هجرة العقول ونزيف إسرائيل

30 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:15 (توقيت القدس)
مطار بن غوريون، تل أبيب، 13 يونيو 2025 (نير كيدار/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد إسرائيل جدلاً حول هجرة العقول، حيث هاجر 55 ألفاً من خريجي الجامعات، مما يؤثر على المجالات العلمية الأساسية ويثير قلق النخبة بشأن الاقتصاد والأمن القومي.
- تعود أسباب الهجرة إلى انقلاب حكومة نتنياهو على القضاء، تراجع ميزانية البحث العلمي، والحرب على غزة، مما دفع النخب للبحث عن فرص أفضل بالخارج.
- التركيبة السكانية المتغيرة وزيادة عدد المتدينين الحريديم واليمين المتشدد تخلق بيئة غير ملائمة للعلمانيين، مما يدفعهم للتفكير في الهجرة ويهدد مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي.

يثار جدل في الشارع الإسرائيلي وفي الإعلام العبري والأوساط الأكاديمية حول هجرة العقول من إسرائيل بأعداد كبيرة ونزيف الاقتصاد الإسرائيلي جراء تلك الهجرة بعد إعلان المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي بالتعاون مع المجلس الوطني للبحث والتطوير هجرةَ 55 ألف شخص من خريجي الجامعات والكليات الإسرائيلية، ما يعادل 6.2% من إجمالي الخريجين، ونحو 12% من الحاصلين على شهادات الدكتوراه في إسرائيل خلال العقود الثلاثة الأخيرة في العامين 2023-2024. وكشف المكتب الحكومي عن أن نسبة الهجرة بلغت ضعف النسبة بين خريجي المجالات العلمية الأساسية والتطبيقية الحيوية، وهي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، حيث غادر دولة الكيان 25% من حملة الدكتوراه في الرياضيات، و22% من حملة الدكتوراه في علوم الحاسوب، و8% من خريجي الطب.

وتعكس هذه الحقائق الرغبة المتزايدة للإسرائيليين في الهجرة العكسية في السنوات الأخيرة، ما يسبب القلق بين مجتمع النخبة الإسرائيلي لأنه يدرك أن الهجرة العكسية خاصة أصحاب الكفاءات المهنية والأكاديمية تشكل تهديداً لأمن إسرائيل وتساهم في احتضار الدولة وزوالها. يدرك الإسرائيليون أن هجرة العقول ليست بسبب الحرب المستمرة منذ عامين على غزة فقط، كما يروج الإعلام المؤيد لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ولكن الأهم هو بسبب انقلاب حكومة اليمين برئاسة نتنياهو في مطلع سنة 2023 على مؤسسة القضاء التي تحظى بمكانة عالية داخل المجتمع الإسرائيلي، وكذلك تراجع ميزانية البحث العلمي. 

وحاول أعضاء حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة إخفاء أرقام الهجرة المفزعة عن المجتمع والتقليل من خطورتها، ولكن مجلس رؤساء الجامعات البحثية الإسرائيلية أصدر بياناً علق فيه على إعلان مكتب الإحصاء المركزي قال فيه إن هذه النتائج بمثابة جرس إنذار وعلامة تحذيرية خطيرة، حيث تستثمر الجامعات الأكاديمية الإسرائيلية موارد ضخمة في تدريب ألمع العقول، ثم تخسرها الدولة بسبب الهجرة. واعتبر المجلس هذا النوع من الهجرة بمثابة ضربة مباشرة لمحركات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي، والأمن القومي، والتكنولوجيا المتقدمة، وقدرة المجتمع والدولة الإسرائيلية على الصمود.

بعد مرور سنة على العدوان على غزة، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالاً بعنوان: عام من الحرب يسرع الرحيل الصامت للنخبة الإسرائيلية، قالت فيه الكاتبة إيما هاريسون إن هجرة العقول تؤدي إلى تقويض اقتصاد البلاد عالي التقنية، حيث ترى العائلات الليبرالية أن العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة القائم على الحماية والعدالة قد انهار. وأشارت إلى انضمام الحائز جائزة نوبل في الطب، البروفيسور آرون سيشانوفر، إلى مجموعة من العلماء الإسرائيليين في كيبوتس نير عوز في غلاف غزة للمطالبة بوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن، وحذر سيشانوفر البالغ من العمر 77 عاماً من تزايد هجرة الكفاءات من الأطباء وغيرهم من المهنيين؛ وهي علامة مقلقة على أن بعض النخب الإسرائيلية تشعر بالفعل بأن مستقبلها في البلاد قد انتهى، وبدونهم، قد تواجه إسرائيل نفسها صعوبة في بناء مستقبلها. ما يخشاه سيشانوفر أن الهجرة تتزايد بوتيرة أسرع مما تُظهره الإحصاءات الرسمية، ويقول: "نسميها المغادرة الصامتة، فهم لا يُخبرون أحداً حتى يصعدوا إلى الطائرة". 

وفي ورقة بحثية، حذر يوجين كاندل، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي الوطني في عهد نتنياهو، والخبير الإداري رون تسور من أن إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًّا بسبب تزايد الهجرة الناشئة عن احتجاز الرهائن في غزة، ولا سيما بين الأشخاص الذين ساهموا في بناء قطاع التكنولوجيا المتقدمة في إسرائيل، والمدارس والمستشفيات الحيوية لجذب النخبة العالمية. وقالا إن محرك النمو في إسرائيل هو الابتكار، وهذا يقوده عدد قليل من عشرات الآلاف من الأشخاص في بلد يبلغ تعداد سكانه 10 ملايين نسمة، وإن عواقب هجرتهم للبلاد هائلة مقارنة بعددهم.

وقد بذل قادة الكيان والآباء المؤسسون لإسرائيل جهوداً جبارة لاستقدام اليهود من أشتات الأرض للعيش في إسرائيل بزعم الأمن ورغد العيش، لذلك فإن تقويض الهجرة لإسرائيل وزيادة الهجرة العكسية هما أخطر ما يضرب مستقبل دولة الاحتلال. في سنة 2012، نُشر في موقع سمارت سيتيز مقال بعنوان "هجرة العقول والهجرة: إسرائيل تحتضر"، يقول فيه جيم راسل إن هجرة العقول مشكلة عويصة في إسرائيل، وقد يكون لمليون مهاجر من بلد واحد فقط، الاتحاد السوفييتي السابق، دور في ازدهار الابتكار، ومع ذلك، تحتاج إسرائيل بشدة إلى كثافة سكانية أعلى، ومرافق حضرية عالمية المستوى حتى لا يضطر أصحاب الكفاءات إلى البحث عن فرص في أماكن أخرى. وخير مثال على ذلك، هجرة أرييه أرشيل ومايكل ليفيت، إلى الولايات المتحدة في الثمانينيات ليفوزا بجائزة نوبل في الكيمياء سنة 2013. 

يتكون المجتمع الإسرائيلي من ثلاث فئات عريضة: العلمانيون ويعيش غالبيتهم في تل أبيب ومدن وسط إسرائيل ويشكلون النخبة من العلماء والمهندسين والأطباء. والمتدينون الحريديم، ونسبتهم 14% تقريباً من السكان ويزيدون بنسبة 6% سنوياً، ما يمثل ثلاثة أضعاف الخصوبة لدى العلمانيين، ويهتمون بتعليم التوراة ويرفضون تعلم الرياضيات والعلوم التي يحتاج إليها الاقتصاد الإسرائيلي، ويعيش معظمهم في مدينة القدس وحولها. واليمين المتشدد الحاكم بقيادة ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهم مسلحون يقطنون المستوطنات ويشجعون الاستيطان في الضفة الغربية. والتعايش بين المكونات الثلاثة يكاد يكون أصعب من التعايش مع الفلسطينيين، وهو أحد أهم أسباب هجرة العلمانيين. 

ولأن مناقشة الهجرة العكسية من المحرمات في إسرائيل، تناولت صحيفة الغارديان المسألة مع الإسرائيليين من دون ذكر الاسم كاملاً. يقول نعوم، وهو أب علماني لثلاثة أبناء، يمتلك شركة استشارات علاقات عامة وصيدلية لبيع منتجات القنب، أنه يقضي هو وزوجته أمسياتهما في دراسة خيارات الدراسة في الدول الأوروبية، وهما يدرسان المكان الأنسب لبدء حياة جديدة. وقد زادت الحرب من إلحاح البحث، لكنه كان قراراً نابعاً من مخاوف قديمة. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق سلام في غزة، لا يرى مستقبلاً يرغب في أن يكون جزءاً منه، بسبب التركيبة السكانية في إسرائيل التي أفرزت زيادة أعداد الحريديم واليمين المتشدد وتراجع العلمانيين. ويعتقد أن اقتصاد إسرائيل سيتأثر سلباً بتزايد أعداد المتدينين المتشددين غير المؤهلين للوظائف المهنية لعدم دراستهم الرياضيات أو العلوم ولعدم إتقانهم اللغة الإنكليزية. واجتماعياً، يخشى نعوم من أن يؤدي صعود الحريديم واليمين إلى صعوبة الحياة عند اليهود العلمانيين، ويرى أن هذا سبب كافٍ لأي والد محب لأطفاله أن يبعدهم عن ذلك الأذى، ويعتبره أخطر من الأعداء الذين يحيطون بإسرائيل.

تتراجع أعداد الإسرائيليين العلمانيين بسبب الهجرة خارج إسرائيل. يقول أوري رام، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة بن غوريون في النقب، للغارديان، إن الإسرائيليين العلمانيين الذين يعطون الأولوية للعيش في ديمقراطية ليبرالية يشكلون جزءًا متناقصًا من سكان إسرائيل. وبحلول عام 2015، أصبحت الطبقة العلمانية أقلية، وإن ظلت نسبة كبيرة تبلغ 45% من السكان اليهود في إسرائيل تُعرّف نفسها بأنها علمانية، ولكن العدد آخذ في التناقص، حيث إن العائلات اليهودية المتدينة والمتشددة، في المتوسط، لديها عدد أكبر من الأطفال من العلمانيين. وأظهرت بيانات المدارس الابتدائية في عام 2023 أن 40% فقط من الأطفال يُصنّفون في المسار العلماني.

لذلك، وفق الغارديان، هناك مشكلة متنامية في "هجرة العقول"، وستزداد هذه المشكلة، أولاً، إذا لم يتم تقليل المخاطر العسكرية، وثانياً، إذا تحولت الدولة بالفعل إلى نظام شعبوي استبدادي، هذا ما قاله رام، الذي يبحث في الصراع من أجل مستقبل إسرائيل بين الإسرائيليين العلمانيين مثل نعوم، ومجموعة يصفها بأنها تقليدية عرقية دينية. في هذه الحالات، سترسل الطبقة المتوسطة العليا أبناءها الشباب إلى الخارج، حيث يتمتع اليهود بشبكات علاقات واسعة في الأسواق الأكاديمية والمهنية المرغوبة في الخارج، وستساعد العلاقات العائلية والمهنية على إدماج المهاجرين الإسرائيليين الشباب المتعلمين في المواقع المرغوبة.

بعد السابع من أكتوبر، شعر كثير من الإسرائيليين بخيبة أمل في الدولة والجيش اللذين وعدا بتوفير الأمن. وشعر آخرون بأن عقدهم الاجتماعي مع الدولة قد انهار، إذ أرسلوا أبناءهم للموت جنوداً بينما تم إعفاء عشرات الآلاف من الرجال المتدينين من الخدمة العسكرية. يقول نعوم: "جميع كبار السن يقولون: ارحلوا. وهؤلاء هم الذين ناضلوا ولعبوا دورًا فاعلًا في بناء دولة إسرائيل. ويقولون لنا أيضًا: لا تُرسلوا أبناءكم إلى الجيش أبدًا. هذا تحوّل جذريّ للغاية". 

قررت درور سادوت وشريكها تسريع رحيلهما المخطط له بعد اندلاع الحرب، فقد شعرا بالعزلة وبالرعب من الإسرائيليين الذين يدعمون حرباً قتلت أكثر من 70 ألف فلسطيني، غالبيتهم من المدنيين ويشجعون مزيداً من الانتقام. تقول الصحيفة إنهما حجزا رحلة إلى برلين بعد شهر من السابع من أكتوبر، ولم يعودا. وتقول درور إن معظم صديقاتها يرغبن في المغادرة أيضاً، لكن الأمر يستغرق وقتاً، فليس كل الإسرائيليين لديهم جواز سفر ثانٍ. ومن الصعب تقييم عدد المهاجرين أيضاً. ففي عام 2023، خلال الاضطرابات الداخلية بسبب الإصلاحات القضائية، بلغ صافي مغادرة إسرائيل 40 ألف شخص، وفقاً لما ذكرته صحيفة هآرتس. ويقدر مكتب الإحصاء المركزي عدد الذين هاجروا من إسرائيل منذ تشكيل حكومة نتنياهو بحوالي 200 ألف.

المساهمون