نتنياهو وورقة السلام الاقتصادي مع لبنان... فخّ التطبيع

12 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:39 (توقيت القدس)
الجيش اللبناني في الجنوب، لبنان، 28 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن اجتماع في الناقورة يضم ممثلين لبنانيين وإسرائيليين بحضور أميركي، مما أثار جدلاً حول تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
- تسعى إسرائيل لاستغلال الوضع الاقتصادي المتدهور في لبنان لتحويل الحدود البحرية إلى منطقة اقتصادية مشتركة، بهدف تطويق حزب الله وخلق خطاب لبناني جديد يربط بين نزع السلاح والتنمية الاقتصادية.
- يراهن نتنياهو على ضعف لبنان لاختراق القرار اللبناني اقتصاديًا، محاولاً تحويل الأنظار عن أزماته الداخلية، مما يتطلب من لبنان التعامل بحذر لتجنب موجة تطبيع ناعمة.

في خطوةٍ وُصفت بالمفاجِئة والمريبة في آنٍ واحد، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقد اجتماعٍ في الناقورة يضمّ ممثلين لبنانيين وإسرائيليين بحضورٍ أميركي، في إطار لجنة مراقبة وقف إطلاق النار. لكنّ ما أثار الجدل لم يكن الاجتماع بحدّ ذاته، بل ما رافقه من تصريحاتٍ إسرائيلية تحدّثت عن أفكار لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين، وكأنّ لبنان على أبواب سلام اقتصادي جديد. خطوةٌ تبدو للوهلة الأولى بريئة، لكنها تحمل في عمقها نيّات أبعد من الاقتصاد، وتكشف استراتيجية إسرائيلية متقدّمة عنوانها: التطبيع بالتقسيط.

البيان الإسرائيلي حاول أن يُظهر اللقاء وكأنه فتحٌ دبلوماسي يتيح للبنان الاستفادة من فرص اقتصادية مشتركة، بينما سارع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى نفي أي توجّه نحو التطبيع، مؤكداً أنّ لبنان لا يمكن أن يقيم علاقات اقتصادية مع دولةٍ عدوة إلا بعد تحقيق سلام عادل وشامل.

هذا التناقض في السرديات يعكس جوهر المسألة: فإسرائيل تريد جرّ لبنان إلى ميدانٍ جديد من الصراع، لا بالسلاح هذه المرة، بل بالاقتصاد، حيث يمكنها أن تمارس ضغوطاً هادئة وفعّالة من دون أن تطلق رصاصة واحدة. في العمق، يحمل الطرح الاقتصادي الإسرائيلي أهدافاً متشابكة. أولها سياسي بامتياز: كسر جدار العداء الرسمي مع لبنان. فمنذ توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، تحاول إسرائيل أن تُقنع العالم بأنها قادرة على بناء سلام واقعي مع جيرانها، مستفيدة من تبدّل المناخ الإقليمي، ومن موجة التطبيع العربي التي فتحت شهية نتنياهو على تحقيق إنجاز مشابه في الساحة اللبنانية.

فمجرد جلوس وفد لبناني مدني إلى طاولة فيها إسرائيلي، وإن بغطاءٍ أممي أو أميركي، يشكّل بالنسبة إلى تل أبيب مكسباً رمزياً يفتح الباب أمام تطبيع تدريجي مغلف بلغة الاقتصاد والتنمية. الهدف الثاني يتعلّق بالموارد، تحديداً ملف الغاز والنفط البحري. فإسرائيل تدرك أنّ لبنان، الغارق في انهيارٍ اقتصادي ومالي غير مسبوق، لن يستطيع قريباً استثمار موارده من دون تنسيقٍ أو تفاهمات إقليمية.

ومن هنا، يأتي طرح التعاون الاقتصادي باعتباره ممرّاً إلزامياً تفرضه "الواقعية" تمهيداً لتحويل الحدود البحرية إلى منطقةٍ اقتصادية مشتركة تخدم مصالحها أولاً، وتُقيد حركة لبنان في المقابل بشروطٍ أمنية وسياسية دقيقة. بكلماتٍ أخرى، تريد إسرائيل أن تُحوّل ثروة لبنان المحتملة إلى ورقة نفوذٍ إضافية بيدها، وأن تضمن هدوء الجبهة الجنوبية بحجة تأمين الاستثمارات المشتركة. أما البُعد الثالث فهو أمني بامتياز.

إذ يسعى نتنياهو إلى توظيف الانفتاح الاقتصادي أداةً لتطويق حزب الله داخلياً، عبر خلق خطابٍ لبناني جديد مفاده أنّ التسليح يعطّل التنمية، وأنّ نزع السلاح هو مدخل الازدهار. بذلك، يقدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه للمجتمع الدولي زعيماً يسعى إلى السلام، فيما يضع لبنان أمام معادلةٍ خبيثة: إمّا الانخراط في مشروع اقتصادي مشترك، وإمّا البقاء في عزلةٍ وفقرٍ دائمين. وهي محاولة لتقويض ميزان الردع القائم من خلال القوة الناعمة بدل القوة الخشنة.

في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل البُعد الدعائي للخطوة. فنتنياهو، الغارق في أزماته السياسية الداخلية وتراجع شعبيته، يبحث عن أي إنجازٍ خارجي يرمّم صورته أمام الداخل الإسرائيلي. بعد فشل الحكومة في حسم الحرب على غزة، وفي ظلّ الضغوط القضائية والاحتجاجات الداخلية، يأتي الحديث عن مفاوضات اقتصادية مع لبنان وسيلةً لتحويل الأنظار، وإظهار نفسه قائداً يمتلك رؤيةً استراتيجية تتجاوز الحرب إلى بناء شرق أوسط جديد تقوده إسرائيل اقتصادياً. فإنها ببساطة محاولة لغسل الصورة الدموية عبر لغة التعاون.

لكنّ الأخطر من كل ذلك أنّ نتنياهو يراهن على ضعف لبنان. الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ خمس سنوات جعلت الدولة هشّة، فيما المجتمع الدولي متردد في مساعدتها من دون شروط. في هذا السياق، قد تُغري أي مبادرةٍ إسرائيلية بعض الأطراف المحلية التي تبحث عن حلولٍ عاجلة أو استثماراتٍ سريعة.

وهنا يكمن الفخّ الحقيقي: أن يُستخدم الاقتصاد حصانَ طروادة لتسلّل النفوذ الإسرائيلي إلى عمق القرار اللبناني. فحين يصبح الحديث عن مشاريع مشتركة وفرص استثمارية مألوفاً في الخطاب العام، يتراجع الحسّ الوطني لصالح المنطق البراغماتي، وتُكسر المحرّمات تدريجياً. ولعلّ أبرز ما يجعل لبنان في موقعٍ حرج هو ازدواجية الرسائل الدولية. فالولايات المتحدة والدول الغربية تُشجّع أي خطوةٍ تخفف التوتر على الحدود، لكنها في الوقت نفسه ترفض الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها أو التزامها بالقرارات الدولية. وهذا ما يمنح تل أبيب هامشاً واسعاً للمناورة.

فباسم الاستقرار الاقتصادي، يمكنها فرض وقائع جديدة على الأرض، تماماً كما فعلت في ملف ترسيم الحدود البحرية، حين نجحت في الحصول على تنازلات لبنانية تحت عنوان التسوية الضرورية لتفادي الحرب. من هنا، يجب أن يكون التعامل اللبناني مع مبادرة نتنياهو على أقصى درجات الحذر. فالتفاوض الاقتصادي، مهما بدت أهدافه إنسانية أو تنموية، لا يمكن فصله عن ميزان القوى.

والمشكلة ليست في مبدأ الحوار بحد ذاته، بل في توقيته وسياقه: إسرائيل تريد استثمار الانهيار اللبناني لتفرض شروطها، لا لتبني شراكة متكافئة. وأيّ قبولٍ غير محسوب لهذا المسار قد يفتح الباب أمام موجة تطبيعٍ ناعمة تُعيد تعريف علاقة لبنان بعدوه التاريخي. في النهاية، لا يبدو أنّ نية نتنياهو تحمل نَفَسَ سلامٍ حقيقي. إنها أقرب إلى خطةٍ محكمة لجرّ لبنان إلى حقلٍ جديد من الهيمنة، يخلط بين الاقتصاد والسياسة والأمن.

فحين تتحدث إسرائيل عن التعاون، تقصد السيطرة، وحين تعرض السلام، تسعى إلى تفكيك جبهةٍ أخرى من دون حرب. لذلك، لا بدّ من أن يقرأ لبنان هذه الإشارات جيداً: فالفخّ هذه المرة يأتي بالعروض الاستثمارية. والردّ عليه لا يكون بالشعارات، بل بالتمسّك بالسيادة والوعي لحدود اللعبة التي يُراد له أن يدخلها طائعاً.

المساهمون