هل تصبح العملات الرقمية معادلاً للذهب في الخليج؟
استمع إلى الملخص
- أصبحت العملات الرقمية جزءاً من السياسات الاقتصادية في الخليج، مع ارتفاع استخدام التطبيقات الرقمية في الإمارات، وبلغت القيمة السوقية للعملات الرقمية نحو 4 تريليونات دولار، مما يعزز أهميتها كخيار ادخاري بديل.
- يُعتبر "الذهب الرقمي" تعبيراً عن العملات الرقمية في الخليج، ومع تزايد تبني تقنية "بلوك تشين"، يتوقع أن تسهم في تعزيز الاستقلال المالي، رغم تقلبها ومخاطرها العالية.
تشهد أسواق العملات الرقمية في الخليج مجموعة من التطورات اللافتة، عكست في مجملها طبيعة المشهد المتسارع في المنطقة بين توسع تنظيمي وتجارب مؤسسية جديدة، وحراك شعبي متباين، الأمر الذي سلط الضوء على ظاهرة ما بات يعرف بـ"الذهب الرقمي" في دول مجلس التعاون. وفي أبوظبي، حصلت منصة GFO-X، في 4 سبتمبر/ أيلول الجاري، على موافقة مبدئية من هيئة التنظيم المالي في سوق أبوظبي العالمي (FSRA) لمباشرة عملها منصةَ تداول للمشتقات الرقمية، وهو ما يضع العاصمة الإماراتية في موقع متقدم إقليمياً بوصفها مركزاً للأصول الرقمية ذات الطابع المؤسسي، ويعكس عزمها على استقطاب الاستثمارات المؤسسية في قطاع العملات المشفرة، بحسب تقدير نشرته منصة "فاينانشال نيوز".
ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع تتبناه الإمارات لترسيخ مكانتها بيئةً حاضنةً لصناعة العملات المشفرة، خاصة بعد الخطوات الأخيرة المتعلقة بتنظيم العملات المستقرة وإصدار أول عملة مستقرة مدعومة بالدرهم بالتعاون بين مؤسسات مالية كبرى، مثل "أبوظبي القابضة" و"بنك أبوظبي الأول"، في خطوة تهدف إلى ربط المعاملات الرقمية بالاقتصاد المحلي وتعزيز الثقة بالمدفوعات الرقمية، بحسب تقرير نشرته منصة CoinLaw المتخصصة في تحليلات وإحصاءات التمويل والعملات المشفرة.
واعتبر التقرير نفسه التطور الإماراتي فصلاً من فصول سياق خليجي عام، شمل تحرك البحرين في المسار نفسه عبر إقرار إطار تنظيمي خاص بالعملات المستقرة من خلال وحدة تنظيمية جديدة في مصرف البحرين المركزي (SIO Module)، الأمر الذي يعزز من تنافسية المنامة لاعباً إقليمياً في تقديم بيئة قانونية واضحة للأصول الافتراضية. وبرز جانب مختلف من الصورة بالكويت في مايو/أيار الماضي، عندما أسفرت الحملات الرسمية ضد أنشطة تعدين العملات المشفرة، غير المنظمة قانوناً، عن خفض استهلاك الكهرباء في منطقة "الوفرة"، التي شهدت حملات مكافحة التعدين بنسبة تجاوزت 55%، وهو تطور كشف مدى الإقبال الذي بلغته أسواق العملات الرقمية بين شباب البلد الخليجي رغم حظر نشاط التعدين، بحسب تقرير نشرته وكالة "رويترز".
أما على صعيد النشاط اليومي للأفراد، فقد عكست أرقام التقرير في الإمارات استمرار ارتفاع معدلات استخدام تطبيقات العملات الرقمية، حيث قفز عدد التنزيلات من نحو 6.2 ملايين في 2023 إلى 15 مليوناً في 2024، ما قدم مؤشراً على ترسخ ثقافة التداول والاستثمار الرقميين بين فئات الشباب. وبينما تواصل الإمارات رسم معالم سوق رقمية منظمة وجاذبة، وتدفع البحرين في اتجاه تعزيز بيئتها التشريعية، تقدم هذه التطورات مجتمعة صورة واضحة عن مرحلة جديدة تدخلها المنطقة، حيث لم يعد الحديث عن العملات الرقمية مقتصراً على المبادرات الفردية، بل بات جزءاً من سياسات واستراتيجيات اقتصادية تتبناها عواصم خليجية كبرى.
ارتفاع القيمة السوقية
وفي هذا الإطار، يشير عضو الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية أستاذ المالية العامة بجامعة بيلجيك شيخ أدبالي التركية ياسين آجار، لـ"العربي الجديد"، إلى أن استمرار سعر عملات رقمية عند مستوى مرتفع (مثل بيتكوين التي يبلغ سعرها 111 ألف دولار) يؤشر إلى إعادة فئات وازنة لنظرتها نحو سوق تلك العملات، ما أسفر عن تفعيل النقاش حول تأثيرها على السلوك المالي التقليدي، خاصة في مجتمعات الخليج.
والنمو السريع لهذا القطاع جعل العملات الرقمية تشكل عنصراً متزايد الأهمية في النظام المالي العالمي، حيث بلغت القيمة السوقية الإجمالية للآلاف من العملات المشفرة نحو 4 تريليونات دولار، بحسب آجار، لافتاً إلى أن مواطني دول الخليج اعتادوا في الماضي الاحتفاظ بأموالهم في أدوات ادخار تقليدية، مثل الذهب والعقارات والودائع البنكية والسندات، بهدف تأمين مستقبلهم المالي، لكن على مدى العقد الماضي، دخلت العملات الرقمية، لا سيما بيتكوين، بقوة ضمن محفظة الأدوات الادخارية.
وإزاء ذلك، بات مصطلح "الذهب الرقمي" معبراً عن العملات الرقمية في دول الخليج نظراً إلى تشابهها مع الذهب "من حيث ندرتها ومقاومتها التضخم وقدرتها على حفظ القيمة"، بحسب آجار، مشيراً إلى أن هذه الأصول تشهد قبولاً واسعاً بين الفئات الشابة على وجه الخصوص، التي تنظر إليها بوصفها وسيلة رقمية بديلة ولامركزية، توازي تطلعاتها التكنولوجية ورفضها الأنظمة المالية المركزية.
وفي السياق، يلفت آجار إلى رصد متواتر لتسارع وتيرة اعتماد تقنية "بلوك تشين"، حيث ينمو معدل تبنيها بنسبة 70% سنوياً، ما يعكس ثقة متزايدة بهذه التقنية باعتبارها حلاً مالياً آمناً وشفافاً وفعالاً، مشيراً إلى أن توظيف هذه التقنية من شأنه أن يسهم في تعزيز الاستقلال المالي للدول الخليجية، من خلال تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، وتمكين أنظمة مالية أكثر سيادة وانفتاحاً على الابتكار.
أضعاف العوائد التقليدية
ومن المنظور الفردي، يبرز آجار أن الأصول الرقمية تعد أكثر تقلباً ومخاطر مقارنة بالأدوات المالية التقليدية أو الإسلامية، لكنها في المقابل تحقق عوائد أعلى تصل في الظروف الطبيعية إلى سبعة أو ثمانية أضعاف العوائد التقليدية، ومع ذلك، فإن الخسائر في فترات الركود المالي قد تكون بنفس القدر من الشدة.
ولذا يرى آجار أن تخصيص "جزء محدود" من المدخرات للعملات الرقمية يمكن أن يكون خياراً مربحاً بالنسبة للأفراد ذوي الشهية العالية للمخاطرة، شريطة أن يكون مصحوباً بفهم كافٍ بالمخاطر، لافتاً إلى أن الأثر طويل الأمد لهذا التحول في سلوك الادخار بدول الخليج يعتمد بشكل حاسم على مدى دمج العملات الرقمية في النظام المالي عبر تنظيم قانوني واضح.
وإذا ما تم هذا الدمج كما حدث في بعض الدول المتقدمة، فقد تبدأ العملات المشفرة في التنافس المباشر مع الأدوات المالية التقليدية والإسلامية في دول الخليج، ما قد يفرض ضغطاً تصاعدياً على عوائد هذه الأدوات لجذب المدخرين، حسب تقدير آجار، لافتاً إلى أن الواقع الميداني يُظهر أن هذا التحول السلوكي أصبح ملموساً في الإمارات والبحرين، وينمو تدريجياً في السعودية وسلطنة عمان، بينما لا يزال محدود الانتشار في قطر والكويت.
ويخلص آجار إلى أن الشباب الخليجيين ينظرون اليوم إلى العملات الرقمية والعملات المستقرة (Stablecoins) ليس باعتبارها مجالاً للمضاربة الهامشية، بل بوصفها مكوناً مشروعاً، وإن كان محدوداً، من سلوكهم المالي اليومي، ما يعكس تحولاً جوهرياً في ثقافة الادخار بين الأجيال الجديدة.