مصر... علب "الكانز" تتحول إلى كنز للفقراء والأثرياء

13 مايو 2026   |  آخر تحديث: 10:42 (توقيت القدس)
ارتفاع كبير في أسعار المشروبات الغازية (محمد الشاهد/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- توقف مصانع الألومنيوم في قطر والبحرين أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار العلب الفارغة، مما دفع "النباشين" للبحث عن علب الألومنيوم في الشوارع، مسببين فوضى في مكبات القمامة.

- ارتفاع أسعار الألومنيوم إلى 3600 دولار للطن أثر على تكلفة إنتاج المشروبات الغازية، مما دفع الشركات لرفع الأسعار. كما أثر توقف إنتاج الغاز في قطر على الصناعات الحيوية مثل الألومنيوم والأسمدة.

- النقص في عبوات الألومنيوم دفع الشركات للتحول إلى العبوات البلاستيكية، التي ارتفعت أسعارها بأكثر من 80%، مما زاد من تكاليف الإنتاج ورفع أسعار المشروبات الغازية في مصر.

توقفت مصانع الألومنيوم في قطر والبحرين، وتعطلت سلاسل إمدادات "العلب الجاهزة" من الإمارات والسعودية، فانتشر "النباشون" (العاملون في جمع المخلفات لتدويرها) بحثاً عن علب "الكانز" في شوارع القاهرة والمدن الكبرى، لتغذية مصانع المشروبات الغازية وعلب الأدوية والسلع الغذائية المتعطشة للمعدن الفضي. وحوّل "النباشون" مكبات القمامة إلى ساحات من الفوضى، لم تتمكن الأجهزة المحلية والحملات الأمنية من احتوائها طوال الأسابيع الماضية، بسبب كثرة الباحثين عن "الكانز" بين مخلفات المنازل والمطاعم، بعدما أصبحت علب المشروبات كنزاً يتهافت عليه العاطلون والمشردون وكثير من أبناء الجاليات الأجنبية، لإعادة بيعها إلى مصانع "تدوير المخلفات" التي تتولى صهرها وبيعها لشركات الدرفلة (تشكيل المعادن) وتصنيع المشروبات والمنتجات الغذائية.
وأوجد "النباشون" بورصة لبيع مخلفات "الكانز" وعلب الألومنيوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما ارتفع سعر كيلو العلب الفارغة من نحو 25 جنيهاً إلى 90 جنيهاً بنهاية الشهر الأول من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ثم إلى 127 جنيهاً الأسبوع الجاري (الدولار = نحو 52.6 جنيهاً)، متأثراً بتعطل مصانع إنتاج الألومنيوم في قطر والبحرين، وشح إمدادات رقائق الألومنيوم والعبوات إلى المصانع المصرية، التي تعاني من ارتفاع هائل في سعر طن الألومنيوم الخام إلى نحو 3600 دولار، والقواطع إلى 5600 دولار، والرقائق إلى نحو 60 ألف دولار، بما يمثل ثلاثة أضعاف مستويات ما قبل الحرب.

ويؤكد تاجر "فوارغ الكانز" محمود كامل، لـ"العربي الجديد"، أنه يتلقى مئات المكالمات من مصانع صهر المعادن الراغبة في شراء ما يجمعه من "النباشين"، الذين يبحثون عن كل قطعة ملقاة في الشوارع، بعدما تحولت المهنة إلى مصدر دخل يومي يدر مئات الجنيهات على العاطلين عن العمل، ما جعلها صناعة واسعة تشمل الجمع وإعادة التدوير والصهر والدرفلة. ويشير كامل إلى أن علب "الكانز" تحولت إلى "كنز" للفقراء الباحثين عن لقمة العيش، وثروة للأغنياء الذين باتوا يشترطون على شركات القمامة شراء مخلفاتهم في التجمعات السكنية الراقية والفنادق، بدلاً من تركها لجامعي القمامة التقليديين.

رفع أسعار المشروبات

دفعت الأزمة شركات المشروبات إلى رفع أسعار منتجاتها مرتين منذ اندلاع الحرب، فيما يستعد الموزعون لزيادة جديدة مع نهاية الشهر الجاري، مدفوعة باستمرار تعطل إمدادات المعدن الفضي من قطر والبحرين والعبوات من الأسواق الدولية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتشغيل. ويقول عميد كلية النقل البحري واللوجستيات السابق أحمد محمد علي، إن دول الخليج، خصوصاً قطر والبحرين، تنتج كميات ضخمة من الألومنيوم اعتماداً على الغاز الطبيعي الرخيص والطاقة منخفضة التكلفة، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن توقف الإنتاج القطري من الغاز، الذي يمثل نحو 20% من الإمدادات العالمية اليومية، أدى إلى توقف العديد من الصناعات الحيوية في قطر ودول صناعية أخرى تحتاج إلى الطاقة الرخيصة لصهر وتصنيع الألومنيوم والأسمدة، إضافة إلى الصناعات الدوائية والإلكترونية التي تعتمد على الهيليوم، الذي تمثل قطر نحو 95% من إنتاجه العالمي.
وتأتي علب الألومنيوم عبر سلاسل إمداد واسعة، إذ تستورد قطر والبحرين الخام من مناجم أستراليا وجنوب أفريقيا عبر مضيق هرمز، ليُصهر في الخليج ويُعاد شحنه مصنعاً عبر المضيق مرة أخرى، ما جعل الصناعة أسيرة للحرب في المنطقة، ومتأثرة بشدة بتطورات العمليات العسكرية وأسعار النفط والغاز، الأمر الذي بات يحدد سعر علبة المشروبات الغازية في شوارع القاهرة.
ويشير أعضاء في غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية إلى أن صناعة عبوات المشروبات الغازية والمحفوظات والأدوية في الشرق الأوسط تعتمد على شبكة معقدة تشمل إنتاج الألومنيوم الخام، ومصانع لفّ الصفائح المعدنية (الدرفلة)، وشركات تصنيع العبوات الدوائية، ثم شركات التعبئة التابعة لكوكا كولا وبيبسي وغيرهما. وأي اضطراب في إمدادات الألومنيوم من الخليج ينعكس سريعاً على أسعار العبوات والمشروبات، لأن العبوة نفسها أصبحت تمثل جزءاً متزايداً من تكلفة المنتج النهائي.
ويُعد مصنع ألمنيوم البحرين "ألبا" أحد أكبر مصاهر الألومنيوم في العالم بطاقة تتجاوز 1.6 مليون طن سنوياً، بينما تنتج "قطلوم" القطرية نحو 650 ألف طن سنوياً. ويشير مصنعون إلى أن هذه المعادن لا تتحول مباشرة إلى علب مشروبات، بل تمر بعدة مراحل تبدأ بصهر الألومنيوم الخام، ثم تحويله إلى صفائح رقيقة مخصصة للعلب، قبل إرسالها إلى مصانع تشكيل العبوات التي تزود شركات المشروبات والأدوية.

شركات عالمية متخصصة

ويوضح مصدر بغرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية أن معظم عبوات المشروبات الغازية في الشرق الأوسط لا تُصنع داخل مصانع كوكا كولا أو بيببسي نفسها، بل لدى شركات عالمية متخصصة مثل Ball Corporation وCrown Holdings وCANPACK، بينما توجد مراكز تصنيع رئيسية في أبوظبي ودبي والبحرين والسعودية، وفي مصر بشكل محدود يركز على التعبئة أكثر من التصنيع المعدني الكامل، لأن معظم الألومنيوم المستخدم في العلب مستورد أو معاد تدويره جزئياً، فيما تتم عمليات التعبئة محلياً عبر شركات متخصصة في هذا المجال.

الاقتصاد المصري يحتاج إلى إعادة هيكلة لمواجهة أعباء الديون (Getty)
اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ويؤكد المصدر أن العجز في الإنتاج المحلي دفع الشركات إلى التنافس على شراء عوائد تدوير علب "الكانز"، التي يجري صهر أغلبها في أفران خاصة يمتلكها أفراد أو جمعيات تعمل في مجال تدوير المخلفات والحفاظ على البيئة. ويضيف أن ارتفاع أسعار الألومنيوم بالتوازي مع زيادة أسعار المحروقات والشحن، وشح التوريد من دول الخليج، ضاعف تكلفة العبوة نفسها، التي ارتفعت حصتها من تكلفة المشروب الغازي من 15% إلى ما بين 30% و40%، بعدما تجاوز سعر طن الألومنيوم 3600 دولار عالمياً، ووصل محلياً إلى نحو 300 ألف جنيه، أي ما يعادل 5600 دولار، بزيادة تقارب ألفي دولار عن المعدلات الدولية.
وأكد أن ارتفاع الأسعار وشح الإمدادات من العبوات الجاهزة القادمة من السعودية والإمارات ورقائق الألومنيوم من قطر، أوجدا نقصاً حاداً في عبوات المشروبات الغازية، بعد تعطل مصانع الصهر في قطر والبحرين، ما دفع شركات إنتاج المشروبات والأدوية إلى التحول نحو العبوات البلاستيكية، التي ارتفعت أسعارها بأكثر من 80% خلال الفترة نفسها، بما شكّل ضغطاً إضافياً على الصناعات المختلفة، ودفع شركات توزيع منتجات الكولا والمشروبات الغازية إلى خفض الإنتاج، رغم دخول موسم الصيف وذروة الطلب في مصر والمنطقة العربية.
ويضيف المصدر أن الأزمة تفاقمت مع ارتفاع تكلفة الكهرباء وزيادة أسعار الغاز للمصانع خلال الشهرين الماضيين، واستمرار الاضطرابات الجيوسياسية في الخليج.

وبحسب تقديرات مصنعين، تتراوح تكلفة عبوة المشروب الغازي سعة 330 مل بين 3 و6 سنتات أميركية، وعبوة 250 مل بين 2.5 و5 سنتات، فيما تتراوح تكلفة مليون علبة بين 30 ألف دولار و60 ألفاً، بخلاف الشحن والتعبئة. وارتفعت أسعار المشروبات الغازية في مصر خلال عام 2026 عبر ثلاث موجات رئيسية.

زيادة تكلفة مستلزمات الإنتاج

فسر رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية حازم المنوفي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، لجوء شركات المشروبات إلى رفع الأسعار بزيادة تكلفة مستلزمات الإنتاج والخامات المستوردة وأسعار الشحن والمحروقات والنقل، إلى جانب تراجع الجنيه أمام الدولار وصعوبة تأمين احتياجات الموردين بسبب استمرار الحرب في الخليج.
ورغم اعتماد أغلب المنتجين حالياً على العبوات البلاستيكية، فإنهم ما زالوا بحاجة إلى مئات الملايين من العلب المعدنية لتلبية طلبات المستهلكين، خصوصاً في المطاعم والأسواق الحديثة، ممن يفضلون تناول المشروبات الغازية في عبوات معدنية مثلجة، فيما ترتفع هذه النسبة في دول الخليج بسبب ارتفاع درجات الحرارة ومستويات الدخل.
ويؤكد اقتصاديون أن زيادة أسعار المواد الغذائية والمشروبات تضيف ضغوطاً جديدة على المصريين في مواجهة تكاليف المعيشة، ما يدفع إلى خفض الاستهلاك ويزيد من حالة الركود التي يعاني منها القطاع الإنتاجي غير النفطي، والذي تراجع إلى أقل من 48 نقطة في إبريل/ نيسان الماضي وفق مؤشر S&P Global، ما يدفع الشركات إلى تقليص الإنتاج والتشغيل.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفعت أسعار مجموعة "المياه المعدنية والغازية والعصائر الطبيعية" بنسبة 0.2% على أساس شهري في إبريل الماضي مقارنة بمارس/آذار 2026.