هل وصل الدين الخارجي التركي إلى مرحلة الخطر؟

18 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 14:09 (توقيت القدس)
سوق في إسطنبول، تركيا، 3 مارس 2025 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- منذ عام 2002، سعت تركيا لتقليل الاعتماد على صندوق النقد الدولي، وسددت ديونها في 2013، لكنها عادت للاقتراض بعد زلزال 2023 لتأمين التمويل اللازم.
- يقدر إجمالي الديون الخارجية لتركيا بنحو 500 مليار دولار، مع هيمنة القطاع الخاص على 65% منها، واحتياطي المصرف المركزي يبلغ 200 مليار دولار كضمانة للأسواق.
- ارتفع الدين الخارجي للقطاع الخاص إلى 210.9 مليارات دولار، بينما تبقى نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي منخفضة عند 26%. التحدي يكمن في إدارة ديون القطاع الخاص قصيرة الأجل.

تتزايد الديون الخارجية لتركيا، رغم عدم لجوئها إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي، وهو النهج الذي أعلنه حزب "العدالة والتنمية" منذ توليه السلطة عام 2002، حين سددت أنقرة آخر قسط بقيمة 412 مليون دولار للصندوق في مايو/أيار 2013، قبل أن تتحول في العام التالي إلى دولة دائنة، عارضةً قرضاً بقيمة 5 مليارات دولار دعماً لعملياته المالية، ما نقلها من دولة متلقية للمساعدات إلى مساهمة في تمويلها. غير أن النهج الاقتصادي الجديد، الذي تزامن مع تولي الفريق الاقتصادي الحالي برئاسة وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك، غيّر النظرة إلى ملف الديون. فبعد الزلزال المدمر الذي ضرب 11 ولاية جنوبية عام 2023، عادت تركيا إلى الاقتراض من البنك الدولي أو عبر إصدار سندات دولية لتأمين التمويل.

وفي السياق، يقول رئيس مركز فكر للدراسات في إسطنبول، باكير أتاجان، إن تركيا لم تتحرر بالكامل من الديون في السابق، لكنها أغلقت ملف ديون صندوق النقد لما تحمله من شروط تتجاوز البعد الاقتصادي، فيما لا تزال هناك ديون للبنك الدولي وأخرى عبر السندات. ويشير في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن السياسة الاقتصادية عادت إلى نمط تقليدي يقوم على رفع الضرائب بوصفها مورداً رئيسياً للخزانة، وزيادة أسعار الفائدة، والتعامل مع الديون وفق منطق الكلفة والعائد، بهدف تمويل عجز الحساب الجاري الذي تجاوز 25 مليار دولار العام الماضي، إضافة إلى فاتورة الطاقة التي تفوق 50 مليار دولار سنوياً، عبر الاقتراض المباشر أو طرح السندات الدولية.

ويقدّر أتاجان إجمالي الديون الخارجية لتركيا بنحو 500 مليار دولار، منها نحو 35% على الحكومة، بينما يشكل القطاع الخاص، من مؤسسات ومصارف، أكثر من 65% من إجمالي الديون الخارجية. ويؤكد أن الدين الحكومي الخارجي منخفض مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، في حين أن ديون القطاع الخاص مرتفعة، خاصة قصيرة الأجل المستحقة خلال عام. وبحسب أتاجان، فإن احتياطي المصرف المركزي الذي يناهز 200 مليار دولار يمثل ضمانة للأسواق الخارجية ومؤشراً على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. ويبلغ الدين الحكومي نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي، الذي وصل إلى 1.5 تريليون دولار العام الماضي، وهي نسبة متدنية مقارنة بدول مثل ألمانيا أو اليابان أو الولايات المتحدة. ويعتبر أن الدين يبقى أداة مفيدة ما دامت عوائد استثماره تفوق كلفته، وما دام بعيداً عن شروط سياسية كالتي تفرضها مؤسسات التمويل الدولية.

ديون القطاع الخاص في أعلى مستوى منذ سبع سنوات

نشر مصرف تركيا المركزي بيانات أظهرت أن إجمالي الدين الخارجي للقطاع الخاص بلغ أعلى مستوى له منذ سبع سنوات. وبحسب البيانات، ارتفعت ديون الائتمان طويلة الأجل بمقدار 13.1 مليار دولار لتصل إلى 210.9 مليارات دولار، انخفضت ديون الائتمان قصيرة الأجل بمقدار مليار دولار لتصل إلى 8.8 مليارات دولار. وخلال الربع الرابع من عام 2025، ارتفع إجمالي ديون المؤسسات المالية بمقدار 5.6 مليارات دولار مقارنة بالربع الثالث، وزادت ديون المؤسسات غير المالية بمقدار 6.6 مليارات دولار. كما ارتفع الدين طويل الأجل للمؤسسات المالية بمقدار 6.4 مليارات دولار، وللمؤسسات غير المالية بمقدار 6.7 مليارات دولار، فيما انخفض الدين قصير الأجل للمؤسسات المالية بـ800 مليون دولار، ولغير المالية بـ200 مليون دولار.

ومن حيث العملات، يشكل الدولار النسبة الأكبر من ديون القروض طويلة الأجل (58.2%)، يليه اليورو (31%)، ثم الليرة التركية (2.7%)، وعملات أخرى (8.1%). وعلى مستوى الدين الحكومي، تبقى تركيا، بحسب مختصين، من الدول الأقل مديونية، إذ لا تتجاوز نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي 26%، فيما يصل إجمالي الدين الخارجي العام والخاص إلى نحو 38%، وهي نسبة أدنى من سقف 60% المنصوص عليه في معاهدة ماستريخت الأوروبية. وعادت الحكومة التركية إلى الاقتراض بوتيرة أكبر بعد زلزال 2023، الذي أثّر بشكل كبير على القدرات المالية ومخصصات المشروعات الكبرى، إذ تجاوزت تكاليفه 2.6 تريليون دولار، بحسب تصريح سابق لنائب الرئيس التركي جودت يلماظ.

وخلال زيارة إلى الولايات المتحدة عام 2024، وقّع وزير المالية محمد شيمشك اتفاقية قرض مع البنك الدولي لتمويل أربعة مشاريع استراتيجية، تشمل تعزيز كفاءة الطاقة، وإدارة مخاطر الفيضانات والجفاف، ودعم التحول الأخضر، وإعادة بناء المناطق الصناعية في منطقة الزلزال. وبينما تظل تركيا ضمن الدول ذات الدين الحكومي المنخفض نسبياً، يبقى التحدي الأساسي في إدارة ديون القطاع الخاص قصيرة الأجل، وضمان استمرار تدفق التمويل الخارجي دون الوقوع في ضغوط تمويلية أو شروط سياسية تمسّ استقلال القرار الاقتصادي.