بعد انخفاضها.. هل تصبح أسعار المنازل البريطانية في متناول المشترين لأول مرة؟

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:21 (توقيت القدس)
منازل معروضة للبيع في لندن من عدة وكلاء عقاريين، 27 أغسطس 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تباينت الآراء حول انخفاض أسعار المنازل في لندن، حيث يعتبره البعض حلاً لأزمة الإسكان، بينما يراه آخرون بعيداً عن متناول المشترين لأول مرة، مما يثير مخاوف من ركود في سوق العقارات.
- تقارير الجمعية الملكية للمساحين القانونيين تشير إلى انخفاض الطلب واستمرار المبيعات السلبية، مع تأثير سلبي للتعديلات الضريبية على السوق، خاصة في لندن.
- رغم انخفاض الأسعار، تظل القدرة على الشراء محدودة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف الرهن العقاري، مما يجعل شراء المنازل تحدياً كبيراً للمشترين لأول مرة.

تتباين آراء البريطانيين في قراءتهم الأخبار المتعلقة بتراجع أسعار المنازل، خاصة في العاصمة لندن، إلى أدنى مستوى لها منذ عامين. فالبعض يراها "فاتحة خير" لحل أزمة الإسكان في البلاد، والتي فاقت كل التوقعات خاصة مع الأجيال الأصغر سناً، بينما يرى آخرون، أنه وبالرغم من الانخفاض، لا تزال أسعار المنازل بمنأى عن قدرة الراغبين في الشراء لأول مرة والذين لا يؤهلهم متوسط دخلهم لكي يصبحوا رسمياً من "فئة الملاك".

هذه الصورة المتناقضة تثير مخاوف من احتمال دخول قطاع العقارات في بريطانيا بمرحلة ركود، فلا أحد يشتري أو يبيع بينما تخسر العقارات جزءاً من قيمتها بمرور الوقت لتنفجر الفقاعة في نهاية المطاف.

ترسم تقارير الجمعية الملكية للمساحين القانونيين RICS صورة قاتمة لسوق الإسكان البريطاني ككل. فقد انخفض مؤشر الطلب من المشترين الجدد إلى أدنى مستوى منذ عام 2023، بينما ظلت المبيعات في نطاق سلبي بوضوح. وألقى وكلاء العقارات باللوم على التعديلات الأخيرة في الميزانية التي أُعلنت في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي التي تضمنت ما يُسمى بـ"ضريبة القصور"، وهي الضريبة التي تشمل المنازل التي تزيد قيمتها عن مليوني جنيه (2.7 مليون دولار). كما تشير الجمعية إلى عدم وجود مؤشرات كثيرة على أن سوق الإسكان سيتحسن في الأشهر المقبلة، حيث تتوقع ثبات نشاط المبيعات على المدى القريب وتوقعات أضعف قليلاً للأسعار مع استمرار مشكلة القدرة على تحمل التكاليف.

اقتصاد دولي
التحديثات الحية

رغم ذلك، ثمة اتفاق على أن تراجع أسعار المنازل يعود لأسباب أكثر من ضريبة القصور، فهناك الضغوط التي يواجهها المشترون المحتملون من ضعف نمو الأجور الحقيقية وتدهور وضع سوق العمل. ومن المتوقع أن يقدم بنك إنكلترا دعماً محدوداً خلال الفترة المقبلة، إذ يبدو أن صناع السياسات يقتربون من المراحل النهائية لدورة خفض أسعار الفائدة.

أسعار لندن

وحسب الأرقام المتاحة فقد كانت لندن أكثر المناطق تضرراً من ضرائب وزيرة الخزانة راتشيل ريفز، إذ تشير التقديرات إلى أن حوالي 60% من المنازل التي تشملها ضريبة القصور، توجد في العاصمة البريطانية، كما أن التعديلات التي أدخلتها حكومة العمال على علاقة المستأجرين بأصحاب المنازل، وعدم أحقية الملاك في إنهاء العلاقة الإيجارية إلا بشروط مقيدة، تجعل كثيراً من الملاك يخرجون من سوق العقارات.

وقالت الجمعية الملكية للمسّاحين القانونيين، (RICS) وهي الهيئة المنظمة لمعاينة وتقييم الأراضي والعقارات، إن مؤشرها لقيم العقارات في لندن انخفض إلى سالب 44 في نوفمبر، وهو أدنى مستوى في أكثر من عامين. وتشير القراءة السلبية إلى أن عدد الوكلاء الذين أبلغوا عن انخفاض يفوق عدد الذين أبلغوا عن ارتفاع. وسجلت العاصمة أسوأ قراءة بين جميع مناطق المملكة المتحدة لأول مرة منذ عام 2022.

وعلى الرغم من أن الرسوم الإضافية لم تُؤكَّد إلا في موازنة 26 نوفمبر، فقد كانت هناك تكهنات واسعة بأن وزيرة الخزانة راتشيل ريفز تخطط لاستهداف الشريحة العليا من سوق العقارات، بينما تسعى للحصول على مليارات الجنيهات من الإيرادات الإضافية لإصلاح المالية العامة.

وقد وجهت الضريبة ضربة جديدة لشريحة من السوق كانت بالفعل تحت ضغط بسبب زيادات رسوم الدمغة وخروج الأثرياء الأجانب الفارّين من حملة على ما يعرف بـ"غير المقيمين". وتُظهر الأرقام الرسمية أن أسعار المنازل في أكثر أحياء لندن ثراءً شهدت انخفاضات حادة في الأشهر التي سبقت الموازنة، وتتوقع شركة السمسرة "هامبتونز" مزيداً من التراجع في فئة ما فوق مليوني جنيه.

وقال جيمس بيريس، المدير الإداري في شركة دي فيلييرز بلندن، في تعليقات مرافقة لتقرير RICS: "الفترة غير المعتادة التي سبقت الموازنة أدت بالتأكيد إلى تجميد السوق مع ندرة النشاط الشرائي. ولن تفعل الضريبة الإضافية على العقارات الفاخرة شيئاً لدعم هذا القطاع الذي دمرته الحكومات المتعاقبة".

أسعار الفائدة والقدرة على الشراء

الصورة العامة الغالبة على أسعار المنازل في بريطانيا هي أنها ترتفع ببطء في عموم البلاد وتتراجع في لندن وجنوب شرق إنكلترا حيث الأسعار تقليدياً مرتفعة. هذا الانطباع يدفع كثيرين للاعتقاد بأنه ربما يصبح بمقدرتهم شراء منزل (وحدة سكنية) قريباً، لكن هذا يبدو غير حقيقي. فأسعار الفائدة لا تزال مرتفعة، قياساً بانخفاضها التاريخي قبل جائحة كوفيد وبعدها. ويبلغ سعر الفائدة في بريطانيا حالياً 4% مقارنة مع 1.3% في (2020-2021) والذروة التي بلغت 6.22% في صيف 2023.

وتتأثر أسعار الرهن العقاري بأسعار الفائدة، ويتوقع السوق المالي على نطاق واسع أن يخفض بنك إنكلترا الفائدة من 4% إلى 3.75% الشهر المقبل، لكن الأمر يظل مرتبطاً بتراجع التضخم الذي ارتفع إلى 3.6% بينما المستهدف للبنك هو 2%.

وتشير أرقام بنوك وجمعيات بناء تُقدّم الرهون العقارية، إلى تحسن القدرة على شراء منزل في بريطانيا بصفة عامة، حيث أفاد بنك لويدز بأن المنزل النموذجي للمشترين لأول مرة يكلّف 5.9 مرات من متوسط الدخل، وهو أدنى مستوى منذ عام 2015.

ويشير تقييم لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية إلى أن هذا التغير بحد ذاته، ليس مدعاة للاحتفال لأنه لا يأخذ في الحسبان التغيّرات في أسعار الرهن العقاري، حيث تمكّن أسعار الفائدة المنخفضة المشترين من الاقتراض أكثر ودفع أسعار أعلى مقابل الدخل. وهذا يعني أن متوسط 4.5 مرات الدخل لسعر المنزل والذي تحقق في السبعينيات، لا يمكن مقارنته بالمستويات الحالية. وثانياً، أنها تعتمد على متوسط الدخل، في حين أن دخول المشترين لأول مرة ليست متوسطة على الإطلاق. ويرى التحليل أن التغير في الأجور أدى لارتفاع دخل أصحاب الأجور المنخفضة بسرعة أكبر، بينما تراجع نمو دخل أصحاب الأجور المرتفعة، وهم الفئة الأكثر احتمالاً لشراء منزل لأول مرة.

وتُظهر بيانات مؤسسة UK Finance أن متوسط الدخل الإجمالي للمشترين لأول مرة الذين لديهم قرض عقاري بلغ 62,700 جنيه إسترليني (83,400 دولار) في سبتمبر/أيلول 2025، أي أعلى بنحو الثلثين من متوسط الأجور المستخدم لحساب نسب السعر إلى الدخل.

ويرجع السبب غالباً إلى أن هذه البيانات تستند إلى دخل المقترضين أنفسهم، ومعظم الناس يشترون منزلهم الأول بدخل مشترك مع الزوج أو الشريك. وتظهر الأرقام هذا التفاوت بين الدخول حسب المناطق، وهو التفاوت نفسه في أسعار المنازل، ففي جنوب شرق إنجلترا، كان دخل الفرد الواحد من المشترين لأول مرة أعلى بنسبة 30% من متوسط الأجور؛ وفي لندن أعلى بنسبة 55% من متوسط الأجور الوطني.

تقود هذه الأرقام إلى استخلاص أن أسعار المنازل في بريطانيا، ورغم الانخفاض في لندن، والتباطؤ على المستوى الوطني لا تزال مرتفعة بالنسبة لأغلبية الراغبين في الشراء لأول مرة، وهو توصيف مستمر منذ 25 عاماً تقريباً، وما يزيد الأمر تعقيداً هو شروط الجمعيات والبنوك المقرضة بأن يدفع المشترون دفعة أولى قد تصل إلى 25% من قيمة القرض، وهو أمر صعب التدبير دون مساعدة عائلية لمن هم في بداية حياتهم المهنية.

وفي الواقع، ينفق المشترون لأول مرة 21% من دخلهم الإجمالي على سداد دفعات القرض العقاري وترتفع هذه النسبة إلى 23% في لندن، وهي أرقام ليست جيدة لكنها تظل أقل من تكاليف الإيجار، حيث يدفع المستأجرون نسبة 30% من دخلهم في إيجار المنازل، وهو واقع يدفع المراقبين للتحذير من فقاعة في أسعار المنازل في بريطانيا.

المساهمون