين، أحدهما "حلب 124" المخصص لحماة وسهل الغاب، والآخر "قطن 1"، وهو أول صنف سوري طويل التيلة، مخصص للزراعة في محافظتي حماة وحلب. وتشير إلى أن الإدارة تؤمّن البذار الزراعي للأصناف المعتمدة عبر برنامج محكم للحفاظ على النقاوة الوراثية، يُنفَّذ سنوياً عبر خمس مراحل متتالية، مع توفر مخزون احتياطيّ من البذور للأصناف كافة.

على مستوى الحقل، يروي المزارع هشام القدور من مدينة سراقب في إدلب تجربته مع زراعة القطن بعد عودته إلى أرضه عقب تهجيرٍ دام خمس سنوات.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ويقول لـ"العربي الجديد" إن حبه لمحصول القطن، ورغبته في إعادة إحياء زراعةٍ كادت تندثر في منطقته، إلى جانب قناعته بأهميته الاقتصادية رافداً للعملة الصعبة وتشغيل اليد العاملة، كانت الدافع الأساسي لزراعته فور عودته. ويصف القدور إنبات البذور بأنه كان جيداً جداً، إلا أن الإنتاج تأثر بموجة حرٍّ شديدةٍ ضربت مرحلة الإزهار، واستمرت نحو 15 يوماً، ما أدى إلى تساقط نسبة كبيرة من الأزهار وتراجع الغلة. ورغم ذلك، يؤكد أن القطن ما زال محصولاً قابلاً للنهوض، مطالباً بدعم فعلي يشمل توفير البذار والأسمدة بأسعار مقبولة، وتسديد مستحقات الفلاحين بسرعة، إضافة إلى إدخال آليات حصاد حديثة.

كما يشير إلى عوائق أخرى لا تزال تحدّ من التوسع بالزراعة، أبرزها بقايا السواتر الترابية والألغام في الأراضي الزراعية، والتي تمنع استثمار مساحات واسعة، معتبراً أن معالجة هذه الملفات شرط أساسيّ لنجاح أي خطة لإعادة القطن إلى موقعه السابق.

المساهمون