نقد بلا تداول في ليبيا: السوق تتحاشى الفئات المعدنية الصغيرة
استمع إلى الملخص
- اختفاء العملات المعدنية الصغيرة يعكس تدهوراً اقتصادياً أعمق، حيث ارتفعت الأسعار وأصبحت التعاملات تبدأ من دينار فما فوق، مما يجعل الفئات الصغيرة بلا قيمة حقيقية.
- الخبراء يرون أن هذا الوضع يعكس التضخم وفقدان الثقة بالعملة المحلية، حيث لم تعد الفئات الصغيرة تتناسب مع هيكل الأسعار الجديد، مما يزيد الضغوط على المستهلكين.
رغم أن الأرقام الرسمية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي تظهر أن الفئات النقدية المعدنية لا تزال تمثّل جزءاً مهماً من الكتلة النقدية المتداولة، إلا أن المواطنين والتجار على حدّ سواء يبدون استغرابهم من غيابها شبه التام عن تعاملاتهم اليومية. أصبحت الفئات الصغيرة من ربع دينار ونصف دينار شبه منعدمة، سواء في عمليات البيع أو الشراء وفقا للنشرة الاقتصادية للمصرف المركزي.
وخلال الربع الأول من العام الحالي فإن حجم العملة المعدنية المتداولة في البلاد يبلغ 14.9 مليار دينار، موزعة بالتساوي تقريبًا بين فئتي الربع دينار (7.5 مليارات) والنصف دينار (7.4 مليار). ورغم هذه الأرقام، لا يكاد المواطن يجد هذه العملات في جيبه، ولا يتعامل بها في السوق، كما أنها لا تُطلب من قبل البائعين.
في سوق شعبي مزدحم في طرابلس، يقول التاجر معتز هويدي، لـ "العربي الجديد" وهو يشير إلى صندوق صغير على طاولته: "هنا نضع القطع المعدنية إن وُجدت، لكنها نادرة جداً. إذا دفع الزبون مبلغًا يستحق فيه الفكة، غالبًا ما نعطيه علكة بدل الكسر، لأن العملة المعدنية لم تعد تُستخدم، ولا أحد يريدها". ويضيف ضاحكًا: "الناس زهقت من الكسور، وأسعار كل شيء اليوم تبدأ بدينار أو أكثر".
هذه الرواية تتكرر في وسائل النقل العامة أيضاً، حيث يشكو سائق الأجرة عز الدين بن صالح من اختفاء العملة المعدنية، قائلاً: "العملة المعدنية غير موجودة فعلياً، ولا أحد يتعامل بها. المحطات ما زالت تسعّر الوقود باستخدام الفئات الصغيرة، لكن حتى هناك، الأمور لم تعد كما كانت. أعطيت ذات مرة في محطة بنزين عشرة قطع من فئة ربع دينار، فردّها الموظف قائلاً: لا نتعامل بها".
يقول عز الدين لـ "العربي الجديد" إن التعامل النقدي اليومي أصبح يبدأ من فئة الدينار فما فوق، موضحاً أن حتى أبسط السلع، مثل الخبز، لم تعد تُباع بالفئات الصغيرة. "ثلاثة أرغفة بدينار، القصة انتهت. لا ربع دينار، ولا حتى نصف دينار. الأسعار قفزت، والعملة الصغيرة أصبحت بلا قيمة حقيقية".
الخبراء الاقتصاديون يرون أن الظاهرة ليست مجرد نتيجة عشوائية، بل مرتبطة بشكل وثيق بالتدهور الاقتصادي العام، وبالخصوص بالتضخم وانخفاض قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية. يقول الدكتور أحمد المبروك، أستاذ الاقتصاد في جامعة طرابلس، إن اختفاء الفئات النقدية الصغيرة من السوق هو نتيجة طبيعية لتدهور قيمة العملة، مضيفًا "ما نشهده اليوم هو محو تدريجي للقيمة الشرائية للفئات الصغيرة. مع ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدينار، أصبح من غير المنطقي تسعير أي سلعة بأقل من دينار. وبالتالي، لم تعد هناك حاجة عملية لتلك الفئات".
ويقول المبروك لـ "العربي الجديد": "الواقع أن الفئات المعدنية وإن كانت متوفرة نظريًا، إلا أنها لم تعد تتناسب مع هيكل الأسعار الجديد في البلاد، وهذا يؤكد أن التضخم ليس فقط في الأرقام بل في السلوك اليومي والتسعير". وأضاف أن هذا التحول يعكس فقداناً للثقة بالعملة المحلية في أدق صورها، وأن غياب الفئات الصغيرة هو مؤشر إضافي على اختلالات هيكلية أعمق في الاقتصاد الليبي. فكلما تآكلت الفئات الأقل قيمة، زادت الضغوط على المستهلك".