هل يتوقف نزيف الطاقة العالمي بكبسة زر من ترامب وإيران؟
- رغم التراجع، فإن العودة إلى مستويات الأسعار الطبيعية قد تستغرق وقتاً بسبب الأضرار الكبيرة في المنشآت النفطية في الخليج وإيران، مما يتطلب جهوداً لإعادة تشغيلها.
- تواجه سلاسل الإمداد في الخليج تحديات في استعادة نشاطها الطبيعي، حيث تظل شركات الشحن حذرة، مما يؤثر على توافر النفط والغاز ويستمر في رفع الأسعار على المدى القصير والمتوسط.
في الحديث عن أسعار النفط والغاز بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار، يتزايد مستوى التفاؤل في أسواق الطاقة العالمية بعدما تراجعت منطقة الخليج عن شفير الهاوية، الذي كان من شأنه أن يلحق أضراراً غير مسبوقة بمنابع النفط والطاقة في الخليج وإيران.
يؤسس المتفائلون رؤيتهم على ردة الفعل الفورية للأسواق، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين وتأكيد الجانب الإيراني إعادة فتح مضيق هرمز. فأسعار العقود العاجلة للغاز الطبيعي في أوروبا تراجعت بنسبة 20% في تعاملات الأربعاء الصباحية، وهو أكبر تراجع في يوم واحد منذ بدء الحرب، كما تراجعت أسعار العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 16% لتصل إلى 95 دولارا للبرميل.
لكن الجزء الأكبر من هذا التفاؤل يستند إلى قياس هذا الانخفاض بالسيناريو الأسوأ، أي الافتراضي، الذي كان من الممكن أن يحدث، أزمة عالمية خانقة تعصف باقتصادات العالم، لو استمرت الحرب واستمر معها إغلاق المضيق. ولأن الأسواق تعيش على أمل الربح في اليوم التالي دائما، فهي تتجنب مقارنة الراهن بالسابق، أي بأسعار الطاقة التي كانت في متناول الأيدي والمضيق الذي كان مفتوحا، قبل 28 فبراير عندما أقدمت الولايات المتحدة وإسرائيل على إعلان حربهما المشتركة على إيران دون استشارة حلفاء واشنطن في الخليج ودون حساب الهجمات الإيرانية على دول المنطقة أو الاكتراث بالمضيق الذي يمر عبره خمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز المسال. فهل التفاؤل في محله؟
ليست كبسة زر
دفع العالم ثمنا اقتصاديا باهظا لأربعين يوما من الحرب التي كشفت مدى حيوية المنطقة لاقتصادات الفقراء والأغنياء، بدءا من أزمة الأسمدة التي يهدد نقصها غذاء الفقراء في أفريقيا وآسيا، ومزارع الشركات في أوروبا، وانتهاء بالهيليوم الذي تحتاجه مصانع الرقائق الإلكترونية في شرق آسيا. غير أن محو آثار تلك الحرب لن يحدث بين يوم وليلة، فلا أسعار البنزين ستتراجع في باكستان أو مصر غدا، ولا وقود الطائرات سيتوافر بكثرة فتنخفض أسعار الطيران قريبا. في الواقع يجمع خبراء كثرٌ على أنه لا توجد كبسة زر تعيد أسعار الطاقة ومشتقاتها إلى حالها الطبيعي قبل بداية الحرب عندما كان النفط يتراوح بين 70- 75 دولارا للبرميل.
تشير معظم التوقعات إلى أن الأمر قد يستغرق أسابيع وربما شهورا، فيما يذهب البعض للتحدث عن سنوات قبل تدفق مزيد من الطاقة في الأسواق العالمية بانسيابية تعيد الأسعار إلى سابق عهدها. فعشرات المصافي ومنشآت التخزين وحقول النفط والغاز في ما لا يقل عن تسع دول، من إيران ودول الخليج قد تعرضت لهجمات. وبشكل إجمالي، تم تعطيل 10% أو أكثر من إمدادات النفط العالمية. وإعادة تشغيل هذه العمليات لن تتطلب فقط مرورًا آمنًا عبر مضيق هرمز، بل أيضًا فحص المضخات، واستبدال معدات المعالجة المصممة خصيصًا، وإعادة استدعاء الموظفين والسفن التي تفرقت في أنحاء العالم.
وبالنسبة للمستهلكين الأميركيين، فهذا يعني أن أسعار البنزين، التي تجاوزت أخيرًا متوسط 4 دولارات للغالون، من المستبعد أن تعود إلى مستويات ما قبل الحرب في أي وقت قريب، رغم تراجع أسعار النفط العالمية بشكل ملحوظ مساء الثلاثاء. فالدول تستهلك المخزونات التي كانت لديها قبل الحرب، وكلما طال أمد النزاع، زادت احتمالات بقاء الأسعار مرتفعة.
إغلاق آبار النفط له تبعات أخرى أيضًا. فبمجرد توقفها، قد تكون من الصعب إعادة تشغيل آبار النفط والغاز، وكلما طالت فترة الإغلاق، زادت صعوبة إعادة تشغيلها. إذ قد يختل الضغط تحت الأرض أثناء توقف الآبار، وقد تتراكم المياه. وإذا استمر الإغلاق لفترة طويلة، فقد تتآكل المعدات نتيجة التعرض المطول لغاز كبريتيد الهيدروجين، وهو غاز سام له رائحة البيض الفاسد، وغالبًا ما يوجد مختلطًا بالنفط والغاز الطبيعي. كما أن السعودية والعراق تضخان الغاز أو الماء في العديد من آبارهما لزيادة استخراج النفط، مما يضيف تعقيدًا إضافيًا عند محاولة إعادة ضبط الضغط المناسب عند استئناف التشغيل، وفقًا لشركة الأبحاث "بلومبيرغ إن إي إف".
ويبقى السؤال الكبير هو حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية اللازمة لنقل النفط والغاز من رؤوس الآبار إلى الأسواق العالمية. ويقول المحللون إن عددًا قليلاً من المنشآت يبدو أنه تعرض لأضرار كارثية، لكن المعلومات المتاحة محدودة.
ومن بين أهم أصول الطاقة في المنطقة منشأة تصدير الغاز الطبيعي في رأس لفان بقطر، التي تمتد على مساحة لا تقل عن ثلاثة أميال مربعة داخل مدينة صناعية كبيرة، وتزود دولًا في آسيا وأوروبا بالغاز المستخدم في الطهي والتدفئة وتوليد الكهرباء. وقبل تحميله على السفن، يجب تحويل الغاز الطبيعي إلى سائل عبر تبريده إلى نحو ناقص 162 درجة مئوية. وكانت قطر قد أوقفت إنتاج هذا الغاز المسال في الأيام الأولى للحرب، قبل أن تدمر الصواريخ لاحقًا نحو 17% من قدرة المنشأة. وستتم إعادة تشغيل الأجزاء غير المتضررة أولًا، على الأرجح خلال أسابيع أو أشهر. وتشمل الخطوات إعادة فتح آبار الغاز البحرية، وتشغيل المرافق التي تم إيقافها، وإعادة تزويد المواد المستخدمة في تبريد الغاز، ثم بدء عملية التبريد نفسها.
أسواق الطاقة وخطوط الملاحة
بعد كل ذلك، لن يكفي توافر المعروض من الإنتاج بحد ذاته لإعادة عقارب ساعة أسعار الطاقة إلى الوراء، فسلاسل الإمداد من منطقة الخليج ربما تكون أكثر أهمية من الإنتاج. ويقول لارس جونسون، كبير المحللين السابق في مجموعة الشحن الدانمركية "ميرسك"، إنه لا يزال من المبكر الحديث عن حركة ملاحة وشحن طبيعية في مياه المنطقة. ويقدر جونسون في مقابلة مع إذاعة بي بي سي 4 صباح الأربعاء أن شركات الشحن ستهتم في هذه المرحلة- فترة الأسبوعين- بإخراج ناقلاتها من المضيق، إذا إن 800 سفينة وطواقمها، تقطعت بها السبل في المضيق منذ بداية الحرب وتسهيل عبروها سيكون المهمة الأولى حاليا. كما يرى أن شركات الملاحة البحرية لن تقدم على إعادة تسيير سفنها في المنطقة قبل أن تتضح الصورة بشكل كامل، بعد انتهاء فترة الأسبوعين.
وبمجرد أن تستعيد الشركات ثقتها بقدرة سفنها على عبور هذا الممر المائي الضيق بين إيران وشبه الجزيرة العربية، فمن المرجح أن تكون الخطوة الأولى هي شحن النفط والوقود الآخر الذي خزنته الدول القريبة من المضيق في خزاناتها. وبعد ذلك، طالما لم تتجدد الأعمال العدائية، فمن المتوقع أن تعود بعض الآبار إلى الإنتاج خلال أيام أو أسابيع، بحسب ما نقلته نيويورك تايمز عن مسؤولين في قطاع النفط اليوم الأربعاء.
أما البروفيسور محمد العريان، كبير الاقتصاديين في مجموعة "ألاينس" المالية والأستاذ في جامعة بنسلفانيا الأميركية، فقال في مقابلة مع بي بي سي 4، إن ما يشهده العالم اليوم هو "ارتياح فوري وقلق على المدى البعيد، فتراجع النفط بمعدل 15% أدى لارتفاع أسعار الأسهم، وخفض أسعار الفائدة وهو أمر جيد، لكن هناك قلقا لدى الأسواق يتمثل في ماذا بعد؟ ويرى العريان، وهو عميد سابق لكلية كوينز في جامعة كمبردج، أن اقتصاد العالم لن يعود إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب "فكرة أن وقف إطلاق النار هي كبسة زر تعيد الأمور إلى ما كانت عليه، لن تتحقق.. فالعالم عليه أن يتقبل معادلة صعبة للأسف وهي معدلات أدنى للنمو وأسعار أعلى".