منظومة فساد واحتكار لمساعدات غزة... ابتزاز التنسيقات
استمع إلى الملخص
- دخول الشاحنات إلى غزة يتطلب دفع مبالغ ضخمة تصل إلى 100 ألف دولار، مما يضاعف التكلفة على التجار، بينما تنفي الحكومة فرض أي ضرائب على السلع المستوردة.
- القيود الإسرائيلية تحولت إلى ابتزاز تجاري، مما أثر على قطاعي الإنشاءات والطاقة، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل كبير، مما زاد الفقر والبطالة.
يعيش قطاع غزة أزمة اقتصادية خانقة، تتفاقم حدتها بشكل غير مسبوق، نتيجة للقيود المشددة المفروضة على حركة البضائع عبر المعابر، حيث تحولت عملية إدخال السلع الأساسية إلى مسار معقد ومكلف، يقوم على التنسيقات المدفوعة والرسوم غير الرسمية. هذا الأمر أدى إلى قفزات هائلة في الأسعار أضعفت النشاط التجاري وربما أربكته في مختلف القطاعات.
وتشير شهادات تجارية إلى أن دخول الشاحنات إلى قطاع غزة المحاصر بات مرتبطاً بدفع مبالغ فلكية، سواء لجهات تتحكم في تمرير المساعدات، أو لتأمين مرورها داخل القطاع دون سرقة أو تعطيل، ضمن ممارسات رسَّخت بيئة احتكارية قيّدت المنافسة وأتاحت لقلة نافذة التحكم في السوق، ما أدى إلى تشوه واضح في منظومة الأسعار.
وفي ظل استمرار القيود الإسرائيلية على المعابر، وغياب آليات رقابة شفافة على إدارة المساعدات والبضائع، تتعمق أزمات غزة الاقتصادية والاجتماعية، مع تحذيرات من انهيار القدرة الشرائية وارتفاع مستويات الفقر والبطالة.
مبالغ فلكية
من بين تلك الشهادات ما أكده مصدر تجاري مطلع بأن الارتفاع الكبير في أسعار السلع والبضائع الأساسية في قطاع غزة يعود إلى المبالغ الفلكية التي تدفع لتنسيق دخول الشاحنات عبر المعابر، إضافة إلى الاحتكار والفساد في إدارة المساعدات وتوزيعها.
وقال المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، في حديث لـ"العربي الجديد" إن دخول شاحنات المساعدات محصور حالياً في أربع مؤسسات دولية فقط، تحوم حولها شبهات فساد، حيث تبيع التنسيقات لتجار محدودين، وصفهم المصدر بأنهم الأكثر فساداً في السوق المحلي، ما أدى إلى تشوه منظومة الأسعار وحرمان مئات التجار المنافسة العادلة.
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تفرض مبالغ ضخمة على كل شاحنة، قد تصل إلى 100 ألف الدولار وربما أكثر، حسب نوع البضائع وحجم الطلب عليها في القطاع، إذ تكون التنسيقات الأعلى على معدات الطاقة وأجهزة المحمول واللحوم والدواجن، بينما تقل على الملابس والخضراوات والفواكه، وتنخفض أكثر على السلع الأقل طلباً.
وأضاف: "التجار في غزة يضطرون إلى دفع مبالغ إضافية لتأمين وصول الشاحنات إلى المخازن دون تعرضها للسرقة، حيث يراوح المبلغ بين خمسة وعشرة آلاف دولار للشاحنة الواحدة، وهو ما يضاعف التكلفة بشكل غير مسبوق". ولفت إلى أن الحكومة تفرض ضرائب إضافية على بعض السلع مثل السجائر والهواتف المحمولة، ما يساهم في رفع الأسعار أكثر.
وختم المصدر حديثه بالتأكيد أن هذه المنظومة من التنسيقات والاحتكار والتأمين جعلت سعر بعض الشاحنات يتجاوز عشرة أضعاف سعرها الطبيعي مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى انهيار القدرة الشرائية واحتكار السوق من قلة نافذة.
من جهته، نفى المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، فرض أي ضرائب أو رسوم أو جمارك في قطاع غزة على السلع المستوردة، مؤكداً أن جميع أنواع الضرائب والرسوم متوقفة بالكامل، بما في ذلك ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة والجمارك والتعليات الجمركية وسائر الرسوم الأخرى.
وقال الثوابتة إن الجهات الحكومية في غزة تقتصر أدوارها حالياً على الجوانب الخدمية والإنسانية فقط، ولا تمارس أي مهام مالية أو سياسية ذات طابع سيادي، مشيراً إلى أن هذا الإجراء يأتي في إطار حرص الجهات الحكومية على التخفيف عن المواطنين في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.
ابتزاز تجاري
وصرَّح رئيس الغرفة التجارية في غزة، عائد أبو رمضان، بأن القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال السلع والبضائع إلى قطاع غزة بعد الحرب، تحولت إلى ابتزاز تجاري ممنهج في انتهاك واضح للقوانين الدولية والاتفاقيات الإنسانية.
وقال أبو رمضان في حديث لـ"العربي الجديد" إن سلطات الاحتلال تفرض إجراءات مشددة على حركة المعابر، حيث يُسمَح بإدخال بعض البضائع مقابل مبالغ مالية غير رسمية تدفع لجهات مجهولة دون إيصالات أو شفافية، مشيراً إلى أن مبالغ الابتزاز تراوح بين 500 ألف ومليوني شيكل لكل شاحنة بحسب نوع البضاعة.
وبيّن أن قطاعي الإنشاءات والطاقة هما الأكثر تضرراً، وخصوصاً في إدخال الإسمنت والحديد ومعدات الطاقة الشمسية والمواد الخام، لافتاً إلى أن إجمالي المبالغ المدفوعة لتنسيق دخول البضائع بلغت نحو 805 ملايين دولار حتى 2 مارس/ آذار 2025، دون احتساب الخسائر غير المباشرة الناتجة من تعطل المشاريع وتأخر التوريد.
وأشار أبو رمضان إلى أن هذه الممارسات أدت إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة تراوح بين 200 و500% مقارنة بفترة ما قبل الحرب، وفق مؤشرات الغرف التجارية خلال أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
ووفق إحصائية صادرة عن الغرفة التجارية، فإن 73% من التجار أكدوا أن هذه الإجراءات أعاقت عملياتهم التجارية وأضعفت رأس مالهم التشغيلي، ما انعكس سلباً على المواطنين ورفع مستويات الفقر والبطالة.
وطالب أبو رمضان بفتح تحقيق دولي مستقل في هذه الانتهاكات، وتفعيل آلية رقابة شفافة بإشراف الأمم المتحدة على عمل المعابر، مع السماح بالتوريد التجاري الحر ورفع القيود عن معبر رفح لتمكين الشركات الفلسطينية من التعامل المباشر مع الموردين العرب.
وختم رئيس الغرفة التجارية تصريحه بالتأكيد أن الابتزاز التجاري وغياب الشفافية في إدارة المعابر يمثلان خطراً حقيقياً على مسار التعافي الاقتصادي والإنساني في قطاع غزة، داعياً المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل لضمان انسياب السلع والمساعدات بشكل قانوني وآمن.